05/05/2026
يا روحَ أخيك؛
تسألني: أيحدثُ أن يستكثرَ المرءُ نفسَه على الله؟
نعم … حين يثقلُ على القلبِ أن يُقبل،
ويهونُ عليه أن يؤجّل،
حين يُحدّث نفسَه عن الطريق، ولا يسير،
ويُعجبه مقامُ السائرين، ولا يذوقُ تعبَ الخطوة الأولى.
يا روحَ أخيك؛
إنها خفايا النفس، إذا استراحت إلى الدنيا،
رأت كلّ بذلٍ ثُلمًا، وكلّ عطاءٍ نقصًا،
فتقبضُ يدَها، ويقبضُ معها قلبُها،
حتى تظنّ أنّها تُحسنُ صونَ ذاتها، وهي في الحقيقةِ تحجبُها عن ربّها.
أيحدثُ ذلك؟
نعم … حين يُزاحمُ حبُّ البقاء حبَّ اللقاء،
وحين تُؤثِرُ النفسُ راحتها على تزكيتها،
فتُؤخّر التوبة، وتُثقلُ عليها الطاعة،
وتستكثرُ من نفسها سجدةً خاشعة، أو دمعةً صادقة.
نعم … يحدث، حين يُحبّ المرء أن يرى الخيرَ جاريًا من حوله، لا خارجًا من قلبه.
حين يصفّقُ للباذلين، ولا يمدّ يدَه بشيء.
حين يُعجبه نورُ العطاء، لكنّه يخشى أن يُنقِصَ من رصيدِه، فيبقى متفرّجًا على قوافلِ الكرمِ تمرّ، ولا يكونُ منها.
يحدثُ ذلك حين يظنّ أنّ البذلَ خسارة، لا تجارة،
وأنّ ما في يدهِ أثمنُ ممّا عند الله،
فيُمسكُ كأنّه يحفظُ الحياة، وهو في الحقيقة يُضيّعُ بركتها.
أرأيتَ ذاك الذي يمرّ بمحتاجٍ فيُعرض،
ثمّ يحدّث نفسَه: “لو كان عندي أكثر لأعطيت”؟
هو لم يُحرم المال، بل حُرمَ صدقَ الإقبال.
وأبصرتَ آخرَ يُكثرُ الكلامَ عن فضلِ الصدقة،
لكنّه إذا جاءه بابُها، تردّدَ وتراجع،
كأنّ الطريقَ إلى الله يُقطَعُ بالقولِ لا بالفعل.
وذاك الذي ينتظرُ غيرَه ليبدأ،
فإن بدأ الناسُ أعطى قليلًا،
وإن سكتوا سكن،
كأنّ قلبَه مربوطٌ بحركةِ الآخرين، لا بنداءِ الإيمان في داخله.
يا روحَ أخيك؛
ليس العطاءُ أن تفيضَ يدُك فحسب،
بل أن تُقبِلَ بقلبك،
أن تُقدّمَ نفسك قبل مالك،
أن ترى في كلّ بذلٍ نجاةً لك، لا نقصًا منك.
إنّ الذي يستكثرُ نفسَه على الله،
يفوته شرفُ القُرب،
ويخسرُ لذّةَ البذل،
ويعيشُ عمرَه حارسًا لما يملك،
بدل أن يكونَ وارثًا لما عند الله.
يا روح أخيك؛
إن أخطر الحرمان،
أن تُعطى القدرةَ على القُرب، ثم تُحجَبَ عن الإرادة،
وأن يُفتحَ لك الباب، فتقفَ على عتبته تُؤجّل الدخول أو تقبِلُ عليه بنصفِ روح!
فلا تُدلّلْ نفسَك وهي تُهلكك،
ولا تُصغِ إلى تردّدها وهي تقطعك،
واجرُرها إلى الله جَرًّا إن أبت،
فإنّها إن ذاقت … استقامت،
وإن استقامت … سَبقت،
وإن سبقت … علمت أنّها كانت تستكثرُ على الله ما لا يساوي شيئاً.
يا روحَ أخيك …
إذا أردتَ ربَّك حقًّا،
فلا تُبقِ لنفسِك منك شيئًا،
وكن كلّك له…
تجدْه أقربَ إليك من نفسك،
وأكرمَ عليك من كلّ ما خشيتَ فقده.
والسّلام …
منقول