25/09/2026
🔲 مخطط التنمية 2026–2030: من الطموح التنموي إلى اختبار قدرات الدولة
يُعدّ التخطيط التنموي إحدى الآليات الأساسية التي تعتمدها الدولة في تحويل رؤيتها الاقتصادية والاجتماعية إلى خيارات وسياسات وبرامج قابلة للتنفيذ. فهو لا يقتصر على تحديد الأهداف العامة، وإنما يشمل تشخيص الواقع، وتقدير الموارد والإمكانات، وترتيب الأولويات، واستشراف التحولات المستقبلية، ثم متابعة التنفيذ وقياس النتائج. ومن هذا المنظور، يمثل التخطيط أداة لتنسيق تدخلات الدولة وضمان قدر من الانسجام بين السياسات العمومية، كما يسمح بتوجيه الموارد المتاحة نحو الأولويات وفق حاجيات المجتمع وإمكاناته، مع مراعاة مقتضيات الاستدامة والعدالة الاجتماعية والمجالية.
وفي هذا السياق، برز خلال السنوات الأخيرة توجه نحو البحث عن نموذج أكثر ارتباطا بالإنتاجية والقيمة المضافة والابتكار، وأكثر قدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية والاستدامة، وتقدم بعض التجارب الدولية مثل كوريا الجنوبية وماليزيا أمثلة على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري والبحث والتطوير والبنية التحتية والتكنولوجيا، إلى جانب بناء بيئة مؤسساتية داعمة للاستثمار والابتكار والاندماج في سلاسل القيمة. ولا يعني استحضار هذه التجارب إمكانية نقلها بصورة مباشرة إلى تونس، وإنما يبرز أهمية وجود رؤية تنموية متماسكة تربط بين الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية وبين القدرة الفعلية على تنفيذها.
ومن هنا تبرز أهمية التخطيط التنموي باعتباره ليس مجرد وثيقة تتضمن أهدافا وبرامج، وإنما آلية لترجمة التصورات الاقتصادية والاجتماعية إلى أولويات عمومية وبرامج استثمارية قابلة للتنفيذ. وتزداد أهمية هذه الوظيفة في السياق التونسي بالنظر إلى محدودية الموارد وتعدد الحاجيات وتفاوتها بين المناطق، بما يجعل تحديد الأولويات وترتيبها وتخصيص الموارد لها جزءًا أساسيًا من صناعة القرار العمومي.
وفي هذا الإطار، يأتي مخطط التنمية 2026–2030 باعتباره الإطار الجديد للسياسات والخيارات التنموية للفترة المقبلة، وقد اكتسب مخطط التنمية 2026–2030 صفته القانونية النهائية بموجب القانون عدد 16 لسنة 2026 المؤرخ في 20 جويلية 2026 والمتعلق بالمصادقة على مخطط التنمية 2026–2030. وقد نصّ الفصل الوحيد من القانون على المصادقة على المخطط الملحق به، وذلك بعد مصادقة مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، ليصبح بذلك المخطط الإطار الرسمي للسياسات والبرامج التنموية للفترة 2026–2030.
يحيل مفهوم التنمية، في معناه المعاصر، إلى عملية تتجاوز النمو الاقتصادي الضيق لتشمل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والبيئية وتوسيع فرص الأفراد وقدراتهم. وقد تطور هذا المفهوم تاريخيًا من التركيز على التصنيع والنمو وتراكم رأس المال إلى مقاربة أكثر شمولًا تضع الإنسان في صلب العملية التنموية، وتأخذ بعين الاعتبار العدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية، وتكافؤ الفرص، ورأس المال البشري والابتكار. وفي هذا الإطار، يُقصد بالمنوال التنموي مجموع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية التي تحدد طريقة إنتاج الثروة وتوزيعها وتوجيه الاستثمار داخل المجتمع، بينما ترتبط الإنتاجية بقدرة الاقتصاد على تحقيق قيمة مضافة أكبر باستعمال الموارد بكفاءة أعلى، وتعني الاستدامة ضمان تلبية حاجيات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجياتها .
ارتبط تطور التخطيط التنموي تاريخيا بتنامي دور الدولة في قيادة التحول الاقتصادي والاجتماعي، قبل أن تتغير وظائفه بتغير النماذج الاقتصادية وتطور مفهوم التنمية. فبعد أن قام التخطيط في تجاربه الأولى على تدخل الدولة المباشر في توجيه الإنتاج والاستثمار، اتجه تدريجيا نحو مقاربات استراتيجية تركز على تحديد التوجهات والأهداف متوسطة وبعيدة المدى، مع ترك مساحة أوسع لمبادرة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. وأصبح التخطيط الحديث يقوم على الربط بين الرؤية والبرمجة وتعبئة الموارد والتنفيذ والتقييم، بما يجعل نجاحه مرتبطا بقدرة المؤسسات على تحويل الخيارات إلى سياسات ونتائج فعلية.
في تونس، تزامن ظهور التخطيط التنموي مع بناء الدولة الوطنية، حيث اعتمدت الدولة منذ الستينات المخططات التنموية لتحديد أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية وتوجيه الاستثمار العمومي، في إطار دور مركزي للدولة في تطوير القطاعات الإنتاجية والبنية الأساسية والخدمات العمومية. ومع تغير الخيارات الاقتصادية وبرامج الإصلاح الهيكلي منذ الثمانينات، تراجع نموذج التخطيط المركزي المباشر لصالح مقاربة أكثر استراتيجية، بالتوازي مع تنامي دور القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي والانفتاح على الاقتصاد العالمي، مع احتفاظ الدولة بوظيفة التوجيه ووضع الأطر العامة للتنمية.
