جمعية تحقيق الكرامة و الحرية - فرع وادي مليز Adl Tunisie

  • Home
  • Tunisia
  • Oued Meliz
  • جمعية تحقيق الكرامة و الحرية - فرع وادي مليز Adl Tunisie

جمعية تحقيق الكرامة و الحرية - فرع وادي مليز Adl Tunisie جمعية تحقيق الكرامة والحرية
(عدل تونس) جمعية تنموية مد?

01/12/2024

مَجْزرة "ثياروي" - السنغال 1944 – 2024

الطاهر المعز



مقدّمة

شَكَّلَت العلاقات بين السنغال والدّولة الإستعمارية السابقة (فرنسا) أحد المواضيع التي احتلّت حَيِّزًا هامّا من مناقشات الحملة الإنتخابية الرئاسية ( 24/03/2024 ) والتشريعية ( 17/11/2024) التي جرت بالسّنغال وأسفرت عن فَوز المُرشَّحِين التّقدُّمِيِّين لحزب "باستيف" (حزب الوطنيين الأفارقة في السنغال من أجل العمل والأخلاق والأُخُوّة) الذي عارض سياسات الرئيس السابق "ماكي سال" المُرتبطة بالإستعمار، وطُرحت خلال الحملة الإنتخابية مسائل هامة مثل الخروج من منظومة الفرنك الإفريقي ( CFA ) وتحسين العلاقات مع حكومات الدّول التي تُعارض الهيمنة الفرنسية (مالي و النيجر و بوركينا فاسو و غينيا...) كما أُثِيرت مسألة نَشْر الحقائق حول المجزرة التي ارتكبها الجيش الفرنسي في "ثياروي" على الأراضي السنغالية خلال فترة الإستعمار المباشر، وقُتِل خلالها – يوم الأول من كانون الأول/ديسمبر 1944 - عدد غير معروف من المُجَنّدين الأفارقة (يُقَدّرُ بمئات الضحايا من السنغال وغيرها) الذين ساهموا في تحرير فرنسا من الإحتلال الألماني النّازي، وتَعَهَّد الرئيس الجديد "باسيرو ديوماي فاي" بالسعي لكشف حقيقة الوقائع ومآل جُثث الضحايا، وبمناسبة الذّكرى الثمانين لهذه المجزرة الإستعمارية، تتناول الفقرات الموالية بعض الحقائق حول هذه الواقعة...

أعلنت حكومة السنغال – لما كان هذا النّص جاهزًا للنّشر – إنهاء العمل ب"اتفاقية الدّفاع المشتركة بين السنغال وفرنسا" والتفاوض على جدول زمني لخروج الجنود الفرنسيين من القواعد العسكرية، وأعلنت حكومة تشاد نفس الموقف، مما شكّل مُفاجأة لأن التقدّميين الأفارقة يُسمّون تشاد "حاملة طائرات فرنسا في المنطقة المُحيطة بالصّحراء"، ويُشارك جيش تشاد في أي عدوان يُنَفِّذُه الجيش الفرنسي ضدّ شُعوب إفريقيا...



شباب المُستعمرات وقود الحروب الإمبريالية

جنّدت الإمبريالية الفرنسية مئات الآلاف من شباب المُستعمرات كجنود مُتطوعين أو تم تجنيدهم قَسْرًا، واستخدمهم الجيش الفرنسي لقمع الشعوب المُستَعْمَرَة وللمُشاركة في الحُروب الإمبريالية الأولى والثانية، وبما إنهم في الصفوف الأمامية، كان عدد القتلى والجرحى والأسرى بينهم مرتفعا، فضلا عن العديد من المآسي التي أدّت إلى مقتل جنود أفارقة مجندين في الجيش الفرنسي: 900 جندي أفريقي من كامب دو كورناو (حوض أركاشون) هلكوا بسبب المرض خلال الحرب العالمية الأولى، ومات 200 جندي كانوا على متن السفينة أفريك التي غرقت سنة 1920 قبالة سواحل لاروشيل (الساحل الغربي لفرنسا) وآلاف من جرحى الحرب، بينهم العشرات من المعتقلين في مستشفى للأمراض النفسية من كاديلاك (جيروند – وسط غرب فرنسا)...

كما ذكرنا كان جنود المستعمراتعلى الخطوط الأمامية، مما يرتفع عدد الضحايا أو القتلى أو الجرحى أو الأسرى، وبعد هزيمة الجيش الفرنسي واستسلام الحكومة الفرنسية سنة 1940، أسر الجيش الألماني أكثر من 15 ألف جندي من غربي أفريقيا ( يُسميهم الفرنسيون الرُّماة السنغاليون، وهم من جميع مُستعمرات فرنسا في إفريقيا الغربية)، بالإضافة إلى 54 ألف أسير من مدغشقر وشمال إفريقيا والهند الصينية ومُستعْمَرَة المارتينيك، وتم احتجازهم في 22 معسكر احتجاز مصمم خصيصًا لغير البيض من أسرى الحرب، وتسمى هذه المعسكرات Frontstalags باللغة الألمانية، وجرت العادة أن يحتجز الجيش الألماني أسرى الحرب في ألمانيا، لكن لا يتم إرسال الأَسْرى من جنود الجيش الفرنسي القادمين من البلدان المستعمرة إلى ألمانيا مع أسرى الحرب الفرنسيين الآخرين، لأسباب عنصرية، فألمانيا النازية عنصرية حتى النخاع، وترفض دخول السّود أو "المُلَوّنين" إلى أراضيها، ولو كانوا مُقَيّدين بالسّلاسل، وتم احتجاز هؤلاء الجنود غير البيض في معسكرات في فرنسا سميت ( Stalags )

كان الرُّمَاة الأفارقة الذين قُتلوا في معسكر ثياروي أسرى حرب في هذه المُعتَقَلات في فرنسا، خلال الفترة من سنة 1940 إلى العام 1944، وقد نجوا بمعجزة، لأنهم تعرضوا لمعاملة أسوأ بكثير من باقي الأسْرى، وتعتبرهم ألمانيا دون البشر.

