06/08/2026
في سوسيولوجيا التقديس الفني : حين يصبح الصراخ ديانة✍️
📌 الجسد قبل العقل
ما يحدث في حفلات من نوع "الشامي" ليس موسيقى. هو طقس. آلاف الأجساد تهتزّ معًا، تبكي معًا، ترفع الهواتف كأنّها شموع في كنيسة. دوركايم سمّى هذا "الطاقة الجماعية": الجماعة تُنتج مقدّسًا، وتحتاجه كي تشعر أنّها موجودة. قديمًا كان الوليّ الصالح. اليوم صار المغنّي. الآلية واحدة، تغيّر القناع.
📌 الوهم المبرمج
الفتاة التي سمعت مقطعًا 47 مرّة على تيك توك في أسبوعين لا تختار أن تحبّ. الخوارزمية قرّرت عنها. التكرار يصنع ألفة، والألفة تتنكّر في شكل عشق (Zajonc, 1968). ثمّ يأتي الحفل ليحوّل هذا الانفعال المُصطنع إلى تجربة جسدية تُثبّته نهائيًّا. هي لا تحبّ الشامي. تحبّ النسخة التي برمجوها على أن تحبّه.
هورتون ووهال سمّيا هذا "علاقة شبه اجتماعية": حبّ أحاديّ الاتجاه تجاه شخص لا يعرفك. الجديد أنّ إنستغرام وتيك توك جعلا الوهم يوميًّا، مُغذّى، شبه حقيقي.
📌 الأمّ في الحفل
هنا ما يستوقف. أن ترى أمًّا في الخمسين تصرخ وتبكي وتزاحم، ليس "سقوطًا". هو غالبًا:
- إذنٌ اجتماعي بالانفعال بعد سنوات من الصمت.
- محاولة يائسة لتقليص المسافة مع بنتها: تتبنّى معجمها، فنانها، عالمها.
- عدوى جماعية: "إذا كنّ كلّهنّ يبكين، فلستُ مجنونة."
ثمّ هناك ما هو أبعد. حادثة الأمّ التي حملت ابنتها إلى المطار، وقفت في الزحام، وقالت للفنان: "بنتي مريضة، قبّلها." لا أريد أن أتوقّف عند الحادثة كفضيحة. أريد أن أقرأها كعَرَض. أمّ مستعدّة لأن تُذلّ نفسها وابنتها في زحام مطار من أجل قبلة من رجل لا يعرفهما. هذا ليس حبًّا لفنّ. هذا فراغ. فراغ مؤسّساتي، عاطفي، رمزي. لا طبيب، لا مدرسة، لا خطاب يقول لتلك الأمّ إنّ ابنتها المريضة تستحقّ أكثر من قبلة مغنٍّ.
📌 الفرجة بدل المعنى
غي ديبور قالها سنة 1967: في مجتمع الفرجة، الصورة تحلّ محلّ الحياة. الفتاة التي تصرخ في الحفل لا تصرخ للفنان. تصرخ لنسخة من نفسها لا تشعر بوجودها إلّا داخل القطيع. باومان أضاف: في عالم سائل، حيث لا انتماء صلب، يصبح "الفاندوم" قبيلة بديلة.
في تونس تحديدًا: لا مشروع وطني يجمع، لا خطاب ثقافي يصل إلى الناس، لا فضاءات. يبقى الجسد، والموسيقى، والصراخ. الحفل يصير جلسة علاج جماعيّ غير مُعلنة.
📌 ضدّ الاحتقار
السهل أن نقول: "جمهور تافه يتبع فنانًا تافهًا." لكنّ هذا حكم كسول لا يفسّر شيئًا.
منقول عن لطفي السنوسي