وقد مكّن هذا المسار من تحقيق مكاسب مهمة، خاصة في التعليم والصحة والبنية الأساسية وتطوير القاعدة الصناعية، لكنه لم يمنع استمرار اختلالات هيكلية ومجالية، تمثلت في تفاوت فرص الاستثمار والتشغيل والنفاذ إلى الخدمات بين الجهات. وهو ما كشف حدود نموذج لم ينجح بصورة كافية في التوفيق بين متطلبات النمو الاقتصادي ومقتضيات العدالة الاجتماعية والمجالية. ومن ثم، لم يعد التحدي متعلقًا بوجود التخطيط فحسب، وإنما بقدرته على الاستجابة للخصوصيات الترابية وتحويل الأولويات الوطنية إلى نتائج ملموسة.
وتكشف تجربة المخطط الحادي عشر للتنمية 2007–2011، آخر مخطط قبل الثورة، عن فجوة بين طموح الأهداف والنتائج المحققة؛ فقد استهدف نموًا سنويًا بـ6.1% وخفض البطالة من 14.2% سنة 2006 إلى 13.4% سنة 2011، بينما بلغ النمو فعليًا نحو 3.4% في المتوسط خلال 2007–2011. ورغم تحقيق مكاسب في البنية الأساسية والخدمات والاستقرار الاقتصادي، ظلت البطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية من أبرز الاختلالات، وهو ما أبرز محدودية النموذج في تحويل النمو الاقتصادي إلى نتائج تنموية متوازنة.
وفي هذا السياق، يأتي مخطط التنمية 2026–2030 باعتباره محاولة لإعادة التفكير في طريقة بناء الأولويات التنموية، من خلال اعتماد المقاربة التصاعدية التي تنطلق من المستوى المحلي، ثم الجهوي والإقليمي، وصولا إلى المستوى الوطني. وقد أُسندت إلى المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم أدوار في تشخيص الحاجيات والتداول حول المشاريع وتجميع المقترحات وترتيبها، بما يفترض إدماج المستويات الترابية في مراحل مبكرة من صناعة الخيارات التنموية وربط السياسات العمومية بالحاجيات الفعلية للمجالات.
وتكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة لأنها تأتي في ظل إعادة تشكيل الإطار الدستوري والمؤسساتي للدولة بموجب دستور 2022 وما تبعه من إرساء مؤسسات وهياكل جديدة على المستويين الترابي والوطني. ويُعد المخطط أول مخطط تنموي يتم إعداده والمصادقة عليه ضمن هذه المنظومة المؤسساتية، بما يجعله اختبارا عمليا لمدى قدرة هذا البناء الجديد على التأثير في صناعة السياسات العمومية. وقد حددت نصوص دستورية وقانونية وترتيبية أدوار مختلف المستويات الترابية، بما يكشف أن المقاربة التصاعدية ليست مجرد تقنية لإعداد المخطط، وإنما جزء من ترتيب مؤسساتي جديد للأدوار التنموية.
غير أن هذا البناء القانوني لا يحسم وحده مدى انتقال القرار التنموي فعلا نحو المستويات الترابية، فإشراك المجالس في تشخيص الحاجيات واقتراح المشاريع لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على اختيارها وتمويلها وتنفيذها ومتابعتها. ومن هنا تبرز المسافة بين المشاركة في إعداد القرار والقدرة الفعلية على صناعته، خاصة في ما يتعلق بمعايير ترتيب الأولويات، وتعبئة الموارد، وتحديد المسؤوليات. ولذلك، يمثل مخطط التنمية 2026–2030 اختبارا لمدى قدرة المقاربة التصاعدية على الانتقال من التعبير عن الحاجيات إلى التأثير الفعلي في القرار التنموي وتحويل الأولويات إلى نتائج قابلة للقياس.
مثّلت الإصلاحات القانونية والمؤسساتية الأخيرة أساسا لمسار جديد في التنمية الترابية، يقوم على تعزيز دور المواطنين والمجالس المنتخبة في تحديد الحاجيات والأولويات. وفي هذا الإطار، أتاح القانون الأساسي عدد 4 لسنة 2025 للمجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم التداول في مشاريع مخططات التنمية والمساهمة في تحديد أولويات مجالاتها، كما أُحدث المجلس الوطني للجهات والأقاليم وأسند إليه الدستور دورا في المصادقة على مخططات التنمية وممارسة الرقابة على تنفيذها. ويقوم هذا البناء على تصور يجعل المشاركة المحلية وتدرج القرار من المستوى المحلي إلى الوطني جزءا من مسار إعداد السياسات التنموية بهدف تحقيق تنمية أكثر اندماجا وعدالة بين الجهات والأقاليم .
ينطلق مخطط التنمية 2026–2030 من سياسات تقوم على العدالة الاجتماعية والمجالية، وتكافؤ الفرص، ودعم القدرة الاقتصادية وحماية الموارد والبيئة. وقد أُعدت هذه السياسات وفق المقاربة التصاعدية، بالاستناد إلى تشخيص الجهات والأقاليم ومقترحات المجالس المنتخبة، مع مراعاة الاستراتيجيات الوطنية والقطاعية، بهدف الربط بين الحاجيات الميدانية والأولويات الوطنية. ويستهدف المخطط تحقيق أثر ملموس عبر تحسين الخدمات، وخلق فرص الشغل، وتعزيز التمكين الاقتصادي، وتنمية رأس المال البشري، إلى جانب تطوير الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والتكوين والسكن والخدمات الأساسية.
