13/08/2026
تحيي تونس اليوم، 13 أوت 2026، الذكرى السبعون لصدور مجلة الأحوال الشخصية, ذكرى تتزامن مع تواصل مسار تآكلها الممنهج و التخلّي السياسي عن روحها التحررية و تطويرها منذ أكثر من 20 سنة ,تاريخ ٱخر تعديل أدخل عليها.
لقد مثلت مجلة الأحوال الشخصية على امتداد عقود طويلة، إحدى أبرز واجهات الدولة الفتية التونسية الحداثية، و ركنا من أركان التغيير الاجتماعي بازالة أهم رواسب النظام القديم فجسّدت إرادة الدولة، وشكّلت رفقة قانون الحالة المدنية " ثورة بواسطة القانون "، اقتحمت من خلاله البيوت، فأزالت مفهوم " البيت " والحرمات الذي يقف القانون عند أعتابها، بل و صارت أداة تشكيل الاسرة الجديدة, الزوجية النووية, الوطنية
غير أنّ المجلة تجد نفسها اليوم، بعد نحو سبعة عقود من صدورها، في مواجهة هجوم مزدوج : هجوم النظام الأبوي – الذكوري من جهة، وهجوم الشعبوية الاستبدادية التي انحسرت معها التجربة الديمقراطية من جهة أخرى. فلم تأتِ أيّ إصلاحات تشريعية حقيقية تدعم الروح التحررية التي قامت عليها أحكامها التأسيسية، أو تسدّ ثغراتها، أو تحصّن مكتسباتها. وهكذا بقيت المجلة أسيرة جمود سياسي جرى التستّر عليه طويلًا خلف أسطورة «الاستثناء التونسي» ؛ لقد أصبحت المفارقة المؤلمة تتمثل في أنّ المجلة كان يفترض أن تحمي المجتمع وتحرّره، صارت، بفعل جمودها، أحد الحواجز التي تَحول دون تحرره.
ما يزال التشريع غارقًا في منظومة من المفاهيم العتيقة والقيود البالية : المهر وما يجيز من بناء، الدخُول بما يحمله من واجبات زوجية تستند إلى العرف والعادات الذي يحدِّد مفهوم المعاشرة والمساكنة وما يرتبط بها من تبعية وسيطرة ونفقة، ومؤسسة " الزوج رئيس العائلة "، بالإضافة إلى مواصلة التمييز في مجال الميراث القائم على مفهوم الملة و التسلسل الذكوري البالي.
وفي مواجهة هذه المنظومة، تبدو المجلة عاجزة عن مواكبة التحولات العميقة التي عرفها المجتمع التونسي خلال العقدين الأخيرين.
لقد تبدّلت الأحوال، فتطوّرت الأسرة التونسية، وتغيّرت السلوكيات والعلاقات و أنماط العيش، حيث ظهرت الزيجات المختلطة، والعلاقات خارج إطار الزواج، والأسر المركبة، والأسر ذات العائل الواحد ، كما أصبح التخلي عن الزواج خيارًا لدى عدد متزايد من الشباب. ومع ذلك، لا يزال القانون يتعامل مع هذه التحولات كما لو أنها لم تحدث، بل إنه ما يزال يجرِّم عددا منها.
هكذا تحوّلت مجلة الأحوال الشخصية إلى قيد يحدّ من تطلعات جيل جديد يتوق إلى الحرية والمساواة وكرامة الذات ويطالب بحقّه في أن يعيش وفق خياراته ،بعيدًا عن الوصاية الأبوية والأخلاقية. فحتى الأحكام الأكثر تقدمًا في المجلة تظلّ محاصرة بمجلة جزائية بالية وقمعية، مشبعة بمنظور جندري، تواصل تجريم السلوكيات والأخلاق والوضعيات والهويات.