بعد مرور ثمانين عاماً على المجزرة ("أحداث ثياروي" بحسب الرواية الفرنسية الرسمية التي تحتوي على الكثير من الثغرات والتناقضات والأكاذيب فيما يتعلق بملابسات المجزرة) لا نعرف العدد الدقيق للضحايا ولا هوية معظمهم ولا مكان الدفن، حيث لا تحتوي الوثائق (الأرشيف) المتاحة للباحثين والمؤرخين على أي قائمة بأسماء الجنود الأفارقة الذين سافروا على متن الباخرة التي نقلتهم من شمال فرنسا إلى ميناء داكار مرورًا بالدّار البيضاء (المغرب) وبالتالي لا توجد قائمة بأسماء ضحايا مذبحة الجيش الاستعماري .



"ثياروي" مجزرة استعمارية

جَنّدت السلطات الإستعمارية الفرنسية حوالي نصف مليون شاب من مُستعمراتها في شمال وجنوب الصحراء الكُبرى، خلال الحَرْبَين الإمبرياليّتَيْن الأولى والثانية، واستخدم جنود المُستعمرات لقمع شُعُوب مُستعمرات أخرى، فأرسل جنود إفريقيا تحت الصحراء الكبرى لقمع شُعوب المغرب العربي، وجنود المغرب العربي لقمع سكان الشّام وجنوب شرقي آسيا (فيتنام ولاوس وكمبوديا)، كما تَعَمَّدَ الجيش الفرنسي نَشْرَ جنود المُسْتَعْمَرات في الخُطُوط الأمامية، مما رفع عدد القتلى والمُصابين والأسْرى، ولما تمكّن الجيش السوفييتي من فَكِّ حِصار ستالينغراد، ودَحْر جيش ألمانيا من شرق ووسط أوروبا، أصبح الجيش الألماني على قاب قَوْسَيْن من الهزيمة النهائية، وبعد تحرير فرنسا نقلت السُّفن الفرنسية جنود المُستعمرات إلى بلدانهم، دون إعلامهم ودون تسديد مُستحقاتهم، وكانت المُطالبة بهذه المُستحقّات من أسباب المجزرة التي تتناول أحداثها هذه الفقرات، كما تجدر الإشارة إلى وُعود الإستعمار الفرنسي بمنح الإستقلال للمستعمرات التي شارك جنودها في تحرير فرنسا، ولم تَفِ السلطات الإستعمارية بوعدها، بل ارتكبت مجازر السنغال (الأول من كانون الأول/ديسمبر 1944 ) والجزائر ( الثمن من أيار/مايو 1945) ومدغشقر (1947) فضلا عن المجازر اللاحقة في الكونغو والكامرون وغيرها...

ارتكب الإستعمار الفرنسي مجزرة في "ثياروي" بالسنغال ضد المئات من الجنود الأفارقة الذين ساعدوه على تحرير فرنسا من الإحتلال النازي الألماني، وذلك يوم الأول من كانون الأول/ديسمبر سنة 1944، لما كانت السنغال ومالي ومعظم بلدان إفريقيا الغربية جزءًا من الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية في غرب أفريقيا وإفريقيا الاستوائية.

لا تشكل مذبحة ثياروي سنة 1944 سوى حلقة واحدة من الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي، ولكنها ربما تمثل حادثة القتل الوحيدة لرجال مسلحين يطالبون بمستحقاتهم، وقد أطلق عليهم "إخوانهم السابقون في السلاح" النار وقتلوهم، وبعد ثياروي 1944 وهزيمة النازية، توالت مجازر الدولة الفرنسية ضد المظاهرات السياسية وثورات الاستقلال: مجازر سطيف وقالمة وخراطة في الجزائر بعد توقيع الهدنة بين فرنسا وألمانيا يوم احتفال أوروبا وأمريكا الشمالية بنهاية الحرب وبالنّصر يوم الثامن من أيار/مايو 1945، والمجازر في مدغشقر سنة 1947، والمذابح في الهند الصينية حتى هزيمة الجيش الفرنسي خلال واقعة ديان بيان فو سنة 1954...

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ومجزرة ثياروي 1944، ارتكبت الدولة الفرنسية عمليات نهب عالمية من خلال الميز بين الجنود وقرار خفض قيمة معاشات تقاعد جنود إمبراطوريتها الاستعمارية السابقة ككل منذ ستينيات القرن العشرين، وتجميد معاشاتهم التقاعدية عند مستويات أقل بكثير من "زملائهم" الفرنسيين، وأقرت الدّولة الفرنسية قواعد جديدة، من بينها إجبار الجنود السابقين الأجانب على العيش جزءًا من العام في فرنسا في ظروف محفوفة بالمخاطر ومهينة، لكي يمكنهم الحصول على هذه المعاشات مُنخفضة القيمة...

أما معسكر Thiaroye فكان بمثابة مَحَطَّةً لعبور الجنود الإفريقيين – تشرين الثاني/نوفمبر 1944 – قبل العودة إلى ديارهم، وكان جميعهم في الخُطُوط الأمامية للجيش الفرنسي، مما رَفَعَ بينهم عدد الأَسْرَى في محتشدات ألمانيا النازية منذ سنة 1940 خلال هزيمة الجيش الفرنسي، ثم تم نقلهم إلى فرنسا في مُعتقل "Frontstalags"



ظروف المجزرة

حقق الإتحاد السوفييتي أول انتصار استراتيجي على الجيش الألماني الذي احتل أجزاء هامة من البلاد طيلة أكثر من سنتَيْن وحاصر ستالينغراد ( شتاء 1942) بدعم من المليشيات الفاشية الأوكرانية والبولندية والسُّوَيْدِيّة وغيرها، وكانت هذه الهزيمة على الجبهة الشرقية مُقدّمة لتغير اتّجاه الحرب، وتم تحرير معظم مناطق فرنسا، من الجنوب وحتى باريس ( آب/أغسطس 1944) من قِبَل المُتطوعين الأجانب في الجيش الفرنسي ( من إسبانيا والمغرب العربي وإفريقيا ) وهو ما ترفض الحكومات الفرنسية المتعاقبة الإعتراف به، بل ادّعى الجنرال شارل ديغول إن الجنود البيض حَرّرُوا باريس...

