18/01/2026
أوّل ثورة شعبيّة في تونس بعد الاستقلال
أحداث “الله أكبر ما يمشيش” 17 جانفي 1961
بدأت ملامح هذه الأحداث في شهر رمضان سنة 1960، عندما صرّح رئيس الجمهورية آنذاك، الحبيب بورقيبة، متسائلًا:
كيف يُرخَّص للمسافر في سيارته المرفّهة بالإفطار، ولا يُرخَّص للعامل الذي يكابد مشقّة العمل؟
وعلى إثر هذا التصريح، أُوعز إلى مفتي الديار التونسية الشيخ محمد عبد العزيز جعيّط بإصدار فتوى تُجيز للعمّال الإفطار في شهر رمضان.
غير أنّ المفتي رفض إصدار هذه الفتوى، وسانده في موقفه عميد الجامعة الزيتونية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي قال كلمته الشهيرة:
«صدق الله وكذب بورقيبة».
وبسبب هذا الموقف، تمّ عزل الشيخ محمد عبد العزيز جعيّط من منصبه كمفتي للديار التونسية.
لم تكن مشيخة القيروان بعيدة عن هذا الصراع، إذ اتّخذ الشيخ عبد الرحمان خليف، الإمام الخطيب لجامع عقبة بن نافع، موقفًا صلبًا وشجاعًا، فتناول الموضوع صراحة في خطب الجمعة.
كما دوّن موقفه الفقهي في الطبعة الثانية من كتاب «من مسائل الصيام»، الذي شاركه فيه الشيخ الأمجد قدية، وذهب فيه إلى أنّ من أفطر متعمّدًا لا تُقام عليه صلاة الجنازة.
منذ ذلك الحين، دخلت علاقة الشيخ خليف بالسلطة في مرحلة توتّر واضح.
وتفاقم الوضع عندما قدمت شركة إيطالية لتصوير فيلم «لصّ بغداد» بالقيروان، ومنحهم الوالي عمر شاشية ترخيصًا لتصوير مشاهد داخل جامع عقبة بن نافع.
وقد أثارت تصرّفات فريق التصوير استياء الشيخ عبد الرحمان خليف وأهالي المدينة، حيث قاموا بـ:
دخول الجامع بلباس غير لائق
شرب الخمر
إدخال الدواب إلى داخل المسجد
فلم يتردّد الشيخ خليف في طرد فريق التصوير ومنعهم من دخول الجامع.
هذا الموقف لم يَرُق للسلطة، فتمّ:
عزل الشيخ عبد الرحمان خليف من إمامة جامع عقبة
نقله قسرًا إلى الحامّة – قابس للتدريس
17 جانفي 1961: انفجار الغضب
لم يتقبّل أهالي القيروان هذا القرار، فخرجوا يوم 17 جانفي 1961 في مسيرة شعبية حاشدة، مردّدين الشعار الذي دخل التاريخ:
«الله أكبر… ما يمشيش!»
وقام المتظاهرون باقتحام مقرّ الولاية، ممّا اضطرّ الوالي عمر شاشية إلى الفرار متنكّرًا في “سفساري”.
وأسفرت هذه الأحداث عن:
استشهاد خمسة أشخاص
اعتقال المئات من أهالي القيروان
وكان من بين المعتقلين:
الشيخ عبد الرحمان خليف
الشيخ محمد شويشة
الشيخ عبدالرزاق الخشين
المرحوم مصطفى بن الصادق العيفة
وعدد كبير من المشايخ والمواطنين
صدر في حقّ الشيخ خليف حكم بالإعدام، ثم خُفّف إلى السجن المؤبّد، قبل أن يصدر عفو عنه بعد أكثر من سنة قضاها خلف القضبان.
مثّلت أحداث «الله أكبر ما يمشيش»
أوّل تمرّد شعبي واسع ضد السلطة في تونس بعد الاستقلال،
وكانت صرخة القيروان دفاعًا عن:
حرمة الدين
استقلال المؤسّسة الدينية
ورفض توظيف الدولة للعقيدة بالقوّة