01/02/2026
كتب/ المحامي د. عمر باوزير
هذا الكتيب الصغير هو دستور مملكة ماليزيا الاتحادية، للتأمل والتفكر، لما في هذا الدستور من عبر تاريخية سياسية وأسس قانونية تناسب الوضع القائم لليمن في نقاط إلتقاء مفصلية، قد يكون لهذا النموذج الاتحادي دورا كبيرا في المساهمة في تشكيل النظام المفكك في اليمن، وذلك كما يلي:
مقدمة: إن إتحاد الملايو استقل من الاستعمار البريطاني في 31/أغسطس/1957م، وكان في حينها يضم (9) تسع ولايات. وبعد ذلك انضم إلى هذا الاتحاد ولايتي صباح وسرواك (ويسميان ب"شمال جزيرة بورنيو") وكذا سنغفافورة وذلك بموجب اتفاقية اتحاد ماليزيا في 9/يوليو/1963م، بينما كوالالمبور تعتبر عاصمة الإقليم الاتحادي وليس ولاية. وهذا الاتحاد يتكون من أعراق متعدد ومنهم: الملايو (السكان الأصليين والصينيين والهنود الذين جلبهم الاستعمار البريطاني آنذاك، ومختلف الديانات.
1. إن دولة سنغافورة انسحبت من اتحاد ماليزيا وذلك في 9/ أغسطس/1965م بسبب خلافات سياسية واقتصادية بين الحكومة الاتحادية في العاصمة كوالالمبور وحكومة سنغافورة، حيث كانت حكومة سنغافورة تطالب بالمساواة بين كل الأعراق، بينما الاتحاد الماليزي تبنى سياسة مميزات خاصة للسكان الأصليين (الملايو). كانت سنغافورة عند الاستقلال دولة فقيرة صغيرة، إلا إن رئيس وزرائها آنذاك "لي كوان يو" ركز على التعليم وبهذا حققت نمو إقتصادي هائل وحالياً أصبح دخل الفرد السنغافوري متقدما على مستوى العالم وذلك رغم قلة الموارد الطبيعية. وهذا يدحض الرؤية الخاطئة بأن الأمن والقضاء لهما أهمية أكبر من التعليم، ولسنا هنا بصدد ضد دعمهما لكن أن يستثمر في الفرع ويتجاهل الأصل فلا تبنى الدولة. فإن أساس القاضي والعسكري والمهندس...الخ، هم مربي وصانعي تلك العقول (المعلم والأستاذ الجامعي).
2. إن الدستور الاتحادي منح ولايتي صباح وسرواك (بورنيو) إقليماً خاصاً يتميز عن بقية الأقاليم الأخرى، لكون هاتين الولايتين تمتلك الثروات المعدنية وإن ثقافة شعوبهما تختلف عن ثقافة بقية الولايات. ومن هذه المميزات لولايتي صباح وسرواك تتمتعان بوضع دستوري خاص، حيث يخضع دخول المواطنين الماليزيين إليهما لتصاريح محلية، وهو استثناء مشروع يوازن بين وحدة الدولة وخصوصية الأقاليم. كما أن من الدستور الماليزي يعترف بحقوق السكان الأصليين، وتمنحهم حماية خاصة للأراضي والموارد، فيما تحظر قوانين الأراضي هناك تملك الأراضي الزراعية والعرفية والداخلية لغير السكان الأصليين أو الشركات غير المحلية. بالإضافة إلى، حق الترشح والانتخاب يكون حصراً على السكان الأصليين لتلك الولايتين. النظام الفدرالي اليمني المستقبلي يجب أن يوازن بين صلاحيات الدولة الاتحادية وصلاحيات الأقاليم، بحيث لا تكون الأولى مطلقة ولا الثانية مقيدة، خاصة في الأقاليم ذات الهوية التاريخية مثل حضرموت، حتى لا يهدد بتحويل سكانها الأصليين إلى أقلية، ويضعف قرارها السياسي المحلي، ومن تعود الأزمات السياسية بعد عقد أو عقدين من الزمن. لذا ينبغي أن يخضع التملك للأراضي لحدود قوانين الإقليم بما لا يكون هناك ضرر على السكان الأصليين، وأن يكون حق الانتخاب والترشح مرتبطًا بالموطن الأصلي.
3. إن هذا الدستور الاتحادي ينص في بعض مواده على نظام هجين كونفدرالي- فدرالي، ومن ذلك محكمة فدرالية في ولايتي صباح وسرواك (بورنيو) ومحكمة فدرالية أخرى لبقية الولايات، صلاحيات المحكمة في تفسير الدستور الاتحادي والفصل في النزاعات بين الأقاليم والنظر في تعارض الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية والحكومة الإقليمية. ومثل هذه المواد الدستورية تحقق كيان سياسي مشترك يقوم على اتحاد كونفدرالي.
الخلاصة والاستنتاج:
إن اسم نظام الحكم أيا كان سواء فدرالي أو كونفدرالي أو هجين كونفدرالي- فدرالي أو جمهوري أو دولتين منفصلتين، ليس العنصر الأوحد في التحكم في إنشاء وإدارة الدولة. إنما دستور الدولة هو المحور الأساسي الذي عليه تمنح صلاحيات الحكم واستقلاليته وتمنع تدخل الحكومة المركزية. أضف إلى، ذلك منح صلاحيات مطلقة للأقاليم، ومراعاة الهوية التاريخية والسياسية لبعض الأقاليم دون الأخرى، يعتبر عنصراً مساهماً لاستقرار الدولة. علاوة على ذلك، تغيير الاسم من اتحاد ملايو إلى إتحاد ماليزيا ، يوضح مدى تنازل الأطراف لأجل الالتقاء. أخيراً وليس أقل أهمية، إنسحاب/ إنفصال سنغافورة عن إتحاد ماليزيا، لم يضعف الاتحاد، عاشت الدولتان ماليزيا وسنغافورة وأصبحا كلاهما دولتين صناعيتين اقتصاديتين لهما ثقلهما الدولي، رغم تعدد الأعراق والديانات، وإن قلة الموارد المعدنية لدولة سنغافورة لم يمنعها من المنافسة العالمية، لذا لا مناص من القول، إن الإرادة والإدارة الرشيدة هما الأساس لبناء الدولة.