لا يقتصر مسار مخطط التنمية 2026–2030 على إعداده والمصادقة عليه، بل يطرح أساسًا مدى قدرة المقاربة التصاعدية على التأثير الفعلي في القرار التنموي. فمشاركة المستويات المحلية والجهوية في تشخيص الحاجيات واقتراح المشاريع لا تعني بالضرورة امتلاكها سلطة ترتيبها واختيارها وتمويلها وتنفيذها. لذلك، يكمن الاختبار الحقيقي في قدرة المخطط على تحويل الأولويات إلى مشاريع قابلة للإنجاز ونتائج ملموسة، بما يجعل الانتقال من الحاجيات إلى القرار، ومن القرار إلى المشروع، ثم إلى النتائج، معيارًا أساسيًا لقياس فعالية هذا التحول.
وعليه، يطرح ذلك الإشكالية التالية: إلى أي مدى ينجح مخطط التنمية 2026–2030، القائم على المقاربة التصاعدية، في تحويل الحاجيات المحلية إلى قرارات ومشاريع تنموية قابلة للتنفيذ وتحقيق نتائج فعلية؟
⚫️ من التخطيط التصاعدي إلى إعادة بناء الأولويات التنموي:
يمثل مخطط التنمية 2026–2030، في الخطاب الرسمي، محاولة لإعادة النظر في الطريقة التي تُصاغ بها السياسات التنموية في تونس، ليس فقط من حيث مضمونها، وإنما أيضا من حيث مسار إعدادها. فقد اختارت السلطة هذه المرة اعتماد المنهج التصاعدي في إعداد المخطط . وفي هذا السياق، أُسندت للمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم أدوار أساسية في تحديد الأولويات واقتراح المشاريع التنموية. ويقوم المسار، من الناحية النظرية، على بناء قاعدة القرار التنموي من الأسفل إلى الأعلى: تُشخّص الحاجيات على المستوى المحلي، ثم تُجمع وتُرتب على المستوى الجهوي، قبل أن تُؤلّف على مستوى الأقاليم وتُدمج في النهاية ضمن التصور الوطني للمخطط، مع الحفاظ على مبدأ وحدة الدولة.
وتكشف الأرقام التي رافقت مرحلة الإعداد عن حجم هذا المسار التشاركي. فقد تم تنظيم خمسة ملتقيات إقليمية، وعقد 3317 جلسة عمل على مستوى 279 مجلسا محليا، و154 جلسة على مستوى 24 مجلسا جهويا، و12 جلسة على مستوى خمسة مجالس أقاليم، انتهت إلى اقتراح 35435 مشروعا من قبل المجالس المحلية، استأثرت المشاريع ذات الصبغة المحلية بـ90.6% منها. كما أعلنت الحكومة استكمال صياغة التقارير المتعلقة بالمشاريع المقترحة من المجالس المحلية بنسبة 100% .
ولا تكتسب هذه الأرقام أهميتها من حجم المشاركة في حد ذاته، وإنما من كونها تكشف عن الرهان المركزي للمخطط الجديد: تحويل الحاجيات المحلية إلى أولويات تنموية وطنية. فالمسألة لا تتوقف عند جمع المطالب والمشاريع الصادرة عن الجهات، وإنما تبدأ فعليا عند محاولة ترتيبها واختيار ما يمكن إدراجه في المخطط، ثم تحويله إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ والمتابعة. ولذلك فإن نجاح المنهج التصاعدي لا يقاس فقط بعدد الاجتماعات أو المقترحات التي تم تجميعها، بل بمدى قدرة هذا المسار على التأثير في القرار التنموي الفعلي.
ويظهر هذا التحدي بوضوح في توصيات المجلس الوزاري الذي انعقد في 9 جويلية 2025، حين أوصى بأن تُبنى الميزانية الاقتصادية ومشروع قانون المالية لسنة 2026 على مقترحات مخططات التنمية المحلية والجهوية والإقليمية مع مراعاة جاهزية المشاريع، وقابليتها للتنفيذ، وتوفر الاعتمادات، والتوازن الجهوي والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا، فإن المقاربة التصاعدية لا تمثل مجرد تقنية جديدة لإعداد مخطط خماسي، بل تطرح سؤالا حول مدى قدرتها على إعادة بناء سلسلة صنع القرار التنموي نفسها: من تشخيص الحاجيات، إلى تحديد الأولويات، إلى الاختيار، فالتمويل والتنفيذ والتقييم. فالمشكلة ليست فقط في معرفة ما تحتاجه الجهات، وإنما في معرفة كيف تتحول هذه الحاجيات إلى قرارات، ثم إلى موارد، ثم إلى مشاريع، ثم إلى نتائج قابلة للقياس والمساءلة .
غير أن اعتماد هذه المنهجية على المستوى النظري لم يمنع بروز عدد من الإشكاليات العملية منذ المراحل الأولى لإعداد المخطط، حدّت من قدرة المجالس المحلية والجهوية على إنتاج تصورات تنموية متكاملة والتأثير الفعلي في صياغة الخيارات. وكان ضيق الآجال من أبرز هذه الإشكاليات، إذ مُنحت المجالس المحلية فترة زمنية محدودة، في حدود شهرين، لإعداد تصوراتها التنموية، وهي مدة يصعب معها إجراء تشخيص معمّق للحاجيات، وجمع المعطيات الضرورية، أو تنظيم مسار تشاركي واسع مع السكان والفاعلين المحليين، فضلًا عن تحويل المطالب المحلية المتعددة إلى مشاريع واقعية قابلة للإنجاز.