بعد أربع سنوات من الأسر، تمت إعادة الرماة الإفريقيين ( Tirailleurs ) المسجونين وعددهم 1615، وفق الوثائق الرسمية الفرنسية، إلى أفريقيا يوم 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1944 وبمجرد هبوطهم في ثياروي بضواحي داكار بالسنغال، طالب الجنود الإفريقيون بجراياتهم ومستحقاتهم المتبقية، ورفضت السلطات العسكرية الاستعمارية أن تدفع لهم المبالغ المتفق عليها ( جراية مماثلة للجنود الفرنسيين) فتمرّد الجنود الأفارقة، ودبّرت السلطات العسكرية الفرنسية العديد من المكائد ضدّهم، ووجّهت لهم تُهمًا مُلفّقة منها السرقة والنّهب والإحتيال، ولما فشلت في القضاء على التّمرّد وجهت للجنود "تُهمة إيديولوجية" مثل التّخابر مع العدو الألماني ومع "الشيوعية" و "مُعاداة السيادة الفرنسية" على أراضي إفريقيا، وغير ذلك من التُّهَم المُلفّقة، واستمر التّمرد حتى نهاية شهر تشرين الثاني نوفمبر داخل ثكنة تحولت إلى مُحْتَشَد يحرسه الجنود والضباط الفرنسيون، وفي فجر الأول من كانون الأول/ديسمبر 1944، كان معسكر ثياروي محاطًا بدبابات أمريكية وعَربات مُصَفَّحَة وكتيبتين من جنود المُشَاة وفصيلة من ضباط الصف والمجندين الفرنسيين، وأطلقت القوات الفرنسية النار على الجنود الإفريقيين المتمردين الذين تمت دعوتهم للتّجمع "لأَمْرٍ هام يخص مطالبَهُم" فكانت مذبحة حقيقية راح ضحيتها – غَدْرًا – المئات من الجنود الذين حَرَّرُوا فرنسا من الإحتلال الألماني، وتمت محاكمة 34 من الناجين بتهمة العصيان والتمرد، وقضت المحكمة العسكرية، يوم الخامس من آذار/مارس 1945، بسجن "المُتمردين" لفترات تتراوح بين عام واحد وعشر سنوات، وتغريم البعض الآخر، وتم العفو عن جميع المدانين سنة 1947 من قِبَلِ الرئيس الفرنسي "فنسنت أوريول" لكنهم ظَلُّوا مُجَرَّدِين من حقوقهم المدنية...

ظل النّاجون من المذبحة وأبناؤهم وأحفادهم يُطالبون بحقوقهم وبنشر الحقائق بشأن مطالبهم والتّحقيق في المجزرة، وطرح من تبقوا على قيد الحياة – سنة 2016 - المطالب التالية:

رفع السّرّيّة عن الوثائق المتعلقة بمجزرة ثياروي وظروفها " ونشر قائمة القتلى والكشف عن حقيقة الجريمة، وإعادة التحقيق وتبرئة المُدانين الأربعة والثلاثين بتهم مُلفّقة وتسديد الدّولة الفرنسية تعويضات للأحياء ولأُسَر الأموات...

دعمت الحكومة السنغالية الجديدة منتصف آب/أغسطس 2024 مطالب أحفاد وأُسَر جنود " ثياروي"، وعينت لجنة لإحياء الذكرى الثمانين للمجزرة الأول من كانون الأول/ديسمبر 1944 – 2024 وللبحث في العدد الحقيقي للضحايا وأماكن دفنهم والمطالبة باستعادة الأرشيف بأكمله بشأن مذبحة ثياروي والجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي في السنغال وبلدان إفريقية أخرى، لأن الدولة الإستعمارية الفرنسية واصلت جرائمها ضدّ الشعب الجزائري، ولا يزال الشعب الجزائري يَذْكُر المُظاهرات الضخمة من أجل الإستقلال، والمجازر التي تخلّلتها، خصوصًا في سطيف وقالمة وخراطة يوم الثامن من أيار/مايو 1945، وقتل الجيش الفرنسي حوالي 45 ألف جزائري، فضلا عن تكثيف عمليات نهب الأراضي والثروات في إفريقيا

يتزامن الاحتفال بالذكرى الثمانين لمجازر ثياروي في سياق موجة احتجاجات يقودها الشباب الأفارقة من أجل السيادة والوحدة الإفريقية في بلدان أفريقيا الناطقة بالفرنسية بشكل عام، وفي غرب أفريقيا بشكل خاص.

بعد أربع سنوات من الأسر، كان من المقرر إعادة الجنود الإفريقيين المسجونين إلى أوطانهم في أفريقيا خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1944، وقرر الجنرال شارل ديغول إقصاءهم من المشهد في باريس ومن الإحتفالات بالتّحرير والإدّعاء إن فرنسا تحررت بفضل تضحيات الجنود والمقاومين الفرنسيين البيض وإخفاء دَوْر جنود المُستعمرات الذين تم تجنيدهم قَسْرًا، وكان ترحيل الأفارقة جزءًا من عملية "تبييض" التّحرير والإنتصار على النّازية...

