05/31/2026
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، قدم النظام الإيراني نفسه باعتباره مشروعاً إقليمياً عابراً للحدود، وأنفق عشرات المليارات من الدولارات لبناء شبكات نفوذ وتحالفات وأذرع سياسية وعسكرية في المنطقة. لكن ما شهدته السنوات الأخيرة كشف حقيقة مختلفة تماماً عما ظل يروج له أنصاره لعقود.
اليوم، وبينما تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة، وعقوبات خانقة، وتراجعاً في قيمة العملة، وأزمات داخلية متصاعدة، لا يزال بعض المروجين للمشروع الإيراني يحاولون تسويق صورة القوة المطلقة والانتصار الوهمي. فبعد كل ما تعرض له هذا المشروع من انتكاسات وخسائر استراتيجية، خرجت علينا آلة الدعاية ذاتها لتردد رواية جديدة مفادها أن “إيران تمتلك السلاح النووي وأن واشنطن تخشاها”.
لكن السؤال المنطقي هو: لو كانت إيران في موقع القوة الذي يدّعونه، فلماذا تعيش تحت هذا الكم الهائل من العقوبات والعزلة؟ ولماذا فقدت أجزاء مهمة من نفوذها الإقليمي الذي استغرق بناؤه عقوداً طويلة؟
الحقيقة أن النفوذ لا يقاس بالشعارات، بل بالنتائج. وخلال فترة قصيرة تعرضت شبكات النفوذ الإيرانية في أكثر من ساحة لضربات سياسية وأمنية وعسكرية أضعفت قدرتها على التأثير، وكشفت حجم الفجوة بين الخطاب الدعائي والواقع على الأرض.
أما الأكثر إثارة للانتباه فهو أن أبرز المروجين لهذه الرواية لا يعيشون في طهران، بل في عواصم غربية يتمتعون فيها بحرية التعبير والرفاهية الاقتصادية التي يفتقدها المواطن الإيراني نفسه. يهاجمون الغرب من منابر الغرب، ويصفون كل ناقد للمشروع الإيراني بالخيانة أو العمالة، بينما يرفضون الحديث عن أزمات الداخل الإيراني أو تكلفة المغامرات الخارجية على الشعب الإيراني والمنطقة.
هدف هؤلاء ليس نقل الحقيقة، بل الحفاظ على صورة أيديولوجية لمشروع سياسي تعرض لهزات كبيرة. فكل مشروع توسعي يحتاج إلى آلة إعلامية تبرر إخفاقاته وتعيد تسويق الهزيمة على أنها انتصار، والتراجع على أنه مناورة، والخسارة على أنها مؤامرة.
التاريخ يعلمنا أن الدول لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تحققه لشعوبها. وبعد ما يقارب نصف قرن من الشعارات والصراعات، يبقى السؤال الذي يطرحه الملايين في المنطقة: ماذا جنت الشعوب من كل هذه الحروب والاستقطاب والانقسامات؟
ربما كانت أكبر خسارة للمشروع الإيراني ليست اقتصادية ولا عسكرية، بل خسارة الثقة لدى قطاعات واسعة من شعوب المنطقة التي بدأت تميز بين الدعاية والواقع، وبين الشعارات الكبرى والنتائج الفعلية علي الأرض.May ,31,20w6