30/07/2026
يحيي العالم في 30 جويلية من كل عام اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص, وهو اليوم الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بهدف لفت الانتباه حول واقع ضحايا الاتجار بالأشخاص والدعوة الى تكثيف المجهودات بهدف تعزيز حقوق الناجين والناجيات وتطوير الآليات الدولية والوطنية لحمايتهم. كما يؤكد إحياء هذا اليوم في كل مناسبة أهمية الإنصات الى الناجين والناجيات من هذه الجريمة والاعتراف الرمزي بمعاناتهم. إضافة إلى أنه يعتبر فرصة للتذكير بأنه ورغم ماتحقق من جهود على المستوى الدولي لحماية الضحايا وتعزيز آليات الوقاية والمساءلة, فان الجهود على المستوى الوطني لا تزال متفاوتة ورهينة السياق السياسي الاقتصادي والاجتماعي الذي يختلف من بلد الى آخر. ولعل هذا التاريخ يعود بنا الى ذكرى أن تونس كانت من بين الدول السباقة في مكافحة العبودية والاتجار بالبشر, كما أنها راكمت مسارا تشريعيا حقوقيا مهما تمثل في القانون عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته الذي اعتمد تعريفا شاملا ودقيقا لهذه الجريمة وفرض عقوبات سجنية ومالية مشددة على مرتكبيها إضافة إلى إحداثه للهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص. غير أن هذه المكاسب القانونية اصطدمت اليوم بواقع سياسي واقتصادي واجتماعي معقد خاصة في ظل فشل السلطة السياسية في إدارة ملف الهجرة وتبنيها خطاب تغيير التركيبة الديمغرافية وما رافق ذلك من تنامي أعمال العنف والانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان فضلا عن التطبيع مع خطاب الكراهية من قبل مؤسسات الدولة. كما أسهم هذا المناخ في تفاقم مظاهر الاستغلال وتعدد أشكال الاتجار بالأشخاص خاصة في ظل تقاطعها مع مظاهر الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. إن جريمة الاتجار في الغالب تستدف الفئات الأكثر هشاشة وعلى رأسها النساء والأطفال والمهاجرون بوصفهم الأكثر عرضة للاستغلال الجنسي, التشغيل القسري والاستغلال الاقتصادي وغيرها من مظاهر الاستغلال التي تنتفي فيها حرية الاختيار. أخيرا، ورغم مرور سنوات على المصادقة على القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016, فان النتائج المحققة لم ترتقي اليوم الى الحد الأدنى المطلوب للحد من هذه الجريمة خاصة في ظل تراجع دور الهيئة الوطنية بعد اضعاف امكانياتها التي خلفت حالة من الشلل الهيكلي.
لذلك, فان احياء اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص لا ينبغي أن يقتصر على بعده الرمزي بل يجب أن يكون مناسبة لتجديد الالتزام السياسي بإعادة تفعيل دور الهيئة الوطنية وتمكينها من الموارد المالية والبشرية اللازمة حتى تضطلع بدورها المحوري في حماية الضحايا والتنسيق بين مختلف المتدخلين. فإقرار التشريعات رغم أهميته لا يكفي وحده لمكافحة هذه الجريمة. اذ يظل تنفيذ القانون وتوفير الموارد الضرورية واصدار أحكام ادانة على معنى القانون أساسيا بهدف ترجمة النص القانوني لأن أي تقاعس أو تأخر في التفاعل مع الشكايات والاشعارات من شأنه أن يكرس ثقافة الإفلات من العقاب.