ضَمّت الرّحلة من أحد موانئ غرب فرنسا إلى داكار (عاصمة السنغال) نحو أَلْفَيْ جندي إفريقي يوم الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 1944 ورفض 315 جنديًا الصعود على متن السفينة البريطانية "شركيسيا" لأنهم طالبوا بدفع كامل رواتبهم وتعويضاتهم خلال فترة الأَسْر لمدة أربع سنوات، كما تقتضي الترتيبات العسكرية، مع الإشارة إن معدل تعويضات الأَسْر للأفارقة السود كان أقل من نظرائهم الفرنسيين، وكان يحق لهم، بالإضافة إلى راتب الأَسْر، الحصول على أجر العبور، وبدل قتال قدره 500 فرنك، ومكافأة التسريح، ومكافأة البقاء في الجيش لمُدّة فاقت المدة القانونية، بما يعادل مكافأة إعادة الاشتباك، وبعد الإلحاح قررت السلطات الفرنسية دفع 25% من المبالغ في فرنسا وتسديد 75% إثر الوصول إلى داكار، وبمجرد وصولهم إلى داكار يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1944، طالب الجنود بمستحقاتهم المتبقية التي رفضت السلطات العسكرية الاستعمارية تسديدها، ولذلك رَفَضَ خمسمائة من جنود مالي المغادرة دون الحصول على حقوقهم الكاملة، يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1944، واستمرت الإستفزازات الفرنسية والصّمود الإفريقي إلى غاية صدور القرار العسكري الفرنسي بحل المسألة بالقوة، قوة السلاح يوم الأول من كانون الأول/ديسمبر 1944، ضد مُحَرِّرِي فرنسا من الإحتلال، ولا تزال الرواية الرسمية الفرنسية تعتبر هذه المجزرة "شرعية" لإنهاء "تمرّد مُسَلّح" و ضرورةً "لاستعادة الانضباط والطاعة بوسائل أخرى غير الخطابات والإقناع" بهدف إنكار أي شرعية لمطالب الجنود ( المُجنّدين غصبًا) وبهدف إضفاء الشرعية على واحدة من الجرائم العديدة التي ارتكبتها الدّولة الفرنسية في مُسْتعمَراتها، وقدّرت الوثائق الفرنسية عدد القَتْلى ب35 لكن العدد الحقيقي يتراوح بين أربعمائة وخمسمائة ضحية، ولا تزال هذه الأكاذيب وإعادة كتابة التاريخ ومُؤامَرة الصّمت مُستمرة بعد ثمانية عُقُود...



في الذّكرى الثمانين لمجزرة ثياروي

كان المؤلف والمخرج السنغالي سمبين عثمان - Ousmane Sembène - ( 1923 – 2007) من المُجَنَّدِين قَسْرًا ومن النّاجين من هذه المجزرة، وأخرج شريطا روائيًّا سنة 1988، يعتمد على الوقائع التي عاشها مع رفاقه، بعنوان "كامب دي ثياروي" ( Camp de Thiaroy ) وفرضت فرنسا حصارًا على الشريط وصاحبه، وتمت مقاطعته في مهرجان كان السينمائي خلال نفس السنة وتم منعه لمدة عشر سنوات في فرنسا، وفاز الشريط بجائزة في مهرجان البندقية السينمائي في إيطاليا ونال شهرة كبيرة في إفريقيا وفي جميع أنحاء العالم، وشاهده الكثير من الناس في فرنسا عبر قنوات مختلفة، وتم تداوله سرا، وبعد مرور 38 عامًا على فرض الرقابة على شريط "Camp de Thiaroye" منذ سنة 1988، تم اختياره ضمن "كلاسيكيات مهرجان كان 2024" في دورة مهرجان كان السينمائي أيار/مايو 2024...

لا يزال أهالي القتلى والمدانين والعائدين من "ثياروي 1944 " يُطالبون برفع الحظْر عن جميع المحفوظات والوثائق المتعلقة بقضية ثياروي وتسليم قائمة المقتولين وتسليم الخرائط التي تُبيّن مكان دَفْهم واعتبارهم شهداء تحرير فرنسا من الإحتلال، ودفع التعويضات والرواتب والمُسْتَحقّات للأحفاد.

من جهتها،أنشأت السّلطات السنغالية الجديدة، منتصف آب/أغسطس 2024، لجنة لإحياء الذكرى الثمانين لمذبحة ثياروي يوم الأول من كانون الأول/ديسمبر 2024 ويتضمن البرنامج الجانب السياسي أو الأيديولوجي للحروب (وليس الحرب العالمية الثانية فحسب) التي مات من أجلها أو في نهايتها جنود تم تجنيدهم قَسْرًا في مُستعمَرات فرنسا، فهي حُروب بين قطاع الطرق الإمبرياليين كما في 1914-1918، أو حروب الغزو والسيطرة وقمع الشعوب المستعمرة الأخرى، كما في شمال إفريقيا والشام وحنوب شرقي آسيا ولم تختلف الحرب العالمية الثانية جوهريًا عن الحرب العالمية الأولى، حيث لم تكن القوى الإمبريالية مناهضة للفاشية بل تُمارس الولايات المتحدة المَيْز العنصري وتحتل بريطانيا وفرنسا أجزاء كثيرة من العالم، كما إن الثورة البرجوازية الفرنسية لسنة 1789 لم تُحَرِّر النساء ولا العبيد ولا البروليتاريين في فرنسا، بل كان المُنَظِّرون عنصريون، استعماريون وتجار عبيد، وبعد حوالي قَرن من ثورة 1789 أعلن رئيس المجلس "جول فيري" بفخر: "إن للأجناس المتفوقة الحق، بل وواجب، تحضر الأعراق الدُّنْيا"، وشارك الحزب "الشيوعي" الفرنسي (PCF) والقسم الفرنسي لأممية العمال (SFIO)، سلف الحزب الاشتراكي في دَعْم الحروب الاستعمارية في الجزائر والهند الصينية ومدغشقر (1945-1962)، ولئن لم يكن الحزب الشيوعي الفرنسي في الحكومة خلال الحرب الاستعمارية في الجزائر بين سنتَيْ 1954-1962، فإنه صَوَّتَ لصالح القوانين الإستثنائية ضدّ الشعب الجزائري، ولم يرفع شعار استقلال الجزائر سوى قبل حوالي سنة من الإستقلال، أثناء مفاوضات "إيفيان" بين جبهة التحرير الوطني (الجزائر) والحكومة الفرنسية، سنة 1961.

يمكن للشعوب التي استعمرتها الإمبريالية الفرنسية مباشرة ولا تزال تستعمر معظمها بشكل غير مباشر، وساهم شبابها غَصْبًا أو طَوْعًا في الدّفاع عن فرنسا وفي بنائها وإعادة إعمارها وفي ازدهار اقتصادها، رفع المطالبة التالية:

إلغاء الدُّيُون واستعادة الممتلكات والقطع الأثرية والتراث المنهوب من المُستعمَرات وإغلاق القواعد العسكرية وانسحاب القوات العسكرية الفرنسية من أفريقيا وتأميم مصالح الشركات الفرنسية التي حصلت على امتيازات بحكم تدخُّل السّلطات الفرنسية، ووضع حدّ للهيمنة المالية للمصرف المركزي الفرنسي بواسطة الفرنك الإفريقي ( CFA ) وفتح الحدود الفرنسية والأوروبية أمام مواطني المُستعمرات المُباشرة وغير المُباشرة، أو ما يمكن التعبير عنه بحُرِّيّة التّنقل والإقامة، والإعتراف بحق الإقامة القانونية ( النّظامية) للعمال المهاجرين "غير النّظاميين) المتواجدين على الأراضي الفرنسية والأوروبية...