ما زلنا، في تونس اليوم، نتصرف كما لو أنّ الديمقراطية وما تحمل من تعدُّد وتنوُّع هي ّالخطر الأكبر الذي يهدد المجتمع. ما زال أفقنا الهوس من " الاستبدال العظيم"، وكأنّ مستقبلنا يتوقف على حماية ما يُسمّى" نقاء الدم " و" نقاء السلالة "و" نقاء الأنساب والتحالفات ". وما زلنا، في مجال السياسات العمومية، نواجه بعض الظواهر الاجتماعية بالسجن بدلًا من معالجتها بسياسات الوقاية والحماية والإدماج.
وما زلنا، بدل خوض نقاش مجتمعي جدي حول الحريات والمساواة والاختلاف، نكتفي بثرثرة تشريعية حول تعدد الزوجات بمقترحات قوانين مآلها الوحيد النسيان أو الدفن في أدراج المؤسسات.
أنّى لنا أن نحتفل ؟ كيف يمكن الاحتفال بالذكرى السبعين لمجلة الأحوال الشخصية، في حين أن السلطات العمومية قطعت كل حوار، وانغلقت خلف أبوابها الموصدة، تنتظر الأوامر بدل أن تستمع إلى المجتمع؟
كيف نحتفل بينما تتزايد تحذيرات المجتمع المدني من تفاقم جرائم تقتيل النساء، ومن استمرار الصمت حول الاعتداءات الجنسية، ومن تعطيل روح القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد النساء، وتحويله إلى بضع الاجراءات الفاقدة للمعنى لأنها بلا مرجعية وبلا مبادئ تسيّرها ؟
أنّى لنا أن نحتفل فيما تتقاطع أشكال التمييز على أساس الجندر (النوع الاجتماعي ) والعرق والطبقة، وتتسع دوائر التهميش الاجتماعي والهشاشة الاقتصادية والفقر، لتطال شرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك النساء والمسنات والمسنون والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة و المهاجرات و المهاجرون غير النظاميين, وعموما كل الأشخاص والفئات المتواجدة في وضغيات هشّة ؟
إنّ السؤال ليس ما إذا كان ينبغي الاحتفال بالذكرى السبعين لمجلة الأحوال الشخصية. فهذه الذكرى تستحق الاحتفاء بلا شك، لأنها تذكّرنا بواحد من أهم التحولات التشريعية في تاريخ تونس الحديث، بل السؤال الذي يتوجب علينا طرحه يكمن في الإجابة عن أيّ مجلة نحتفل بها اليوم ؟ وأيّ مجتمع نريد أن تحميه ؟ وأيّ حقوق نريد أن نضمنها للأجيال القادمة ؟
لا يمكن أن تتحول ذكرى السبعون إلى احتفال نوستالجي بماضٍ مجيد، بينما تُترك المجلة في الحاضر أسيرة الجمود، وتُترك النساء والفئات الهشة لمواجهة أشكال جديدة من التمييز والعنف والإقصاء.
ولا يمكن أيضًا الاحتفاء بمجلة أحوال شخصية شوّهتها، في السياق السياسي الراهن، انتهاكات تطال الأشخاص في وضعية هجرة، وتجريم التضامن مع المهاجرات والمهاجرين والمساعدة المقدمة لهم، وتقييد حرية التعبير، وسجن المعارضات والمعارضين السياسيين والنقابيين والصحفيين والمحامين والقضاة ونشطاء الإنترنت، والزج بهم في غياهب السجون لسنوات طويلة، في غياب ضمانات المحاكمة العادلة، فضلًا عن سوء معاملة الأجساد وتجريد الفضاء السجني من إنسانيته.
إنّ مجلة الأحوال الشخصية لا تحتاج إلى مجرد تنقيح جديد بقدر ما تحتاج إلى تحرير جديد. فهي تحتاج إلى أن تُستأنف عملية إصلاحها جذريا ، لا أن تتحول إلى قطعة أثرية تُحفظ في المتحف. تحتاج أن تستعيد وظيفتها الأصلية : تحرير الإنسان، وحماية الأسرة بكل أشكالها، وضمان المساواة، ومواكبة المجتمع في تحوّلاته وتطلعاته، لا فرض نموذج اجتماعي واحد.
فالاحتفال الحقيقي بالذكرى السبعين لا يكون بإعادة ترديد أمجاد الماضي، وإنما بفتح الطريق أمام المستقبل.
