18/03/2026
غياب العدل في عيد الرحيل
رحيل الجسد وبقاء الأثر:
قاضي القلوب في ذاكرة العيد:
القاضي عبد المعين عبدالرحمن سلام الرباصي
تمرُّ الأيام، وتتعاقب الأعياد، لكنَّ بعض الوجوه تظلُّ محفورة في ذاكرة الوجدان، لا يمحوها غياب ولا يطويها رحيل. وبينما نستعد اليوم لاستقبال عيد الفطر المبارك لعام 2026، تعود بي الذاكرة ثماني سنوات إلى الوراء، وتحديداً إلى صبيحة عيد الأضحى لعام 2017، حين وثقت عدسة قناة "يمن شباب" مع الإعلامي عبدالعزيز الذبحاني لحظات لا تُنسى في "سوق المحطة".
كنا يومها، أنا والمرحوم القاضي عبدالمعين عبدالرحمن سلام الرباصي، قد فرغنا من أداء شعيرة الصلاة في "جامع المحصامة" بعزلة الربيصة. أتذكره وهو يقف في طليعة الصفوف، يوزع الابتسامات والتهاني على المصلين بحفاوة بالغة. كانت البهجة تشع من تقاسيم وجهه، رغم ما خطّه الزمن عليه من تعب، ورغم الأوضاع المعيشية المتردية التي عصفت بالبلاد وأنهكت المواطن بمرارة الحرب وانقطاع السبل الا ان هذا هي الطبيعه التي توجب أن يكون عليها لن يعتلي المقدمه في كل شي ..
انطلقنا بعدها نحو "سوق المحطة" — ذلك القلب النابض الذي يتوسط عزل (المذاحج، الربيصة، جبل صبران، الأكاحلة، وشرجب) — لنقتني الأضاحي. كان حديثه ينساب عذوبةً، يغسل عن النفس هموم الواقع، ويمحو بصفائه كدر الحياة.
البلسم الذي يداوي الجراح
في تلك المقابلة التلفزيونية، تجلّت عبقرية روح القاضي "رحمه الله". فبينما كان البعض يقابل الشعائر الدينية بضيق العيش وعبوس الوجه، كان هو يفيض شغفاً بالحياة وروحاً للسلام. لم يكن مجرد عابر سبيل، بل كان يبث روح التلاحم والمودة في كل من يلقاه؛ في المسجد، في مجلسه، أو حتى في وسائل المواصلات العامة
كانت كلماته في ذلك المقطع بمثابة الماء العذب والثلج الذي يبرد الصدور، بلسمٌ حقيقي يداوي الجراح لكل من سمعه أو جالسَه ولو للحظات عابرة.
اليوم، ونحن على أعتاب عيد الفطر، يطلُّ علينا العيد بحلته البهيجة، والناس يستعدون لفرحة الإفطار التي وعد بها المصطفى ﷺ، لكنَّ هذا العيد يأتي بصبغة مختلفة. إنه العيد الأول الذي سنقف فيه في صفوف المصلين ولا نجد القاضي في مقدمتنا، ولن نسمع صوته يتردد بالتهاني.
نحن مؤمنون بقضاء الله وقدره، وبأن "كلُّ نفسٍ ذائقة الموت"، لكنَّ الفراغ الذي تركه رحيل تلك الروح الطاهرة يغرس في القلب غصة. لقد رحلت يا قاضينا، ولكنك تركت خلفك وساماً من الأثر الطيب سيظل التاريخ يخلده في قلوبنا وقلوب محبيك ما حيينا.
رحم الله القاضي عبدالمعين، وجعل عيده في الجنة أجمل.
غَيبةُ العَدلِ في عِيدِ الرَّحيل
أَطلَّ العيدُ، لـكنْ.. أيُّ عيـدِ؟ ...
وفي "التُّـرْبةْ" نَحيـبٌ من بعيدِ
تئنُّ ''اليمن'' ُو"تـعزُّ" من وجـعِ الـثَّنايا ... وتلتحـفُ الأسـى ثـوباً جـديـدِ
مضى "عَبـدُ المُعـينِ" وكان نُـوراً ... يُضيءُ الدربَ في الفـكرِ السَّديدِ
أيا ريـفاً سـقاكَ الـغيمُ شَهـداً ... وعـطَّركَ القـضـاءُ بـكـلِّ جـودِ
لقد كُنَّـا نـحيِّـي الـعيدَ جـمْعـاً ... بوجـهٍ مـشرقٍ، سـمحِ الـورودِ
نـجالسُ فـيكَ مـعـرفةً وفِـكـراً ... نـهـيـمُ بـعـقـلكَ الـفَذِّ الـفـريـدِ
فـكيفَ اليـومَ تـحـتفلُ الروابي؟ ... وعـلاَّمـةُ الـمـدى تحتَ الـصَّـعـيدِ
قـضى عـمـراً بـمـيزانٍ حـكيـمٍ ... ونـزهـتُـهُ سـمـتْ فـوقَ الـوُعـودِ
إذا نـطـقَ الـقـضاءُ جـرى عـدلاً ... بـصـدقٍ مـا لـه فـيـنا جـحـودِ
فَـطينٌ، يـقـرأُ الألـغـازَ حـزمـاً ... ويـحـكـمُ بالـتُّـقـى دونَ الـجـمـودِ
هـو القـائـدُ الـذي طـابـت خـطـاهُ ... وعـاشَ مُـبـرَّأً مـن كـلِّ ريـدِ
سـلامُ اللهِ، يا رمـزاً تـوارى ... ويـا وجـعـاً يـُقـطِّـعُ في الـوُريـدِ
"تعزُّ" و"التربةُ" وقرية الربيصةُ تـبكي ... غـيـابَ الـعـدْلِ في الـيـومِ الـسَّعيدِ
جـعلتَ الـعلمَ والإنـصافَ نـهجاً ... فـطِـبْ مـثـوىً بـجـنـاتِ الـخـلودِ
بقلم / المهندس والمقاول إبراهيم الرباصي
#تعز #التربة #حجرية #الربيصة