16/03/2026
ما يحدث اليوم في تونس ليس مجرد تراجع في نسب النجاح أو تدنٍّ في ترتيب بيزا العالمي بل هو هولوكوست بيداغوجي مكتمل الأركان ينفذ بدم بارد ضد العقل الجماعي التونسي وتحت رعاية دولة استقالت من دورها كحارس للمعبد المعرفي لتتحول إلى مجرد كاتب عام يسجل محاضر الفشل الوطني.
نحن نعيش في زمن الرداءة المعممة حيث تحولت المدرسة من مصعد اجتماعي كان يبني النخب من أبناء الفلاحين والعمال إلى مستودع بشري يحرس المراهقين حتى يبلغوا سن البطالة.
إن إلغاء إجبارية المناظرات الوطنية في السادسة والتاسعة كان رصاصة الرحمة التي أطلقت على الرأس المعرفي لهذا الشعب وتحت مسميات واهية مثل الراحة النفسية للتلميذ
أو تخفيف الضغط.
قمنا بتجريف التربة التي كانت تنبت العباقرة واستبدلناها بسبخة من الارتقاء الآلي الذي لا ينتج سوى
الجهل المقدس المغلف بشهادات كرتونية لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به.
يا حراس المعبد ،إن عودة المناظرات الوطنية ليست مطلباً نقابياً أو إدارياً بل هي قضية أمن قومي من الدرجة الأولى فالمناظرة هي المقصلة التي تفصل بين الجد والعبث بين من يملك زاداً معرفياً يؤهله لقيادة المستقبل وبين من يريد العبور فوق جسور المحسوبية والغش.
نحن اليوم أمام مافيا تربوية منظمة تبدأ من سماعات الأذن( الحمصة ) ولا تنتهي عند تواطؤ الموظفين الذين باعوا ضمائرهم في سوق النخاسة التعليمية.
إن التلميذ الذي يضع سماعة في أذنه ليس مجرد غشاش يبحث عن عدد بل هو مشروع خائن لميثاق المواطنة
وهو ثمرة طبيعية لمنظومة قررت أن العدد أهم من المعرفة. كيف لوزارة تدعي التربية أن تسمح بمرور آلاف التلاميذ إلى مستويات أعلى وهم لا يتقنون أبجديات اللغة أو أساسيات الحساب؟؟؟؟؟
هذا التدليس البيداغوجي هو الذي أدى بنا إلى العقم الابتكاري.
في سنغافورة تلك المعجزة القائمة على الصفر موارد طبيعية والمائة بالمائة ذكاء لا مكان للصدفة .
الامتحانات هناك هي فلاتر سيادية تفرز الكفاءات بدقة جراحية فمن يوجه للعلوم يوجه لأنه يمتلك الاشتباك الرياضي اللازم ومن يوجه للإنسانيات يمتلك البيان والبرهان. أما نحن فقد جعلنا من التعليم سوقاً للبيع والشراء حيث ينجح من يملك شبكة اتصال أقوى لا من يملك
شبكة عصبية أذكى.
الثورة الحقيقية التي نحتاجها هي ثورة المخابر فالعلوم الصحيحة من فيزياء وكيمياء وميكاترونيك لا يمكن أن تبقى حبيسة الأوراق الصفراء والسبورات المهترئة.
نحن بحاجة إلى استثمار انتحاري في البنية التحتية التكنولوجية للمدارس.
لا يمكن أن نتحدث عن سيادة رقمية أو سيادة طاقة
أو هيدروجين أخضر وتلاميذنا يدرسون الكهرباء بالرسم على الورق.
لابد من فرض امتحان تطبيقي إجباري بنسبة لا تقل عن خمسين بالمائة من المعدل العام في المواد العلمية.
لابد أن يلمس التلميذ المادة أن يفكك المحرك أن يركب الدارة أن يخطئ في المختبر ليتعلم كيف ينجح في المصنع.
الذكاء التطبيقي هو العملة الوحيدة المعترف بها في بورصة القوة العالمية القادمة.
انظروا إلى ألمانيا حيث النظام المزدوج الذي يربط المدرسة بالمصنع برباط مقدس هناك التلميذ هو عامل معرفي منذ يومه الأول وليس ببغاء يستظهر قوانين نيوتن وهو لا يعرف كيف يغير صماماً كهربائياً.
إن ميزانية وزارة التربية يجب أن تتحول من أجور للبيروقراطية إلى رأس مال مخاطر يضخ في المخابر والذكاء الاصطناعي والمعدات التقنية التي تجعل من المدرسة التونسية قطباً تكنولوجياً وليس زاوية لتعليم الخط.