27/11/2024

ضرورة مُقاومة مخططات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني

الطاهر المعز



تكتسب قرارات الإدانة وأمر اعتقال رئيس حكومة العدو الصهيوني ووزير حربه السابق من قِبَل محكمة الجنايات الدّولية، يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أهَمِّيّةً رمزية، لكن الولايات المتحدة – وهي والكيان الصهيوني ليست عضوًا في المحكمة - وألمانيا وبعض حكومات دُوَل أعضاء حلف شمال الأطلسي نَدّدت بقرار هذه الهيئة الدّولية الذي تضم 124 دولة، وأعلن بعض المسؤولين الأميركيين وفي مُقدّمتهم السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، الذي هدّد لشبكة "فوكس نيوز" يوم الجمعة 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بمعاقبة الدّول التي تُنَفِّذُ قرار الإعتقال، بما فيها حلفاء الولايات المتحدة التي ذكر منها بالإسم كندا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، وهدّدَ ب"سَحْق اقتصاد هذه الدّول أو أي دولة أخرى، وسيَتَعَيَّنُ "الاختيار بين المحكمة الجنائية الدولية المارقة أو أميركا ( التي سوف) تتصَرّف بقوة ضد المحكمة التي لا تمتلك أي شرعية"، كما هدّد نواب أمريكيون آخرون وكذلك المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، بإصدار قانون يفرض عقوبات على قُضاة المحكمة الجنائية الدّولية، وفرض عقوبات اقتصادية، وربما غَزْو الدّول التي تمتثل للقرار وتعتقل المسؤولين الصهاينة...

في أوروبا ندّدت حكومة المَجَر (هنغاريا) بقرار محكمة الجنايات الدّولية وأعلن الرئيس فيكتور أوربان " اعتزامه دَعْوَةَ نتنياهو وغالانت إلى زيارة البلاد"، فيما أعلنت دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي والإتحاد الأوروبي، من بينها إيطاليا وإيرلندا وبلجيكا وهولندا وفرنسا "احترام قرار المحكمة" الذي تجدر الإشارة إنه يُساوي بين المُحتَلّ الصهيوني والمقاوم الفلسطيني، حيث صدر أمر اعتقال مسؤولين من حركة حماس...

تواصل الولايات المتحدة والعديد من الحكومات والمُؤسسات الأوروبية اعتبار أي نقد للكيان الصهيوني أو احتجاج على ممارساته بمثابة "مُعاداة السامية" وتمت مُضايقة واعتقال ومحاكمة المُحتجِّين في معظم دول حلف شمال الأطلسي، مما يُساهم في إفلات المسؤولين الصهاينة من المُساءلة والعقاب، لكن ورغم التهديد والإبتزاز الأمريكي، قَلَّصَت العديد من الحكومات اتصالاتها العلَنِيّة بالمسؤولين في الحكومة الصّهيونية، كما أعلنت أكثر من عشرين جامعة أوروبية وكندية قَطْعَ علاقاتها مع المُؤسّسات الأكاديمية الصهيونية، وتم استبعاد بعض الشركات الصهيونية من المعارض التجارية الدّولية...

في جنوب إفريقيا – التي قَدّمت الشكوى إلى محكمة الجنايات الدّولية – أعلن وزير الخارجية "رونالد لامولا" (اذي قد يخلف الرئيس الحالي سيريل رامافوسا)، يوم 26 أيلول/سبتمبر 2024 – أي قبل شهرَيْن من إعلان قرار المحكمة الجنائية الدّولية – "رغم إدانتنا أحداث السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023، فإن إسرائيل دولة استعمار استيطاني وعُنْصُرِيّة..."

تأسّست المحكمة الجنائية الدّولية سنة 1948، سنة النّكبة، عندما كانت جميع الأنظار مُتّجِهَة نحو محاكمة الزعماء النّازيين الذين اجتحوا أوروبا وارتكبوا مجازر عديدة، وتهدف المحكمة معاقبة مرتكبي الجرائم ضد المدنيين وحرمانهم من الحقوق الأساسية ومن مُقومات الحياة كالغذاء والمياه والرعاية الصّحّيّة، وتجدر الإشارة إلى الدّعم غير المحدود الذي تُقدّمه ألمانيا إلى الكيان الصّهيوني الذي يرتكب ممارسات ومجازر شبيهة بمجازر النظام النازي الألماني بين سنتًيْ 1933 و 1945، كما تجدر الإشارة إلى المُقارنة بين مُشاركة ألمانيا في جميع الحروب العدوانية الأمريكية – ضمن حلف شمال الأطلسي أو خارجه – وساهمت في تخريب يوغسلافيا وأفغانستان والعراق وسوريا، ودعمت – مع جميع دول حلف شمال الأطلسي - ، باسم "القانون الدّولي " محاكمة وإدانة زعماء يوغسلافيا سلوبودان ميلوسوفيتش ورادوفان كارازيتش، بتهمة ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية، واليوم تدعم ألمانيا والولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي – التي تتشدّق بِالقِيَم الإنسانية وباحترام حقوق الإنسان - عمليات الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني في العديد من البلدان العربية...