ويطرح مسار إعداد مخطط التنمية 2026–2030 أيضًا مسألة ضعف الحضور الإعلامي والنقاش العمومي في مرحلة صياغته. فبالرغم من اتساع المشاركة المحلية وكثافة الاجتماعات والمقترحات، ظل النقاش حول الخيارات التنموية وآليات ترتيبها أقل حضورا في المجال الإعلامي والعمومي، مقارنة بالخطاب الرسمي حول المنهج التصاعدي. وتكمن أهمية ذلك في أن التشاركية لا تقتصر على إشراك المجالس المنتخبة، بل تفترض أيضا إتاحة المعلومات وفتح نقاش عمومي حول الخيارات والأولويات، بما يسمح للإعلام والمجتمع المدني والخبراء بمتابعة كيفية الانتقال من الحاجيات والمقترحات إلى السياسات والمشاريع. ويكتسب هذا البعد أهمية أكبر في مخطط يمتد لخمس سنوات ويحدد توزيعا واسعا للموارد العمومية.
وبذلك، تبرز منذ مرحلة إعداد المخطط مفارقة أساسية: فاعتماد التخطيط التصاعدي يفترض أن تكون المستويات المحلية والجهوية قادرة ليس فقط على التعبير عن حاجياتها، وإنما أيضًا على تشخيصها وترتيبها وصياغتها في شكل أولويات ومشاريع قابلة للإدماج في الخيارات الوطنية. ومن هنا، لا يعود السؤال متعلقًا بمجرد حجم المشاركة أو عدد المقترحات التي تم تجميعها، بل بمدى قدرة هذا المسار على التأثير الفعلي في القرار التنموي.
على المستوى الاقتصادي، يستهدف المخطط تحقيق نمو سنوي متوسط في حدود 4.2% خلال الفترة 2026-2030، مع بلوغ 5.1% سنة 2030، بما يُفترض أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 270.5 مليار دينار ويحسّن نصيب الفرد من الناتج، في أفق الارتقاء بتونس إلى فئة البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى .
وفي هذا السياق، تراهن الخطة على تطوير الصادرات لتبلغ نحو 25 مليار دولار، ورفع نسبة الاستثمار إلى حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تعزيز تعبئة الادخار الوطني عبر الرفع من رسملة السوق المالية إلى حدود 30%.
وتترجم هذه التوجهات في عدد من المشاريع الكبرى التي تعكس اختيارات الدولة بشأن توزيع الاستثمار وإعادة تنظيم المجال الترابي والقطاعات ذات الأولوية. ويسعى المخطط من خلالها إلى الجمع بين تطوير البنية التحتية، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتحسين اندماج الاقتصاد التونسي في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية .
أفضت المخططات المحلية والجهوية والإقليمية، المعدّة وفق المنهج التصاعدي، إلى تحديد أولويات تنموية تراعي الرهانات الوطنية والخصوصيات الترابية.
فعلى المستوى المحلي، تتركز الأولويات على تحسين ظروف العيش، وتوفير فرص العمل، وتطوير البنية التحتية والمرافق العمومية، وعلى المستوى الجهوي ينصب الاهتمام على تحسين أداء الاقتصاد المحلي والجهوي، وتعزيز جاذبية الجهات وتثمين مزاياها، وحسن استغلال الموارد الطبيعية وحماية البيئة. أما على المستوى الإقليمي، فتتجه الأولويات نحو تعزيز الترابط والتكامل بين الجهات، وتطوير شبكات النقل والبنية التحتية التكنولوجية والصناعية، واستقطاب المشاريع الكبرى، بما يدعم التنمية الشاملة والتضامن والتكامل الجهوي في إطار وحدة الدولة.
أما على المستوى الإقليمي، يحدد المخطط لكل إقليم أولويات تنموية تستند إلى خصوصياته وإمكاناته، مع التركيز المشترك على تنظيم المجال، وتثمين الموارد الطبيعية والبشرية، ودفع الاستثمار، وتعزيز التكامل بين الجهات.
يتجه مخطط التنمية 2026–2030 إلى بناء مجالات ترابية قادرة على إدارة شأنها التنموي، من خلال تعزيز أدوار الجماعات المحلية والجهوية والإقليمية، وتوفير الموارد والقدرات اللازمة لها، مع دعم اللامركزية وتوضيح الصلاحيات وتطوير الإدارة الرقمية وآليات المتابعة والتقييم. كما يعتمد اختيار المشاريع على ترتيب الأولويات وفق الحاجيات والأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وقابلية الإنجاز، وليس على مجرد تجميع المقترحات المحلية.
ويولي المخطط أهمية للعدالة الاجتماعية ورأس المال البشري عبر تحسين الخدمات الأساسية، خاصة الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والسكن والنقل، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية. كما يركز على تطوير التعليم والتكوين والمهارات الرقمية والبحث والابتكار، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، مع دعم الإدماج الاقتصادي للشباب والنساء والمبادرة الخاصة.
وفي مواجهة التحديات البيئية والمناخية، يسعى المخطط إلى بناء مجالات ترابية صامدة من خلال حماية الموارد الطبيعية والتكيف مع الشح المائي، وتنويع مصادر المياه وتحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة، إلى جانب حماية الغابات والأراضي الفلاحية والسواحل، ومقاومة التصحر والتلوث والفيضانات.
