25/08/2026
"أَمَّا بَعْدُ، فَهَا هِيَ ذِي اللَّيْلَةُ المُشْرِقَةُ الزَّاهِرَةُ، ... قَدْ أَظَلَّتِ الأُمَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ وَالعَالَمَ أَجْمَعَ، فَأَتَاحَتْ لَنَا التَّعَرُّضَ لِلنَّفَحَاتِ الزَّكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ، وَالامْدَادَاتِ القُدْسِيَّةِ الفَاخِرَةِ، تُعِيدُ عَلَيْنَا مِنْ رَحَمَاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ وَتِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَيْلَةِ المَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، مَا يَكُونُ بِهِ سَبِيلُ نَهْضَتِنَا، وَانْبِعَاثُ مِلَّتِنَا، وَاسْتِرْجَاعُ عِزِّنَا، وَتَحْقِيقُ أَمَانِينَا.
وَهَا هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ شَمْلَتْهُمُ العِنَايَةُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَحَفّتْ بِهِمُ الأَلْطَافُ الإِلَهِيَّةُ، بِأَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ مِنْ أَتْبَاعِ خَيْرِ البَرِيَّةِ، وَمِنْ أَهْلِ المِلَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، يَحْتَفِلُونَ هَذَا المَسَاءَ بِكُلِّ مَكَانٍ وَسعَهُمْ، بِذِكْرَى المَوْلِدِ العُظْمَى، ذِكْرَى أَعْظَمِ مَوْلُودٍ عَرَفَتْهُ الإِنْسَانِيَّةُ، جَاءَ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَهُدًى وَرَحْمَةً، يَأْخُذُ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الخَيْرَاتِ وَالصَّالِحَاتِ، وَيَنْهَاهُمْ وَيَذُودُهُمْ عَنْ أَلْوَانِ الضَّلَالَاتِ، يُقِيمُ بِهِمْ دَوْلَةً زَاهِرَةً، وَيُشِيدُ لَهُمْ مِنْ رُوحِ تَعَالِيمِ الدِّينِ الإِسْلَامِيِّ حَضَارَةً بَاهِرَةً.
وَالأَصْلُ فِي هَذِهِ الِاحْتِفَالَاتِ البَهِيجَةِ، وَالمَوَاكِبِ الجَلِيلَةِ الَّتِي تُقَامُ بِمُنَاسَبَةِ المَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، عَلَى صَاحِبِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ، مَا حَدَّثَنَا بِهِ شَيْخُنَا مَقَامُ وَالِدنَا( محمد الفاضل ابن عاشور) ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرِضْوَانِهِ، وَأَسْكَنَهُ فَرَادِيسَ جِنَانَهُ، فِيمَا يَرْوِيهِ لَنَا عَنْ وَالِدِهِ، الأُسْتَاذِ الإِمَامِ( محمد الطاهر ابن عاشور) ،... كَتَبَ الله لَهُ، بِمَا أَفَادَنَا، فِي هَذِهِ وَفِي الآخِرَةِ أَجْرًا.
وَإِنَّهُ لَيَسْعُدُنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُبَارَكَةِ الغَرَّاءِ لَيْلَةِ المَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ عَلَى صَاحِبِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ أَنْ نَسْتَلْهِمَ مِنْ وَصَايَا الدِّينِ وَتَعَالِيمِهِ السَّمْحَةِ مَا يَكُونُ بِهِ صَلَاحُ حَاضِرِنَا وَمَعَادِنَا،... مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ الغَدِ الأَفْضَلِ وَالمُسْتَقْبَلِ البَاسِمِ بِالخُرُوجِ مِنْ كُلِّ أَسْبَابِ التَّخَلُّفِ الَّتِي تَعُوقُ العَالَمَ الثَّالِثَ بِأَسْرِهِ عَنْ أَنْ يَتَبَوَّأَ مَكَانَهُ بَيْنَ الأُمَمِ الرَّاقِيَةِ وَفِي مِصَافِ الدُّولِ المُتَقَدِّمَةِ.
وَإِنَّ لَنَا فِي دِينِنَا الحَنِيفِ المَجِيدِ، وَفِي سِيرَةِ رَسُولِنَا العَظِيمِ الكَامِلِ، مَا يَضْمَنُ لَنَا تَحْقِيقَ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِإِرْجَاعِ النُّفُوسِ إِلَى رُشْدِهَا وَالحَدِّ مِنَ الغِوَايَةِ وَالغُلُوِّ مَعًا فِي هَذَا العَالَمِ، وَتَقْدِيمِ مَا يَكُونُ بِهِ لِلْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ، أَسَاسٌ ثَابِتٌ وَأَصْلٌ مَتِينٌ لِبِنَاءِ عَالَمٍ يَسُودُهُ الهُدَى وَالأَمْنُ، وَلَا تَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الأَحْدَاثُ وَالوَيْلَاتُ مِنْ أَجْلِ مَا تَقْتَضِيهِ أَوْضَاعُهُ مِنْ تَسَابُقٍ إِلَى السِّلَاحِ، وَحُبِّ لِلْهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ، وَرَغْبَةٍ فِي الِاسْتِغْلَالِ وَمَدِّ النُّفُوذِ.
وَإِنَّنَا وَنَحْنُ نَتَعَرَّضُ لِلنَّفَحَاتِ الزَّكِيَّةِ وَالاسْرَارِ المَوْلِدِيَّةِ، وَالبَرَكَاتِ النَّبَوِيَّةِ، لَنَلْجَأُ فِي خَشْيَةٍ وَخُشُوعٍ مُبْتَهِلِينَ إِلَى اللَّهِ ضَارِعِينَ إِلَيْهِ، أَنْ يَهْدِيَنَا صِرَاطَهُ الأَقْوَمَ، وَيَحُفَّ جَمْعَنَا هَذَا بِأَلْطَافِهِ الظَّاهِرَةِ وَالخَفِيَّةِ، وَيَمْنَحَنَا الرِّضَى وَيَعْفُو عَمَّا مَضَى مِنْ أَعْمَالِنَا."^
[مقتطف من كتاب مواقف الإسلام - ص 62- 63]
محمد أيمن القربي