سلاح "المُساعدات الإنسانية"

تستخدم الولايات المتحدة مساهماتها في المنظمات الدّولية ( مثل اليونسكو أو يونيسيف) كوسيلة ابتزاز سياسي وأعلنت مؤخرًا – إثر تصويت النواب الصهاينة في الكنيست على حَظْر عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين – أنروا - يوم 28 تشرين الأول اكتوبر 2024 – تصنيف الوكالة (أنروا) "منظمة إرهابية" وقَطْع المُساعدات عنها، أي تَسْيِيس المُساعدات من قِبَل الولايات المتحدة وما لا يقل عن 15 دولة أخرى، وأعلنت الدّول التي تراجعت ظاهريا عن قرارها عدم إعادة الأموال إلى وكالة أنروا، بل تخصيص هذه الأموال "لدعم إجراءات المراقبة ومكافحة الإرهاب"، ولا تختلف هذه السياسات عن ممارسات الولايات المتحدة التي تهدف تجويع الفلسطينيين – خصوصًا في غزة المُحاصرة منذ 18 سنة - الذين يعتمدون على مساعدات أونروا – التي أسستها الأمم المتحدة سنة 1949، بعد النّكبة – لمساعدة 850 ألف فلسطيني حتى عودتهم إلى منازلهم واسترجاع ممتلكاتهم وأراضيهم وبيوتهم مع الحصول على تعويضات، وفق القرار 194 للأمم المتحدة، وتُقدّم أنروا المساعدات الغذائية والخدمات الصحية والتعليم والتّدريب والخدمات الأخرى للّاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية وسورية والأردن ولبنان، وتريد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إنهاء أي رمز يُشير إلى النكبة واحتلال فلسطين سنة 1948، وتهدف القرارات الأمريكية والصهيونية إلى إلحاق اللاجئين الفلسطينيين بالمفوَّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وإدماج اللاجئين الفلسطينيين في المجتمعات المحلية، وفقدان خصوصيتهم كفلسطينيين وفقدان حق العودة واسترجاع الممتلكات إضافة إلى التعويضات للاجئين وذويهم الذين يقارب عدد المُؤهّلين منهم للحصول على خَدَمات أنروا بحوالي ستة ملايين نسمة...

بدأت محاولات تصفية أنروا منذ عُقُود، وخصوصًا منذ مُفاهمات أوسلو (أيلول/سبتمبر 1993) حيث ارتفع عدد المنظمات غير الحكومية والوكالات التي تَدّعي تقديم الدّعم للفلسطينيين ( باستثناء الأراضي المحتلة سنة 1948) ومن أهمّها «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية - USAID»، وترافق قرار إنهاء الدعم الأمريكي لأنروا بقرار إعادة توجيه المساعدات نحو "يو أس آيد" وشركائها في الضفة الغربية وغزة، الذي بدأ تنفيذه بالفعل منذ سنة 2021، حيث يُقَدّر مبلغ "المساعدات" الأمريكية التي تمر عبر يو أس آيد بنحو 166,5 مليون دولارا سنويا (مقابل 3,8 مليارات دولارا للكيان الصهيوني) وما يُعادل 228 مليار دولار من المساعدات العسكرية للكيان الصهيوني منذ 1949، وأكثر من 26 مليار دولارا، خلال الفترة من تشرين الأول/اكتوبر 2023 إلى نهاية تموز/يوليو 2024، فضلا عن مُساعدات مالية وعسكرية وأمنية أخرى "لمكافحة الإرهاب "، وللمراقبة والسيطرة على الفلسطينيين من قِبَلِ الاحتلال، كما تقوم العديد من المنظَّمات غير الحكومية والمتعاقدة التي تتلقى أموالاً أمريكية بفرض رقابة على الفلسطينيين المُستفيدين من خدماتها خوفًا من قوانين العقوبات وسياسات مكافحة الإرهاب الأمريكية...

تعمل USAID بشكل شبه حصري من خلال شبكة دَولية من المُقاولات والمنظمات غير الحكومية المُتعاقدة من الباطن مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية لتنفيذ المشاريع التي تُحدّدها يو أس آيد، بشروط من بينها حَظْر توجيه أي مساعدة أمريكية – مباشرة أو غير مباشرة – إلى الأفراد والمجموعات التي لا تلتزم ب"نَبْذ الإرهاب" (أي الكفاح المُسلّح والدّعوة إلى تحرير فلسطين...) كما تشترط الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية جمع المعلومات الشخصيّة عن الأفراد والمنظَّمات للتّأكّد من عدم "مخالفة القوانين الأمريكية"...

فَرَضت الولايات المتحدة على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (أنروا) هذه الشّروط – منذ أكثر من خمسين سنة - مقابل تسديد حِصّتها من تمويل هذه الوكالة الدّولية، كما فرضت الولايات المتحدة منذ أكثر من عِقْدَيْن ( منذ 2003، سنة احتلال العراق) في عام 2003، إدْراج "شهادة مكافحة تمويل الإرهاب" وقَطع العلاقات مع المنظمات والحركات والأحزاب والكيانات والأفراد والشخصيات الذين تصنّفهم الولايات المتحدة كإرهابيين، فيما يعتبرهم المجتمع الفلسطيني جزءًا من حركة ونضال الشعب الفلسطيني من أجل التّحرّر، فيما تعتبر الولايات المتحدة القَطْع معهم ونَبْذَهُم شَرْطًا من شروط حصول المنظمات "غير الحكومية" الفلسطينية على تمويلات أمريكية، وأدّى ذلك إلى مُقاطعة شبكة المنظَّمات غير الحكومية الفلسطينية (PNGO) تمويلات USAID وكذا فعلت العديد من المنظمات العربية في الأردن ومصر التي ارتبطت أنظمتها السياسية باتفاقيات التّطبيع السياسي والإقتصادي مع الكيان الصهيوني...

أدّت هذه القرارات الأمريكية إلى جَعْل القوانين الأمريكية أعلى درجة من قرارات الأمم المتحدة، بشأن الأمن ومكافحة الإرهاب وما يُسمّى "القانون الدّولي الإنساني"، وأرادت الولايات المتحدة، منذ حوالي عِقْدَيْن إخضاع العديد من المنظمات الدّولية مثل يونسكو وأنروا لمساءلتها، وهو ما فعلته الولايات المتحدة عَمَلِيًّا مع وكالة الطّاقة الدّولية التي كانت تُنفّذ عمليات تفتيش في العراق وتُقدّم تقاريرها إلى الولايات المتحدة التي تُحَوّرُها وفق مَشيئَتِها قَبْلَ تقديمها إلى الأمم المتحدة...

