08/07/2024
الخبير العدلي رئيس جمعية الخبراء التونسيين لسلامة الطرقات
يدرج ضمن البحث عن الأسباب والمسببات لحوادث المرور والتعريف ببعض ما يخفى عن مرتكبي الحوادث ويكون هذا تمهيدا للحديث عن دور الخبير في هذا الميدان الذي تتجه له عناية المشرفين عن القطاع وهو في نفس الوقت حديث عامّة الناس نظرا لدوره في إنارة العدالة وإنارتها حول الخفي من الأسباب والظواهر للتوصل إلى الحقيقة التي يبنى عليها القرار في النهاية . ولكم الشكر سلفا والسلام.
بدون تراجع وجد المهندسون أنفسهم أمام حقيقة تتمثل في الضرورة الاقتصادية للسيارة وعرفوا أن صناعتها تحدث وجود المجتمع وتحكم تطوّره، ولكن بعد ستين سنة من العهد الذي نتحدث عنه نتساءل إن كان استعمال السيارة أثبت حسن التصرف فيها وفي كيفية استعمالها عبر التجربة ومرور الأجيال , وقد استغرق من الزمن ثلاثة أرباع القرن لكي تتمكن السكة الحديدية من الاهتداء إلى فلسفة ثابتة وتستوفي مقومات السلامة والتنظيم .
ولقد فعل الصانعون كلّ ما في وسعهم لوضع هذه السيارة بين أيدي أوّل راغب فيها ، ذلك أن أوّل طالب لها هو (الحريف) الذي قد لا يصلح لشيء ويصلح لاستعمال السيارة .
سياقة سيارة لا تتطلب إمكانيات بدنية وذهنية هائلة ولا تدريب مكثف ومعقد ، المرشح للسياقة يمكنه تلقي التدريب من أيّ كان وكلّ يدعي ملكية القدرة على البراعة في السياقة وتطويع السيارة إلى رغباته ولا أحد يفكر في إمكانياته وقدراته الحقيقية التي تخفى عليه من حيث الرؤية ومدى تفاعله ورد فعله وقدرته على استيعاب محيطه وتحديد المسافات والتركيز المستمرّ.
في سباق السيارات كلّ الدراسات أثبتت أنّ الحوادث كانت نتيجة مباشرة لنقص في التدريب والتكوين ، والسهولة الملحوظة في تسيير الوسائل الحديثة للنقل من حيث التوجيه والرفاهة والتوازن المستوحى أثناء السير والاطمئنان إلى دقّة التقنيات الحديثة كل هذه عوامل تمويه تعمل في الزمن والمساحة ضد مستعملي السيارات ، وإذا قلنا سابقا أن ذلك الذي لا يصلح لشيء يعتقد في قرارة نفسه انّه قادر على كلّ شيء وهذا داخل ضمن زمن الخيال وجهل حقيقة الأمور.
هذا الجهل هو إنساني الطبع ، والتقنيات الحديثة في السيارة تقنع أيّا كان أنّه بارع وبطل إذا لم يكن أستاذا في السياقة
وهذا هــو الخطر بنفسه لأنّ الاعتقاد فقط بالقدرة على التحكم في السيارة بمهارة يؤدى حتما إلى الحادث عن طريق عدم القدرة على التعامل والتمييز بين القوانين الطبيعية وبين قوى الثبوت وحدود السرعة وعدم معرفة قدراته الحقيقية خلال الحالات الحرجة التي تفاجئه ومدى التحكم في النفس.
ورغم هذا فإن القانون يفرض عليه أن يكون دائما المسيطر على وسيلة النقل التي يقودها وعلى سرعتها ، قادر على التعامل مع كلّ القوى الطبيعية التي تفرضها الحركية ـ إضافة إلى معرفة قانون الطرقات الذي يجمع بين المسئولية والواجبات التي تفرض على ذاك _(الذي لا يصلح لشيء) أن يتحسب لكل المستجدات في الزمن والمسافة وان يتصور الخطر المفاجئ في كلّ لحظة .
وإضافة إلى معرفة القانون فإنّ نفس الشخص لابد له من الحدس الذي يمكنه من التنبىء بالخطر وهو ما يصنع منه الرجل المثالي والمتحضر، وإذا لم يكن ذلك متوفرا لديه، فإن ضرورة الرؤية الثاقبة والحضور المستمر وربّما الحس السادس يكون مطلوبا بالنسبة له.
كلّ سائق يمكن بالضرورة اتهامه بعدم الانتباه ، كل المفاجئات تحمل عليه وهو مطالب برد فعل مثالي في نفس الثانية التي يرصد فيها الخطر ، أن يتفاعل نصف الثانية قبل الآخر وأن يتخذ القرار المناسب قبل الحادث.
وهكذا نطالب السائق بتدريبات بسيكولوجية وتحركات آلية ونوع من الأوتوماتيكية بدون أن نلقنها له مسبقا في دروس مطولة ومركزة .
في المجتمع نصنع الجندي بتلقينه الانضباط ، نكوّن الرجل ضمن العائلة والمدرسة ، أمّا سائق السيارة فنوكل له أمر تكوينه ودون الحق في التربص والرسكلة ثم نطلب منه أن لا يرتكب حادث مرور .
وإذا كان نقص التدريب أو جهل القانون يجعلان من السائق مخالفا فإن العدالة لن تغفر له ذلك بسبب جهله للقانون
أو لواجباته نحو المجتمع ، فتسلّط عليه العقاب الجزري ، ونكون في هذا الميدان بالذات تجاوزنا ما رسمناه لأنفسنا فعاقبنا دون وقاية وتربية ومتابعة سابقة للعقاب .
وإن كان هذا العقاب يثير غضب السائق ويعتبره جائرا ، فإن تفسيره يمكن أن نرجعه إلى أنانيته حيث يعتبر ذلك مسّا وتشكيكا في قدرته على السياقة قبل كلّ شيء ، وهو الذي قلنا انّه في قرارة نفسه يعتبر نفسه أستاذا فيها ويكون ردّ فعله التشكيك في عدالة كلّ ما يسلط عليه سواء كان حكما إداريا كسحب رخصة السياقة أو حكم محكمة أو عدم تعويض من شركة تامين ، وينسى في كلّ هذا أن العدالة هي الإنسانية نفسها التي تتطوّر مع الطبائع والعادات والحضارات وأيضا مع العلم الحديث وان إحاطة القاضي بكلّ شيء ضرورية لكي تواكب نسق التقدّم والبحوث في العلوم والتكنولوجية الحديثة في كلّ المجالات
إسماعيل ينبعي