أما على المستوى الاقتصادي، فيهدف إلى بناء مجالات ترابية دافعة للحركية الاقتصادية عبر تثمين الموارد والميزات التفاضلية لكل جهة وإقليم، وتنويع الأنشطة ذات القيمة المضافة، ودعم الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري والرقمي والسياحة البديلة، وتطوير سلاسل القيمة المحلية والجهوية. كما يراهن على تحسين البنية التحتية واللوجستية، وتطوير المناطق الصناعية والتكنولوجية، وتبسيط إجراءات الاستثمار وتوجيهه نحو المناطق الأقل تنمية.
لمعالجة التفاوتات المجالية، يراهن المخطط على تعزيز التكامل بين الجهات والأقاليم من خلال تطوير النقل واللوجستيك والسكك الحديدية والبنية الرقمية، ودعم قدرات المجالس الترابية وآليات التضامن والتمويل لفائدة المناطق الأقل تنمية، إلى جانب تحسين التهيئة الترابية والتصرف في العقار الدولي وتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع ذات الأولوية. وتقوم وثيقة التنمية المجالية على تشخيص الخصائص والإمكانات والإشكاليات الخاصة بكل إقليم، ثم تحديد أهدافه وأولوياته وربطها ببرامج الاستثمار. ويطرح ذلك سؤال مدى قدرة هذه الاستثمارات على تجاوز مجرد توزيع المشاريع وتحقيق نشاط اقتصادي وفرص عمل وقيمة مضافة محلية.
تكشف معطيات الأقاليم الخمسة عن أولوية واضحة للمشاريع المحلية من حيث العدد، التي تراوحت حصتها بين نحو 72% و79% في الأقاليم التي تتوفر بشأنها المعطيات، مقابل وزن أكبر للمشاريع الجهوية والوطنية في حجم الاستثمارات، إذ تراوحت حصة المشاريع الجهوية من الاستثمارات بين 35% و40%، بينما بلغت حصة المشاريع الوطنية 21% إلى 43% بحسب الإقليم. ويبرز ذلك أن كثرة المشاريع المحلية لا تعني بالضرورة حصولها على النصيب الأكبر من الموارد، بما يجعل ترتيب الأولويات وتوجيه الاستثمار معيارا أساسيا لقياس مدى ترجمة المقاربة التصاعدية إلى تنمية فعلية .
على مستوى السياسات التنموية، يسعى مخطط التنمية 2026–2030 إلى بناء نموذج أكثر عدالة وشمولًا وقدرة على خلق الثروة وتعزيز السيادة الوطنية. اجتماعيًا، يركز على تحسين الخدمات الأساسية في التربية والصحة والتكوين والتعليم العالي والحماية الاجتماعية والسكن، مع جعل التشغيل ومكافحة البطالة وإدماج الشباب من الأولويات، ودعم المبادرات الجماعية، خاصة الشركات الأهلية، كآلية للتنمية المحلية.
واقتصاديا، يراهن المخطط على تنويع النسيج الاقتصادي وتعزيز الاستثمار والتنافسية، من خلال تطوير البنية التحتية والمناطق الصناعية، وتوجيه الاستثمار نحو الجهات الداخلية، ودعم المؤسسات المولدة للقيمة وفرص العمل، وتطوير الصادرات وتحسين مناخ الاستثمار. ويتكامل ذلك مع سياسات التهيئة الترابية والعمرانية، والتحول الرقمي والسيادة الرقمية، وإصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية عبر الرقمنة وإعادة الهيكلة وتحسين الحوكمة. وبذلك، يفترض أن تشكل هذه السياسات منظومة مترابطة تحول التوجهات الاستراتيجية إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ.
غير أن حجم الاستثمارات المبرمجة لا يمثل في حد ذاته دليلا على تحقق الأهداف، إذ تظل الفجوة بين البرمجة والتنفيذ أحد أبرز التحديات التي عرفتها المخططات السابقة، بسبب صعوبات التمويل، وتعقيد الإجراءات، والعوائق العقارية والفنية، وضعف التنسيق والحوكمة. ومن ثم، فإن الاختبار الفعلي للمخطط لا يكمن في حجم المشاريع والاعتمادات المعلنة، وإنما في قدرته على تحويلها إلى مشاريع منجزة ونتائج قابلة للقياس وأثر تنموي ملموس.
ويكشف تحليل نسب إنجاز المشاريع السابقة عن هذه الفجوة بوضوح، فالتفاوت لا يظهر فقط بين الجهات، بل أيضا بين طبيعة المشاريع والفاعلين فيها. ففي الإقليم الرابع، مثلا، لم تتجاوز نسبة تنفيذ المشاريع الاستثمارية 46%، وهي نسبة تخفي تفاوتا كبيرا بين ديناميكية القطاع الخاص، الذي بلغت نسبة إنجاز مشاريعه 61%، والمشاريع العمومية التي لم تتجاوز نسبة تنفيذها 35%، في حين يتركز جزء كبير من الاستثمار الخاص المنجز في ولاية صفاقس وحدها بنسبة تناهز 54%. كما يبرز المثال داخل الإقليم الثالث، حيث بلغت نسبة الإنجاز الإجمالية 70%، لكنها تخفي فروقًا حادة بين ولاية سوسة التي سجلت 91%، وولاية القصرين التي لم تتجاوز فيها نسبة الإنجاز 43% .