تقوم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني منذ سنوات عديدة بحملات مُستمرة ضدّ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أنروا) لأن وُجُودَها يُشكل شاهدًا على نكبة سنة 1948، وما رافقها من تدمير 531 قرية وتهجير 850 ألأف فلسطيني، وأعلن نتن ياهو والسفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، منذ سنة 2017 " ضرورة تفكيك الأونروا ودمجها مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، وتُشكل الحملة الحالية وقرارات الكنيست الصهيوني والولايات المتحدة استمرارًا لمحاولات حَذْف موضوع اللاجئين من أيّ مشاريع أو مفاوضات مستقبلية، ويُشكل قَطْع التمويل الأمريكي والأوروبي (حتى سويسرا التي تَدّعي الحياد) وتوجيهه نحو الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية ( USAID ) تقويضًا لأنروا وتسهيلا لانهيارها وإفراغ قطاع غزة من السّكّان بفعل الدّمار والجوع والمرض والحصار وتقويض حق العودة للاجئين الفلسطينين.

يكمن خَطَرُ حَظْرِ نشاط أنروا من قِبَلِ الكيان الصهيوني، وقطع المساعدات الأمريكية والأوروبية (وغيرها مثل كندا وسويسرا وأستراليا...) وإعادة توجيه التمويل الأمريكي من الأونروا إلى USAID ووكالات أخرى، في حرمان ثُلُثَيْ أفراد الشّعب الفلسطيني من تلبية الاحتياجات الإنسانية الفورية في مُخيمات اللاجئين وفي قطاع غزة والضفة الغربية وإلى التلاعب بالأموال التي قد تُخَصّصُ لإعادة إعمار ما هَدّمه العدوان الصهيوني المستمر عند تحرير هذه الفقرات (25 تشرين الثاني/نوفمبر 2024) وتُؤشِّرُ هذه الأمثلة القليلة على إن الشعب الفلسطيني (والشّعوب العربية) لا تُقاوم الكيان الصهيوني فحسْب، بل تواجه شُعوبُنا المُخطّطات المُشتركة للإمبريالية – بزعامة الولايات المتحدة – والصهيونية، ربيبة الإمبريالية والأنظمة الرجعية العربية، ضمن العدوان الصهيوني المباشر، والعدوان بالوكالة، بواسطة المنظمات الإرهابية في سوريا أو بواسطة الأنظمة العميلة ( الإمارات والسعودية) كما في اليمن...

يُشكّل تنسيق الرّد على العدوان الصّهيوني من قِبَل حركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن بداية لبوادر جبهة مُقاومة، تنقصها حاليا التعبئة الجماهيرية في كافة البلدان العربية...

19/11/2024

الإتحاد الأوروبي مدرسة فساد

الطاهر المعز



مَنَعَ البرلمان الأوروبي- سنة 2017 - جماعات الضغط التي تعمل لصالح شركة مونسانتو للبذور والمواد الزراعية المعدلة وراثيا والمبيدات، من دخول مبنى البرلمان، لما رفضت الشركة الأمريكية العابرة للقارات الإجابة على أسئلة أعضاء البرلمان الأوروبي، بشأن فضيحة "أوراق مونسانتو"، ولكن اختلف الأمر بشأن شركة الأدوية الأمريكية العابرة للقارات "فايزر"، رغم الأدلّة والحجج والشّهادات التي جمعتها اللجنة الخاصة بشأن كوفيد، بداية من آذار/مارس 2022، ورغم إقرار أغلبية كبيرة من أعضاء البرلمان الأوروبي في اللجنة الخاصة المعنية بكوفيد-19 ، يوم 11 كانون الثاني/يناير 2024، حَظْرَ دخول ممثلي شركة فايزر إلى مَبْنى البرلمان، ولكي يُصبح القرار سارِيًا وجبت موافقة رئيسة البرلمان ورؤساء المجموعات السياسية، ورفضت هذه الزُّمْرة الموافقة على القرار، مطالبة بالتّرَيُّث، رغم رَفْضِ الرئيس التنفيذي لشركة فايزر للمختبرات والأدوية الحضورَ للرّدِّ على أسئلة نواب البرلمان الأوروبي بخصوص محتوى العقود الموقعة مع رئيسة مُفَوّضِيّة الاتحاد الأوروبي لتسليم اللقاحات المضادة لكوفيد-19، ( آخر مرة رفض الحُضُور كانت يوم العاشر من تشرين الأول/اكتوبر 2024) ومع ذلك رفضت هيئة صنع القرار في البرلمان الأوروبي ( رؤساء المجموعات السياسية السّبْع المُمثَّلَة في البرلمان الأوروبي) يوم الخميس 15 شباط/فبراير 2024 معاقبة شركة فايزر بسحب شارة الوصول إلى المبنى من ممثليها، كما قررت هيئة برلمانية بالبرلمان الأوروبي رَفْضَ طَلَب استجواب رئيسة الإتحاد "أورسولا فون دير لاين" خلال جلسة استماع حول الدور الذي لعبته في المفاوضات بشأن عقود مكافحة كوفيد مع شركة فايزر، كما رفضت اللجنة البرلمانية سحب ترخيص دخول ممثلي شركة فايزر إلى مَبْنى البرلمان الأوروبي، وتم اتخاذ هذه القرارات داخل لجنة مُضَيَّقَة تُمثل رؤساء الأحزاب، بالتوافق وبدون تصويت، مما يثير تساؤلات حول الإندماج بين الحكومات الأوروبية (التي تُمثّلها المُفَوّضية) والبرلمان الأوروبي، كما أقَرّت نفس الهيئة ( رئيسة البرلمان ورؤساء المجموعات السياسية المُمَثَّلَة في البرلمان الأوروبي) مطلبا رئيسيا آخر قدمته في يناير/كانون الثاني اللجنة الخاصة المعنية بكوفيد-19، ويتمثل الطّلب في عَقْدِ جلسة استماع -علنية نظريا- لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، حتى تتمكن من شرح الدور الذي لعبته في التفاوض على العقد مع شركة فايزر، وهو الأهم من بين جميع العقود المبرمة مع شركة فايزر أثناء الوباء، وأثارت هذه القرارات المُنحازة للشركات العابرة للقارات – مثل فايزر – جدلاً، مما اضطر لجنة رؤساء المجموعات إلى قبول مبدأ إجراء مناقشة الموضوع خلال اجتماع مغلق مع رئيسة المُفوّضية، في غياب المسؤولين المنتخبين المتخصصين في هذه القضايا.

