25/10/2026
غادرتُ الخليل وأنا صغيرة، بعدما رحل أبي إلى مصر بحثًا عن عمل، فقد ضاقت الأحوال الاقتصادية في المدينة، ولم يعد أمام الناس ما يكفي ليعيلوا أسرهم، قصد الناس القاهرة حسنها ليعملوا في التجارة، هنام سكنا في باب اللوق، بعيدًا عن حارتنا وأهلنا، لكن الخليل ظلت حاضرة في أحاديث البيت وفي كل خبرٍ يصلنا منها، وحين اندلعت الحرب العالمية الثانية عدنا للخليل، وبعد أن اشتدت معارك صحراء مصر في الحرب العالمية الثانية، وصل إلى الخليل بعض الفارين من تلك المعارك، فعرفت المدينة مرةً أخرى معنى أن يحمل الناس خوفهم وأمتعتهم ويبحثوا عن مكانٍ يأويهم.
سكنت عائلتنا في منطقة خان شاهين، وهناك بدأت أتعرف إلى الخليل من جديد، بحاراتها وناسها وما يمرّ بها من أيام، درست في المدرسة الابتدائية، ثم تعلمت الخياطة عند بنات عبد الهادي وكنّ من نابلس، كانت الخياطة بابًا تعلمت منه الصبر والدقة، وكانت أيام التعلم جزءًا من طفولتي التي أستعيدها اليوم بحنين، كما أستعيد وجوه من علمتني وما جمعنا من أحاديث.
فتح والدي ملحمة في سوق القزازين، كانت البلاد تعيش زمن الانتداب البريطاني، ولم تكن البيوت بعيدة عن التفتيش والمداهمات؛ كانت القوات البريطانية تدخل المنازل وتفتشها، ويظل الناس بعد خروجها يتحدثون عمّا جرى، وكأن أثرها لا يغادر عتبة البيت، ثم جاءت معارك النكبة، وأُصيب أبي في معارك كفار عصيون، فصار خبر إصابته وجعًا آخر حملته العائلة في أيامٍ كانت فيها البلاد كلها على حافة الفقد.
تزوجت قبل النكبة بأيام قليلة، كان زوجي حينها يعمل في صناعة الأحذية/ كندرجي، وكانت الحياة تمضي بنا على بساطتها، لا نعرف أن الأيام القليلة التي تفصلنا عن النكبة ستبدل كل شيء، انقطعت طرق وتفرقت عائلات، وصار الناس يبحثون عن بعضهم في مدنٍ وبلدان مختلفة، بعد النكبة، نزل الثلج بقسوة، وتهدمت خيام اللاجئين، فوجد من خرجوا من بيوتهم أنفسهم أمام بردٍ وخيامٍ لا تصمد، وأمام حياةٍ لم يختاروها.
تشتت شمل عائلتي؛ ذهب أهلي إلى عمّان، ورحلت أختي من المجدل إلى غزة، بينما بقيت أنا في الخليل، لم يكن الفراق قرارًا اتخذناه، بل كان ما فرضته الأيام علينا، مضت سنوات وأنا لا أجتمع بأمي وأختي، وكل واحدة منا في مكان تحمل ذاكرتها وتنتظر خبرًا أو لقاءً يعيد شيئًا من العائلة التي فرقتها النكبة.
قبل تلك السنوات، كانت البلدة القديمة في الخليل عامرةً بوفود الزوار والحجاج القادمين من الهند وباكستان وتركيا، كان لهم حضورٌ في طرقات المدينة وأسواقها، وكانت الخليل تستقبلهم بما عُرفت به من ألفةٍ وكرم، كلما تذكرت تلك الوفود، عادت إليّ صورة البلدة القديمة كما كانت؛ مدينةً مفتوحة على العالم.
وعندما احتُلّت الخليل عام 1967، ذهبت إلى عمّان وهناك التقيت أمي وأختي بعد سنواتٍ من التشتت، لا أستطيع أن أصف ذلك اللقاء بكلماتٍ قليلة؛ فقد حملتُ معي أعوام الغياب، وحملت كل واحدة منهما ما عاشته بعيدًا عن الأخرى،كان اللقاء عودةً إلى العائلة، لكنه كان أيضًا تذكيرًا بكل ما سلبته منا الحروب والتهجير، وبالسنوات التي مرّت من دون أن نكون معًا.
كبر أبنائي، وكان أحدهم مهندسًا وعمل في العراق، ثم وصلنا خبر مقتله على يد الحرس الخاص لعدي بن صدام حسين، لم تكن الغربة قد أبعدته عن قلبي يومًا، لكن خبر موته أعاده إليّ بكل ما فيه من حضورٍ وغياب.
عشتُ بين مدنٍ وبلدانٍ فرّقت عائلتي، وبين أعوامٍ صنعتها الحرب واللجوء والاحتلال، كلما عدت بذاكرتي إلى الخليل، رأيت وجوه الذين أحببتهم والأماكن التي لم تغادر قلبي بتاتًا.
جانب من لقاء فريق التأريخ الشفوي التابع لنادي الندوة الثقافي مع السيدة (هدى بدر/ أم زياد) مواليد 1933م، الشكر موصول لها ولعائلتها على حسن الضيافة والاستقبال.