27/10/2026
لقد توهّمت المكونات الوظيفية -بما فيها المكونات المدنية- أنها تمتلك قوة ذاتية تجعلها قادرة على حماية مصالحها المادية والرمزية في إطار سردية "تصحيح المسار"، أي في إطار نظام يُقصي الإسلاميين ولكنه ينفتح -مثل نظام المخلوع- على المجتمع المدني بمنطق الشراكة اللامتكافئة. إنها قراءة سياسية ساذجة لم تفهم علة الحاجة الإقليمية والدولية لتصحيح المسار، ولم تفهم قبل ذلك أن قوة الوظيفيين خلال عشرية الانتقال الديمقراطي لم تكن قوة ذاتية بل قوة مشتقة من منظومة الاستعمار الداخلي. وهو ما يعني إمكانية ضرب هذه المكونّات بعد مكونات المجتمع السياسي -كما وقع فعليا- دون أن تمتلك أي قدرة على الرد أو تغيير موازين القوى بينها وبين النظام، ودون أي قدرة على اكتساب الدعم الشعبي بحكم نخبويتها وأدلجتها وكذلك بحكم سوء سمعتها عند قواعد النظام الجديد وأغلب خصومه في المعارضة الراديكالية.
في عهد المخلوع كان المجتمع المدني امتدادا للمجتمع السياسي المصادر من لدن النظام، وكان يمتلك حرية جزئية لم تمثل يوما تهديدا وجوديا لمنظومة الاستعمار الداخلي لأنه كان مكوّنا من مكوناتها الوظيفية. فالمجتمع المدني النقابي كان شريكا في تمرير خيارات الدولة وكان جزءا من الموالاة التي ساندت المخلوع و"رفعت التحديات" معه، أما المجتمع المدني الحقوقي فكان أداة لتكريس الهيمنة الثقافية لأيديولوجيا الاستعمار الداخلي وبالتالي لتكريس التبعية القيمية والاقتصادية للخارج.
ولم يكن حال الإعلام ولا الثقافة يختلفان عن حال النقابات والمنظمات الحقوقية في طبيعتهما الوظيفية الخادمة للنظام، وقد كانت تلك الوظيفية هي سبب الدفع بمكونات المجتمع المدني خلال المرحلة التأسيسية إلى ممارسة دور سياسي يعوض دور التجمع المنحل ويسند المكونات السياسية التابعة للمنظومة القديمة والمتحالفة معها. وفي مرحلة "التوافق" استمرت المكونات المدنية الوظيفية في خدمة النواة الصلبة للمنظومة وحلفائها في محور الثورات المضادة. ولكنّ "غلق الفاصلة الديمقراطية" لم يأت بما تشتهي تلك المكونات الوظيفية، وهو ما جعلها تغادر مربع الولاء المطلق والمولاة النقدية إلى مربع المواجهة الحذرة مع النظام. وهي "مواجهة" ليس الهدف منها فتح الفاصلة الديمقراطية مرة أخرى، بل الضغط على النظام من أجل تشاركية جزئية لا تتراجع عن خيار ضرب النهضة وتسمح بديمقراطية شكلية يكون للوظيفيين فيها أدوار تشبه أدوراهم ف
عادل بن عبد الله يكتب: توهّمت المكونات الوظيفية -بما فيها المكونات المدنية- أنها تمتلك قوة ذاتية تجعلها قادرة على حماية مصالحها المادية والرمزية في إطار سردية "تصحيح...