كما يولي مخطط التنمية 2026–2030 أهمية للشركات الأهلية باعتبارها آلية للتنمية المحلية وخلق فرص العمل وتثمين الموارد. ويستهدف إحداث 800 شركة أهلية في أفق 2030 وقرابة 3000 موطن شغل، مع بلوغ 80% من الشركات مرحلة النشاط الفعلي، مدعوما بإحداث سجل وطني ومنصة «رافقني»، وتطوير التسويق الإلكتروني، وتوفير العقارات والتمويل والحوافز والضمانات.
غير أن هذه الأهداف تطرح سؤال الاستدامة الاقتصادية، إذ يعادل بلوغ 800 شركة و3000 موطن شغل معدلا حسابيا يقارب 4 مواطن شغل لكل شركة. لذلك، لا يقاس نجاح هذا النموذج بعدد الشركات أو حجم الدعم العمومي فقط، وإنما بقدرته على الاستمرار والإنتاج والمنافسة وخلق قيمة مضافة مستقرة والاندماج في الأسواق دون الارتهان الدائم للدعم العمومي.
وقد أثار هذا التوجه بالفعل انتقادات من جانب بعض المتابعين لمسار البناء القاعدي من قبيل أن الاهتمام السياسي بهذا النموذج قد يعكس رغبة في إنجاح مشروع يعتبر محل نقاش من حيث جدواه الاقتصادية. ويضع هذا النقد الشركات الأهلية أمام اختبار مزدوج: مدى قدرتها الفعلية على تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي يحمّلها إياها المخطط، ومدى نجاحها في الانتقال من خيار سياسي إلى نموذج اقتصادي مستدام .
ويطرح تمويل مخطط التنمية 2026–2030 تحديا يتعلق بمدى قدرة الدولة على تحويل الاستثمارات المبرمجة إلى مشاريع منجزة وذات أثر فعلي، خاصة في ظل محدودية الموارد والصعوبات المالية والتنفيذية. لذلك، لا تكمن المسألة في حجم الاعتمادات المعلنة بقدر ما تتعلق بقدرة الدولة على ضمان الانتقال من تعبئة الموارد إلى التنفيذ ثم المتابعة وقياس النتائج .
ويكشف ذلك عن مفارقة أساسية، فالمخطط، رغم تقديمه باعتباره ثمرة لمسار تصاعدي قائم على الحاجيات المحلية، لم يصاحبه بالقدر نفسه مسار تواصلي يتيح تتبع كيفية انتقال هذه الحاجيات إلى أولويات ومشاريع وطنية. فالتشاركية لا تقاس بعدد الجلسات والمقترحات فقط، بل أيضا بمدى معرفة ما تم اعتماده أو استبعاده ومعايير ذلك، وهو ما يجعل الحق في المعلومة جزءا من التشاركية وشرطًا لمشاركة المواطن والمجتمع المدني والإعلام في الرقابة والتقييم.
وتتأكد أهمية ذلك بعد المصادقة على المخطط، مع اعتماد الحكومة آليات للمتابعة والتقييم، تشمل تقريرا سنويا وتقييما نصف مرحليا. ومن ثم، يمتد اختبار التشاركية إلى مرحلة التنفيذ، من خلال إتاحة المعلومات حول التمويل ونسب الإنجاز والنتائج، بما يسمح بمقارنة ما أُعلن بما تحقق فعليا، والانتقال من المشاركة في تحديد الأولويات إلى مراقبة تنفيذ القرار وتقييم أثره.
يكشف إعداد مخطط التنمية 2026–2030 عن تحول مهم نحو إدماج المستويات المحلية والجهوية والإقليمية في بناء الأولويات، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انتقال صناعة القرار التنموي إليها، ما دامت المسافة قائمة بين اقتراح الحاجيات والمشاريع وبين اختيارها وتمويلها وتنفيذها. لذلك، لا يُقاس تجاوز التخطيط المركزي بمرحلة الإعداد فقط، بل بمدى القدرة على تحويل الأولويات إلى مشاريع قابلة للإنجاز والقياس، وفق معايير واضحة للاختيار والتمويل والتنفيذ والتقييم والمساءلة.
⚫️ من الأولويات إلى الأثر: اختبار قدرة الدولة على تنفيذ النموذج التنموي الجديد:
يمثل الانتقال من الطموح التنموي إلى القدرة على التنفيذ أحد أبرز اختبارات مخطط التنمية 2026–2030، في ظل ضرورة التوفيق بين رفع النمو والحفاظ على الاستدامة المالية. ويستهدف المخطط خفض عجز الميزانية إلى حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي، والتحكم في الدين العمومي في حدود 80% بحلول 2030، بما يحد من هامش التدخل العمومي ويزيد من أهمية الاستثمار الخاص والصادرات، لذلك لا يرتبط نجاح المخطط بحجم أهدافه فقط، وإنما بقدرة الدولة على ترتيب الأولويات، وتعبئة الموارد، وتنفيذ المشاريع وقياس أثرها.
ومن هذه الزاوية، يصبح تنفيذ المخطط اختبارا فعليا لمدى قدرة النموذج التنموي الجديد على الانتقال من تحديد الحاجيات والأولويات إلى تحقيق نتائج تنموية ملموسة .
