17/04/2026
عبد الله حموي… حين يوارى الجسد وتبقى جبلة شاهدة
اليوم، ونحن نودّع أخي عبد الله إلى مثواه الأخير، لا نودّع إنسانًا عاديًا، بل نودّع ذاكرة حيّة من ذاكرة جبلة، وركنًا أصيلًا من روحها الثقافية التي لم تنطفئ رغم كل ما مرّ بها.
عبد الله، أخي الذي عرفته كما عرفه الناس: بوجهه الهادئ، وابتسامته البسيطة، وكلماته القليلة التي كانت تحمل من الصدق ما يغني عن الكثير من الكلام. كان من أولئك الذين يتركون أثرهم دون ضجيج، ويصنعون حضورهم بصمتٍ نبيل.
في عيون محبيه، لم يكن مجرد صاحب مكتبة… بل كان بوابةً للمعرفة، ورفيقًا يوميًا لأجيالٍ كاملة. كانت مكتبة الكندي أكثر من محلٍ صغير؛ كانت نافذةً على العالم، ومتنفسًا لمدينةٍ حاولوا أن يضيّقوا عليها حتى في أفكارها.
في زمنٍ كان فيه مجرد التفكير مخاطرة، وكانت الكتب تُحاصر كما تُحاصر الأحلام، وقف عبد الله، بقامته النحيلة، شامخًا في وجه الخوف، حارسًا لذاكرة الورق، ومؤمنًا بأن الكتاب لا يُهزم.
كم من طفلٍ دخل مكتبته فخرج منها قارئًا…
وكم من شابٍ وجد فيها أولى ملامح وعيه…
وكم من إنسانٍ حمل من على رفوفها ما غيّر نظرته للحياة.
لم يكن يبيع الكتب فقط، بل كان يعرف روّاده واحدًا واحدًا، ينتظرهم كما ينتظرون جديد الصحف والمجلات، يخبّئ لهم ما يحبّون، ويبادلهم الحديث بلطفٍ يعرفه كل من مرّ به. كان جزءًا من تفاصيل الصباح في جبلة، من رائحة الجرائد، من دفاتر المدرسة، من أحلام الصغار، ومن نقاشات الكبار.
برحيله اليوم، لا تُطوى صفحة إنسان فقط، بل تُطوى مرحلة كاملة من ذاكرة المدينة… مرحلة كان فيها للكتاب مكان، وللمعرفة قيمة، وللأخلاق حضور.
لقد أجمع كل من عرفه على شيء واحد:
أن عبد الله كان طيبًا، خلوقًا، وفيًّا، وأن أثره في القلوب أكبر من أن يُنسى.
رحل الجسد، لكن بقيت البصمة… وبقيت الحكايات… وبقيت تلك المسافة الصغيرة بين رفوف الكتب، التي شهدت على عمرٍ من العطاء الصادق.
أخي عبد الله…
نم قرير العين، فقد تركت خلفك محبةً صادقة لا تزول، وذكراً طيباً سيبقى في قلوب أهل جبلة وريفها ما بقيت الذاكرة.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدّمت في ميزان حسناتك.
وألهمنا، وأهلك، ومحبيك الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون
ناصر حموي