وفي الجهة المقابلة تعيش العلوم الإنسانية خريفاً فكرياً مريراً حيث تحولت الفلسفة والتاريخ واللغات إلى مواد لتعبئة الفراغ والحفظ الصم.
الحل هنا هو العودة إلى السقراطية إلى الامتحان الشفوي الوطني الذي لا يرحم. الشفوي هو جهاز كشف الكذب الوحيد الذي لا تستطيع الحمصة ولا التسريبات اختراقه.
عندما يقف التلميذ أمام لجنة من الكهنة المعرفيين ليناقش فكرة أو يحلل نصاً أو يدافع عن موقف تاريخي هنا تسقط الأقنعة.
الشفوي هو الذي يبني الشخصية السيادية هو الذي يعلم الشاب كيف ينظر في عين محاوره كيف يرتب حججه وكيف يكون مواطناً فاعلاً وليس روبوتاً مخترقاً.
إن الشفوي العظيم في النظام الدولي ليس ترفاً بل هو امتحان النضج الذي يسبق الدخول إلى معترك الحياة العامة. نحن نريد جيلاً يمتلك الناصية اللغوية والقدرة النقدية لا جيلاً يكتفي بنعم ولا في خانات QCM الغبية التي تقتل الخيال وتغتال الذكاء الجماعي.
هذا الإصلاح الراديكالي يتطلب إرادة فولاذية لا تخشى لومة لائم ولا ترتعد أمام لوبيات الدروس الخصوصية
التي حولت التعليم إلى تجارة موازية تنهك كاهل العائلات وتدمر تكافؤ الفرص.
لابد من رقمنة شاملة لعملية التقييم وبناء بنك أسئلة وطني مشفر لا يملك مفتاحه إلا خادم مركزي محمي عسكرياً.
لابد من إنهاء أسطورة المراقب المتواطئ عبر تدوير الكوادر بين الولايات وفرض عقوبات تصل إلى الخيانة العظمى لكل من تسول له نفسه المساس بنزاهة الامتحانات.
الدولة التي لا تستطيع حماية صدقية شهائدها هي دولة لا تستحق الاحترام في المحافل الدولية.
نحن نعيش في عالم لا يعترف إلا بالنتائج الميدانية والنتائج اليوم تقول إن تونس تنزف عقولاً نحو الخارج بينما تزرع
في الداخل بذور الانفجار الاجتماعي بسبب تعليم لا ينتج ثروة ولا يصنع كرامة.
لابد من إعلان حالة الطوارئ التربوية.
لابد من تخصيص صندوق سيادي يموله القطاع الخاص والدولة والمانحون يوجه حصرياً لتجهيز خمسمائة مخبر ذكي في غضون عامين.
لابد من إلغاء كل الخزعبلات البيداغوجية التي استوردناها من وراء البحار لتدجين عقولنا والعودة إلى المدرسة الصارمة التي تقدس الجهد وتحترم التميز وتطرد الفشل.
إن ديمقراطية التعليم لا تعني أن ينجح الجميع بل تعني أن يمتلك الجميع نفس الفرصة للدخول في المعركة ومن ينسحب أو يفشل يجب أن يجد مسارات تقنية بديلة تحفظ له كرامته وتخدم الاقتصاد الوطني لا أن يظل عالقاً في برزخ التعليم العام حتى ينفجر إحباطاً.
تونس التي حلم بها الرواد كانت منارة للعلم في شمال أفريقيا واليوم نكاد نتحول إلى ثقب أسود يبتلع مستقبل أبنائنا.
مقالي هذا ليس صرخة في الواد بل هو ميثاق للثورة المعرفية القادمة ومن لم يستوعب الدرس اليوم سيستوعبه غداً تحت أنقاض الدولة التي تخلت عن عقلها.
الوقت لم يعد يسمح بالترميم نحن بحاجة إلى هدم وإعادة بناء برؤية عالمية وبأدوات تونسية وبقلم لا يعرف الرحمة في قول الحقيقة البشعة لأن الحقيقة هي وحدها التي تحررنا.
هكذا فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا رحلة الألف ميل نحو استعادة السيادة الوطنية. فالسيادة لا تنال بالخطب الرنانة بل تنتزع في المخابر وتصقل في قاعات المناظرات الشفوية وتحرس بمقصلة التقييم التي لا تفرق بين ابن الوزير وابن الفقير.
إنها معركة الوجود وفي معركة الوجود لا مكان للضعفاء ولا مكان للمترددين.
الأستاذ عماد عيساوي