يضع مخطط التنمية 2026–2030 السيادة الطاقية والبيئية ضمن أولوياته، عبر التوسع في الطاقات المتجددة وتحسين إدارة الماء والموارد الطبيعية والفلاحة والنفايات. غير أن تحقيق هذه الأهداف يطرح مفارقة أساسية: كيف يمكن تقليص التبعية في الطاقة والماء والغذاء مع الاعتماد جزئيًا على التمويل والتكنولوجيا والشراكات الخارجية؟
ويبرز ذلك في مشروع ELMED للربط الكهربائي مع إيطاليا، وفي نماذج الاستثمار في الطاقات المتجددة، التي تثير تساؤلات حول الالتزامات المالية للدولة، وتوزيع المخاطر والعائدات، ومدى خلق قيمة مضافة محلية. وينطبق الأمر كذلك على تحلية المياه وإعادة استعمالها وتطوير الفلاحة والتصرف في النفايات، وهي مشاريع تتطلب استثمارات وقدرات تقنية ومؤسساتية كبيرة. لذلك، لا تُقاس السيادة بمجرد إطلاق المشاريع، بل بقدرة الدولة على تقليص التبعية، وبناء قدرات وطنية، ومعالجة جذور الاختلالات، فتحلية المياه مثلا لا تعالج وحدها مشكلة الطلب وأنماط الاستهلاك، كما أن معالجة التلوث لا تجيب عن مستقبل الأنشطة الملوثة داخل النموذج التنموي.
يطرح هدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 35% في أفق 2030 تحديا يتجاوز زيادة قدرات الإنتاج، ليشمل جاهزية الشبكة الكهربائية، والبنية التحتية، وقدرة الشركة التونسية للكهرباء والغاز على الاستثمار والصيانة، وآليات التمويل. لذلك، لا يقتصر الانتقال الطاقي على استبدال مصادر الطاقة، بل يرتبط بقدرة الدولة على ضمان استمرارية التزويد وتمويل البنية الأساسية وتحويل الانتقال الطاقي إلى سيادة فعلية .
تكتسب مسألة الطاقة أهمية خاصة في ضوء اضطرابات الكهرباء خلال صيف 2026، التي أعادت طرح هشاشة التوازن بين الطلب والقدرة على الإنتاج والتوزيع. لذلك، يمثل أمن التزويد اختبارا عمليًا لقدرة المخطط على تحويل هدف السيادة الطاقية إلى منظومة قادرة على ضمان الاستمرارية، بعيدا عن إشكالات التمويل والبنية التحتية والحوكمة.
تكشف المناقشات البرلمانية والبيانات المتعلقة بمخطط التنمية 2026–2030 عن فجوة بين اتساع المشاركة في تحديد الحاجيات والقدرة الفعلية على تحويلها إلى قرارات واستثمارات. فالمجالس الترابية تشارك في اقتراح المشاريع وترتيب الحاجيات، لكن القرار النهائي بشأن الأولويات والتمويل والتنفيذ يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالمستوى الوطني، وهو ما يطرح حدود المقاربة التصاعدية في الانتقال من جمع المطالب إلى صناعة القرار. وتتضح هذه الإشكالية مع ضخامة محفظة المخطط، التي تناهز 21 ألف مشروع وبرنامج بكلفة تقارب 101.8 مليار دينار، في وقت تظل فيه قطاعات أساسية كالماء والكهرباء والنقل تواجه تحديات في استمرارية الخدمات. لذلك، لا تقاس نجاعة المقاربة بعدد المشاريع أو حجم الاستثمارات، وإنما بقدرتها على ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد نحو المناطق والقطاعات الأكثر حاجة، ثم تحويل المشاريع إلى نتائج ملموسة قابلة للقياس والمساءلة. ومن هنا ينتقل الاختبار الحقيقي للمخطط من مرحلة المشاركة والتخطيط إلى قدرته على التأثير في القرار ثم ضمان التنفيذ وتحقيق الأثر التنموي .
وعليه، فإن السؤال المركزي بعد المصادقة لم يعد: هل شاركت الجهات في إعداد المخطط؟ وإنما: ماذا يحدث بعد المشاركة؟ كيف يتم الاختيار بين آلاف المقترحات؟ وما المعايير التي تحدد المشاريع التي تحصل على التمويل؟ وكيف تتم الموازنة بين العدالة المجالية والمردودية الاقتصادية والمصلحة الوطنية؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تتحول المشاريع المبرمجة إلى إنجازات فعلية؟
بهذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي للمقاربة التصاعدية لا يكمن في قدرتها على إنتاج عدد كبير من المقترحات، وإنما في قدرتها على بناء سلسلة متماسكة تمتد من التشخيص المحلي إلى تحديد الأولويات، ومن الأولويات إلى القرار والتمويل، ومن التمويل إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى النتائج والمساءلة. فإذا توقفت المشاركة عند مرحلة التعبير عن الحاجيات، بقيت القطيعة مع نموذج التخطيط المركزي جزئية، أما إذا استطاعت هذه الحاجيات أن تؤثر بصورة قابلة للتتبع في توزيع الموارد والقرارات ونتائج التنمية، فإن المقاربة التصاعدية تكون قد تجاوزت مجرد إعادة ترتيب الأولويات إلى تغيير فعلي في صناعة القرار التنموي .
