01/22/2026
دارفور، أرض الأجداد، ليست مجرد جغرافيا مسلوبة، بل فكرة تُغتال كل يوم. وطنٌ تُرك بلا رعاية، لا لأنّه بلا أهل، بل لأنّ من تَسَلَّطوا عليه جرّدوا أنفسهم من معنى المسؤولية. وحين يغيب الإنسان عن الحُكم، لا يبقى للحكم سوى اسمه.
فإذا كانت الأرض قد خُذلت، فإنّها لم تُيَتَّم؛ إذ ما زالت في رعاية الله، تحرسها دعوات الأمهات، وتنهض بها أرواح الأطفال، أولئك الذين يُفترض أن يكونوا المستقبل، فإذا بهم يُسرقون من طفولتهم قبل أن يعرفوا معنى الغد. أيّ فلسفةٍ هذه التي تبرّر انتزاع البراءة؟ وأيّ منطقٍ يحوّل الأمان إلى امتياز لا حق؟
الحُكّام هنا لا يحكمون بالعدل ولا بالمساواة، بل بضرورةٍ عمياء، ضرورة الكرسي، حيث يصبح الفساد نظامًا، ويُعاد تعريف الإنسان بوصفه رقمًا أو عبئًا أو خطرًا محتملاً. فهل ما يحدث تفرقة عنصرية؟ أم أنّه انحدار أعمق، إلى ما دون الإنسانية ذاتها؟
أين العقول التي يُفترض أن تزن الأمور بميزان الحكمة؟ أين الضمير حين يصبح الصمت شريكًا في الجريمة؟ وأين أحفاد السلاطين الذين حكموا دارفور يومًا، حين كان الحكم عهدًا لا غنيمة، ومسؤولية لا صفقة؟
إنّ المأساة لا تصنعها الوحوش وحدها، بل أولئك ضعاف النفوس الذين يبرّرون، ويصمتون، ويشاركون في القهر باسم الواقعية أو الخوف. هناك، حيث تنعدم ذرة الإنسانية، لا يعود الشر استثناءً، بل يتحوّل إلى سلوكٍ يومي.
دارفور، أيتها التائهة بين ذئابٍ ترتدي وجوه البشر، تُنهب خيراتك ويُقتل أبناؤك، لا لأنك ضعيفة، بل لأنّ العالم كثيرًا ما يخذل الحقيقة حين تكون عارية. ومع ذلك، يبقى السؤال الفلسفي معلّقًا:
هل يمكن لأرضٍ أُنهِكت بهذا القدر أن تموت؟
أم أنّ الألم نفسه هو ما يؤكّد أنّها ما زالت حيّة، تنتظر عدلًا لم يولد بعد؟
بت الحاج