12/07/2026
من التهرب الضريبي إلى غسل الأموال…
أين يرسم القانون الخط الفاصل؟
من أخطر الأخطاء التي بدأت تنتشر في الخطاب القانوني والإعلامي الاعتقاد بأن كل تهرب ضريبي هو بالضرورة جريمة غسل أموال.
وهذا غير صحيح.
فالمشرع التونسي لم يجرّم التهرب الجبائي لأنه يمسّ بالخزينة العامة فحسب، وإنما لأن بعض صوره تنتج أموالًا غير مشروعة قد تصبح لاحقًا محل عمليات إخفاء أو تمويه أو إدماج في الدورة الاقتصادية.
وهنا يبدأ دور قانون مكافحة غسل الأموال.
فإذا كانت الجريمة الجبائية هي التي ولّدت المال غير المشروع، فإن جريمة غسل الأموال تعاقب على ما وقع لذلك المال بعد الجريمة.
خذ المثال الآتي…
شركة تتعمد استعمال فواتير وهمية لإخفاء جزء من رقم معاملاتها، فتتجنب دفع مئات الآلاف من الدنانير بعنوان الأداءات أو ترتكب فعل من افعال التحايل الجبائي.
إلى هذه المرحلة، نحن أمام جريمة جبائية.
لكن إذا وقع بعد ذلك تحويل تلك الأموال إلى حسابات متعددة، أو استثمارها في شركات واجهة، أو اقتناء عقارات بأسماء الغير، أو إدماجها في مشاريع ظاهرها قانوني وباطنها إخفاء مصدر الأموال، فإن الواقعة تخرج من نطاق الجريمة الجبائية لتدخل في نطاق غسل الأموال.
ولهذا لم يعد التحقيق المالي الحديث يقتصر على مراجعة التصاريح الجبائية أو الدفاتر المحاسبية، بل أصبح يتتبع رحلة المال.
كيف تكوّن؟
أين انتقل؟
من المستفيد الحقيقي منه؟
وكيف اكتسب مظهر المشروعية؟
ولعل أهم ما كرسته محكمة التعقيب هو أن جريمة غسل الأموال جريمة مستقلة عن الجريمة الأصلية، وأن إثباتها لا يفترض صدور حكم بات في الجريمة الأصلية، وإنما يكفي أن تستخلص المحكمة من القرائن والأدلة عدم مشروعية مصدر الأموال، وهو ما انسجم مع أحكام الفصل 92 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015. وقد أكد هذا التوجه القرار التعقيبي عدد 86682 المؤرخ في 25 فيفري 2020، كما شدد القرار عدد 81292 المؤرخ في 27 ماي 2019 على ضرورة قيام أدلة وقرائن كافية على عدم شرعية الأموال محل الغسل، في حين تناول القرار عدد 76509 المؤرخ في 31 أوت 2018 المبادئ المنظمة لجريمة غسل الأموال واستقلالها عن الجريمة الأصلية.
في ذات السياق و في قرارها الشهير الصادر عن الغرفة الجنائية بتاريخ 20 فيفري 2008 (Cass. crim., 20 février 2008, n° 07-82.977)، حسمت محكمة النقض الفرنسية جدلاً دام سنوات . (Cour de Cassation)
وقضت بأن:
* جريمة غسل الأموال جريمة مستقلة عن الجريمة الأصلية.
* لا يشترط صدور حكم بالإدانة في جريمة التهرب الضريبي حتى تقوم جريمة غسل الأموال.
* ولا يشترط حتى أن تكون الإدارة الجبائية قد قدمت شكوى مسبقة.
* وإنما يكفي أن تثبت المحكمة بنفسها العناصر المكونة لجريمة التهرب الضريبي باعتبارها الجريمة الأصلية التي تولدت عنها الأموال محل الغسل.
أين يبدأ غسل الأموال؟
ترى محكمة النقض الفرنسية أن مجرد عدم دفع الضريبة لا يكفي.
فالتهرب الضريبي يبقى جريمة جبائية.
لكن عندما ينتقل الجاني إلى مرحلة ثانية تتمثل في:
إنشاء شركات واجهة،
استعمال حسابات مصرفية خارجية،
شراء العقارات أو السيارات بأموال غير مصرح بها،
تسجيل الممتلكات باسم الغير،
تحويل الأموال بين عدة حسابات لإخفاء مصدرها،
أو استعمال أدوات مالية لإضفاء مظهر المشروع على الأموال،
فإننا نغادر نطاق الجريمة الجبائية وندخل في نطاق غسل الأموال، لأن الهدف لم يعد الإفلات من الضريبة، بل إخفاء الأصل غير المشروع للعائدات.
نخلص إذن إلى ان التطور الحقيقي في السياسة الجنائية لم يعد يتمثل في ملاحقة الجريمة الجبائية وحدها، بل في تتبع العائدات الإجرامية أينما انتقلت، وكيفما تغير شكلها، ومهما تعددت الوسائط القانونية التي حاولت إخفاءها.
ولذلك، فإن المحامي أو القاضي أو المحاسب الذي يكتفي بدراسة النصوص الجبائية، دون فهم آليات غسل الأموال، سيجد نفسه أمام ملف يجيب عن سؤال لم يعد يطرحه القضاء.
فالقضاء اليوم لا يسأل فقط:
“كيف حصلت على المال؟”
بل يسأل أيضًا:
“كيف حاولت أن تجعله يبدو مشروعًا؟”
وهنا يكمن الفارق بين الجريمة الجبائية وجريمة غسل الأموال… وهو فارق قد يغيّر مسار القضية بأكملها.