لا تنتهي المشاركة بالمصادقة على مخطط التنمية، بل تمتد إلى متابعة التنفيذ والرقابة على مآل الأولويات المحلية. وقد نص المخطط على متابعة دورية من خلال تقرير سنوي وتقييم نصف مرحلي، إلى جانب الدور الرقابي لمجلس نواب الشعب. غير أن فعالية هذه الآليات تطرح تساؤلات حول من يتولى إعداد التقييم، وكيف تُحدد تركيبته وصلاحياته، وما مدى استقلاليته في تقييم أداء الجهات المنفذة، وآليات نشر نتائجه ومتابعة التوصيات. وفي هذا السياق، يمكن للمجتمع المدني أن يضطلع بدور مكمل للرقابة المؤسساتية، من خلال متابعة تنفيذ المشاريع، وتحليل المعطيات والاعتمادات، ورصد الفوارق بين ما هو مبرمج وما يُنجز فعليا، والمساهمة في نقل ملاحظات المواطنين إلى الفاعلين العموميين.
وبذلك، تصبح الرقابة أكثر فاعلية عندما تتكامل المتابعة المؤسساتية مع الرقابة البرلمانية والمجتمعية، وتتحول نتائج التقييم إلى معلومات متاحة وقرارات تصحيحية قابلة للمساءلة.
وتتوقف فعالية هذه الآليات على إتاحة معلومات منتظمة حول المشاريع وتمويلها ونسب إنجازها وأسباب تعطلها ونتائجها. لذلك، لا تُقاس التشاركية بالمساهمة في إعداد المخطط فقط، وإنما أيضًا بقدرة الفاعلين المحليين والمواطنين على متابعة ما تم تنفيذه ومساءلة المسؤولين عنه، بما يجعل المتابعة والتقييم امتدادًا فعليًا للمشاركة.
لا يمكن تقييم قابلية تنفيذ مخطط التنمية 2026–2030 بمعزل عن المتغيرات الدولية والداخلية خلال فترة تنفيذه، من تقلب أسعار الطاقة والغذاء وظروف التمويل الخارجي إلى تغير الحكومات والمسؤولين والسياسات العمومية، وهي عوامل قد تفرض إعادة توجيه الموارد والأولويات. لذلك، يتطلب المخطط توازنًا بين استمرارية الخيارات الأساسية والمرونة في التكيف مع المتغيرات، مع اعتماد المتابعة والتقييم لتفسير الانحرافات عن الأهداف وتمييز التعديلات الضرورية عن تغير السياسات.
ولا يتوقف تقييم المخطط عند تمويل المشاريع وإنجازها، بل يمتد إلى قياس نتائجها وأثرها الفعلي. فعدد المشاريع ونسب إنجازها لا يكفيان، ما لم ينعكسا على تحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وتنشيط الاقتصاد وتحسين ظروف العيش. ويتطلب ذلك مؤشرات واضحة، ومتابعة سنوية وتقييما مرحليا، إلى جانب شفافية المعلومات حول التمويل والإنجاز والنتائج وتمكين البرلمان والمجالس والمجتمع المدني والرأي العام من متابعتها. كما تظل فعالية التقييم مرتبطة بوجود آليات لتحديد أسباب التعثر والمسؤوليات وتصحيح المسار، إذ لا تقاس المتابعة بإنتاج التقارير، وإنما بقدرتها على تحويل المعلومات إلى قرارات تصحيحية ومساءلة فعلية.
يكشف تحليل مخطط التنمية 2026–2030 أن تونس لا تواجه مجرد حاجة إلى مخطط جديد، وإنما إلى إعادة بناء طريقة صنع القرار التنموي. فالتخطيط الاقتصادي، رغم تطوره منذ الاستقلال وانتقال النموذج تدريجيا نحو مزيد من الانفتاح، لم ينجح في تجاوز الاختلالات الهيكلية والتفاوتات الاجتماعية والمجالية. ويأتي المخطط الجديد في هذا السياق، مقدمًا المقاربة التصاعدية باعتبارها تحولا في طريقة بناء الأولويات، من خلال الانتقال من المستوى المحلي إلى الجهوي ثم الإقليمي وصولًا إلى المستوى الوطني.
غير أن قيمة هذا التحول لا تقاس بمجرد مشاركة المستويات الترابية في تشخيص الحاجيات واقتراح المشاريع، وإنما بمدى تأثيرها الفعلي في ترتيب الأولويات وتمويلها وتنفيذها. فالمسافة بين المشاركة والقرار تظل قائمة ما لم تتحول المقترحات المحلية إلى مشاريع ممولة وقابلة للإنجاز، وفق معايير واضحة تراعي العدالة المجالية والجدوى الاقتصادية وجاهزية التنفيذ.
ومن ثم، يبدأ الاختبار الحقيقي للمخطط بعد المصادقة عليه: ماذا حدث للمقترحات التي تم تقديمها؟ ما المشاريع التي حصلت على التمويل؟ وما النتائج التي تحققت فعلا؟ لذلك، لا يكفي قياس عدد المشاريع ونسب إنجازها، بل يجب تقييم أثرها على الخدمات وفرص العمل والنشاط الاقتصادي وظروف العيش، مع ضمان الشفافية والمساءلة وتصحيح المسار عند التعثر.
وبذلك، يمثل مخطط التنمية 2026–2030 اختبارا مزدوجًا: للمقاربة التصاعدية في قدرتها على التأثير في صناعة القرار، وللدولة في قدرتها على تحويل الأولويات إلى سياسات ومشاريع ونتائج قابلة للقياس. فإذا تحققت هذه السلسلة، يمكن أن يمثل المخطط تحولا فعليا في صناعة القرار التنموي، أما إذا توقفت المقاربة عند جمع الحاجيات والمقترحات، فسيظل التحول قائما أساسا على مستوى منهجية التخطيط لا مضمون القرار التنموي.
🖋 عمل لمروى الفهري
جمعية القيادات الشابة بتونس