20/08/2026
إن القصور تخلّد برجالاتها، فالحجارة تندثر مهما طال عمرها ورقت صناعتها، لكن تاريخ ومآثر أصحاب هذه القصور ومن عاشوا فيها تجعل منها كنوزا ثمينة ومصادر إلهام تدعونا للمحافظة عليها والتفاني في إبراز المورث الثقافي والاجتماعي الذي خلّفته وراءها. وقد إحتضن سيد بو سعيد العديد من هذه القصور ضمت شخصيات أثرت تاريخ القرية وأكسبته موروثا ثقافي ثمينا.
لقد طغت شهرة قصر "النجمة الزهراء" للبارون ديرلنجي على باقي القصور في سيدي بو سعيد. وهذا يعود لعدة أسباب يمكن الحديث عنها في مناسبات أخرى. ولكن الأكيد والثابت هو أن سيدي بوسعيد احتضن قصورا عدة فاقت "النجمة الزهراء" إشعاعا وتألقا خاصة على المستوى الثقافي والاجتماعي و السياسي. ولنا في "قصر الناصر باي" أو حسب التسمية الرسمية "دار السلام" خير مثال على ذلك.
يقع "قصر الناصر باي" في سفح جبل المنار (هضبة سيدي بو سعيد)، يشرف على منحدرات تغمرها الطبيعة البكر التي أكسبت محيط القصر مناظر جميلة وفريدة تجمع بين زرقة البحر وحضرة الأشجار وحمرة التربة. ولا تحيط بالقصر حديقة على غرار باقي القصور، لكن القصر في عهوده الأولى وقبل الزحف العمراني كان وسط حقول الزيتون التي تمتدّ غربا إلى تخوم قرطاج. وأهمّ ما يميز محيط القصر الطريق الخاصة التي هيأها الناصر باي للوصول هو وعائلته إلى "عومته" على شاطئ سيدي بوسعيد.
أمّا عن بناء القصر فيعود إلى الشيخ الطاهر بن عاشور الأول، وبعد وفاته سنة 1868 إقتناه الصادق باي مقابل "هنشير" أداه للورثة. وفي أواخر القرن التاسع عشر أهداه لإبن أخيه الناصر باي ليتوارثه أحفاده.
وعلى الرغم من حجم القصر المتواضع، فقد إكتسب وظائف عديدة بحكم موقعه ووجاهة ساكنيه ودورهم الفاعل في الحياة العامة والسياسية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فكان قصر "للخلاعة" ومنتدى أدبي وفني ومركز للقرار السياسي. الشيء الذي أكسبه قيمة تاريخية تدعونا إلى إدراجه على قائمة المعالم التاريخية الثمينة لقرية سيدي بوسعيد المسجلة على قائمة التراث العالمي.
ومن بين أصحاب هذا القصر ورواده محمد الطاهر بن عاشور الأول، محمد الناصر باي، منصف باي، حسين باي، محمد السنوسي، الشاذلي خزندار، مصطفي آغا، خير الله بن مصطفى، أحمد الوافي وغيرهم كثير. ومن خلالهم سنكتشف الأجواء الثقافية التي كانت تغمر القصر خلال مواسم الإصطياف.
فتابعون على صفحتنا للتعرف على كلّ هذه الشخصيات وعلى باقي القصور ورودها الذين إحتضنتهم القرية خلال القرون الأخيرة.