تعود حيثيات القضية إلى فترة انتشار وباء كوفيد – 19، حيث قامت المفوضية الأوروبية، نيابة عن الدول الأعضاء الـ 27، بعمليات شراء جماعية للقاحات، ولا سيما من شَرِكَتَيْ فايزر و بيونتيك، وكشفت صحيفة نيويورك تايمز، خلال شهر نيسان/ابريل 2021، بعض خفايا هذه الصّفقة، ومن بينها تبادُل الرّسائل النّصِّيّة ( SMS ) بين رئيسة المفوضية الأوروبية "أورسولا فون دير لاين" و ألبرت بورلا المدير التنفيذي لشركة فايزر، أثناء التفاوض على هذا العقد، الذي يُعتبر هو الأكْبَرُ الذي يبرمه الاتحاد الأوروبي خلال هذه الفترة بقيمة 35 مليار يورو إذا تم تسليم جميع الجرعات المخطط لها. وتضمنت الاتفاقية، التي تم التوقيع عليها يوم 19 أيار/مايو 2021، تسليم 900 مليون جرعة من اللقاحات خلال سنتَيْ 2022 و2023، مع إمكانية طلب 900 مليون جرعة إضافية، وتم اتهام السّلطة التنفيذية الأوروبية، خلال شهر حزيران/يونيو 2022، بسوء الإدارة، بعد رفْضها نَشْرَ تفاصيل المفاوضات بشأن الصّفقة كما رفضت نَشْرَ النُّصُوص المُتبادَلَة التي أشارت إليها صحيفة نيويورك تايمز، وأدّى رفض نشر التفاصيل إلى تقديم أمينة المظالم في الاتحاد الأوروبي، قضيةً بشأن " سوء الإدارة"، ونشرت محكمة مراجعي الحسابات في الاتحاد الأوروبي تقريرًا ( تشرين الأول/اكتوبر 2022) حول شراء اللقاحات، وأوضح التّقْرِير "رَفْضَ المفوضية ( مرة أخرى ) تقديم أي معلومات حول المفاوضات الأوَّلِيّة لهذا العِقْد"، مما أدّى إلى فتح تحقيق – خلال نفس الشّهر، تشرين الأول/اكتوبر 2022 – من قِبَل مكتب المدعي العام الأوروبي، بشأن اقتناء اللقاحات في الاتحاد الأوروبي، ما أدّى إلى اهتمام بعض وسائل الإعلام الأوروبية بهذه القضية، لأن المفوضية ملزمة قانوناً بجعل هذه الرسائل النصية القصيرة علنية باعتبارها "وثائق عمل" وليست معلومات تتعلّق بالحياة الخاصّة بأرسولا فون دير لاين والمدير التنفيذي لشركة فايزر، وازدادت أهمية القضية لما تم اكتشاف ملايين الجرعات المُخَزّنة في مستودعات أوروبا والتي اقتربت نهاية مدّة صلاحيتها، كما بدأت بعض أطراف المجتمع المدني في أوروبا تطرح مسألة إلغاء العقد الذي شاَبَهَ الغموض وانعدام الشّفافية، واضطرت اللجنة الخاصة المعنية بكوفيدن يوم 11 كانون الثاني/يناير 2024، إلى طَرْح مسألة منع وصول ممثلي شركة فايزر إلى البرلمان، وهو الموضوع الذي خلق انقسامات بين المجموعات المُمَثَّلَة في البرلمان الأوروبي...

بَرَّرَ دفاعُ المفوضيةِ الأوروبيةِ، أمام محكمة الاتحاد الأوروبي في لكسمبورغ، يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، رَفْضَ رئيسة المفوضية "أورسولا فون دير لاين" ( التي لم تكن حاضرة شخصِيًّا) نَشْرَ الرسائل النصية القصيرة المتبادلة بينها وألبرت بورلا، المدير التنفيذي لشركة فايزر، واعتبر هذه الرّسائل غير ذات أهمّيّة، بينما يتعلق الموضوع بالتّفاوض على أكبر العقود في تاريخ المؤسسة الأوروبية في خضم أزمة كوفيد-19، مما يُؤكّد غُموض عمل المفوضية الأوروبية وافتقارها إلى الشفافية، بينما كشفت صحيفة نيويورك تايمز وجودها منذ أكثر من ثلاث سنوات، ونشرت صحيفة أمريكان ديلي نصًا عن فحوى إحدى المقابلات بين رئيسة المفوضية والرئيس التنفيذي لشركة فايزر، خلال المفاوضات التي أسفرت عن شراء 4,6 مليارات جرعة من لقاحات كوفيد 19 بقيمة 71 مليار يورو، وفق تقرير محكمة مراجعي الحسابات الأوروبية نُشر يوم 12 أيلول/سبتمبر 2022، فيما ادّعى محامي رئيسة المفوضية الأوروبية إن أورسولا فون دير لاين لم تحتفظ بهاتفها القديم (الذي يحتوي على نصوص الرسائل القصيرة المُتبادَلَة مع الرئيس التنفيذي لشركة فايزر) ولا بالفواتير ولا بنسخة من الرسائل والمُكالمات

يجب انتظار عدّة أشْهُر قبل إعلان حكم محكمة الاتحاد الأوروبي الذي يمكن أن يشكل سابقة، قد تُجْبِرُ المؤسسات الأوروبية على التزام الشفافية وإمكانية اطِّلاع نواب البرلمان الأوروبي والصحافيين والجمهور على الوثائق التي تخص حياتهم وسَيْر مؤسسات الإتحاد الأوروبي، في إطار إصلاح شامل يُحَوّل هذه المؤسّسات إلى أُطُر ديمقراطية...

Address

Oued Meliz
8115

Telephone

+21696212497

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when جمعية تحقيق الكرامة و الحرية - فرع وادي مليز Adl Tunisie posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share