وإذا كانت تونس قد تجرأت، قبل سبعين عامًا، على كسر بعض الممنوعات القانونية والمحرّمات الاجتماعية والثقافية، فإنّ السؤال المطروح اليوم هو التالي : هل ما زلنا نملك الشجاعة نفسها لكسر المحرّمات التي تحول دوننا وحرياتنا والمساواة بيننا ؟
هذا هو، في نهاية المطاف، الاختبار الحقيقي للذكرى السبعين لصدور مجلة الأحوال الشخصية.
عن جمعية بيتي
الرئيس وليد العربي
Ce 13 août 2026, marque le soixante-dixième anniversaire du Code du statut personnel (CSP), mais aussi sa désagrégation systémique et son abandon depuis plus d’une vingtaine d’année, date de sa dernière modification. Longtemps fleuron d’une République moderniste et séculariste -dont il compensait l'autoritarisme-, le texte subit aujourd'hui les assauts conjugués du patriarcat et de la régression démocratique. Aucune avancée légale n’est venue étayer l'esprit libéral de ses dispositions fondatrices, ni combler ses lacunes ou consolider ses acquis. Figé dans un immobilisme politique invisibilisé sous le mythe de « l’exception tunisienne », le Code du statut personnel s'est retourné contre la société qu'il était censé protéger et émanciper.
Enlisée dans les archaïsmes du devoir conjugal et de la cohabitation, de la dot, du chef de famille et des inégalités successorales, la législation se trouve désormais hors-champ. Véritable plafond de verre, elle étouffe les aspirations d'une jeunesse en quête de liberté et ignore les mutations qui traversent la société tunisienne depuis vingt ans : mariages mixtes, unions libres, familles recomposées, familles monoparentales, célibat choisi. Ses dispositions les plus progressistes restent entravées par un Code pénal obsolète et genré, qui continue d'incriminer les mœurs, les statuts et les identités. On en est encore à craindre le "grand
remplacement", à n'avoir pour horizon que les prétendues puretés de sang, d'alliances et de lignées, à n'avoir pour politique publique que l’emprisonnement pour racolage, adultère, prostitution et homosexualité, et pour seul débat qu'un bavardage de propositions de lois sans lendemain.
Comment fêter cet anniversaire quand les autorités publiques, interrompant tout dialogue et, se murant derrière leurs portes capitonnées en attendant les ordres, restent sourdes aux alertes de la société civile sur la recrudescence des féminicides, l'impensé des agressions sexuelles, la mise à l'arrêt de la loi sur les violences contre les femmes, les discriminations de genre, de sexe, de race, de classe, les marginalisations sociales, les précarisations économiques et la pauvreté de pans entiers de la société, y compris parmi les femmes, les personnes âgées, les enfants, les personnes en déplacement ou en situation de handicap et de vulnérabilité ?
Comment fêter un code que la dictature a terni par les exactions contre les personnes en migration, la criminalisation de la solidarité et de l'aide aux migrants, la censure de la libre expression, l’élimination des opposants politiques, syndicalistes, journalistes, avocats, magistrats, internautes, jeté.es en prison sans droit ni procès équitable pour des dizaines d'années, la maltraitance des corps et la déshumanisation carcérale ?
Le Code du statut personnel ne peut se transformer en relique du passé. Une simple révision ne suffit pas. Soixante-dix ans après son adoption en 1956, sa refonte radicale dans le sens de l'égalité et de la non-discrimination est une urgence démocratique absolue pour libérer la parole politique, reconnaitre la diversité, garantir la dignité et protéger les regroupements, loin de tout modèle autoritaire, exclusif et figé.
Célébrer ce soixante-dixième anniversaire exige du courage. Celui de briser les tabous qui entravent encore nos libertés, d’en finir avec les nostalgies et la glorification des acquis, de regarder enfin l'avenir. Car le véritable enjeu de cette commémoration est d’oser, aujourd'hui encore, être libres, égaux et égales en actes et en droits.
Pour l'Association beity
le Président Walid Larbi