18/09/2026
حاول نظام الأسد محو هذا المجتمع المحتج عبر تحويل أراضيهم إلى عقارات مميزة لصالح أمراء الحرب. والآن، يطالب الناجون بحقهم في العودة إلى ديارهم، بينما تواصل الأبراج الارتفاع، ويُدفع بالمعترضين إلى الهامش.
17 سبتمبر/أيلول 2026
جينيفر ماكنزي
جينيفر ماكنزي شاعرة وكاتبة تدرّس في جامعة مدينة نيويورك (CUNY).
"الرابعة عصراً، أمام قصر العدل، والوقفة الاحتجاجية مستمرة"، هكذا يقول شاب ملتحٍ في هاتفه المحمول، وهو يتفحص اللقطة التي يصورها. وفي مواجهته، تقف مجموعة من النساء رافعاتٍ لافتات كُتبت بخط اليد، وتتمدد ظلالهن على الرصيف خلفهن. وفي الداخل، داخل أروقة محكمة دمشق، تجري محاكمة ياسر "أبو وسيم" عباس -المتحدث باسم مجموعة المطالبة بحقوق الأراضي- في ثاني عملية اعتقال له خلال أقل من شهر، إلى جانب مهندس يمثل السكان المهجرين. أما في الخارج، فتشكل قلة من المؤيدين مشهداً لافتاً وسط زحام حركة المرور في ساعة الذروة.
"ما هذا؟" يتمتم رجل وهو يشق طريقه دافعاً من حوله بكتفه، بينما يتوقف آخرون للتحديق بفضول. ويميل شرطي ضخم البنية بجسده ليتفحص اللافتات. تقف صفاء الغفير -وهي أم تحولت إلى ناشطة إعلامية- محدقةً أمامها مباشرة، وقد لفحت الشمس وجهها بعد ساعات من الوقوف تحت أشعتها؛ وتحمل لافتة كُتب عليها بأحرف حمراء وزرقاء: "الرئيس أحمد الشرع يقول: طالبوا بحقوقكم بصوت عالٍ"، وأسفلها بخط أسود أصغر: "رابطة إسقاط المرسوم 66".
وقفة احتجاجية في 3 يونيو/حزيران تضامناً مع ياسر "أبو وسيم" عباس أمام قصر العدل في دمشق، نظمتها "رابطة إلغاء المرسوم 66 واسترداد الحقوق". تصوير: جينيفر ماكنزي.
تُعد الغفير واحدة من نحو 30 ألف سوري محا نظام الأسد أحياءهم العمالية المتمردة من على الخريطة. وقد تم ذلك بقرار رسمي، وتحديداً بموجب "المرسوم 66"؛ ففي عام 2012، قضى المرسوم بهدم المنازل والمتاجر والبساتين في منطقة "بساتين المزة" والأجزاء المجاورة من حي "كفرسوسة" الواقعة خلف مشفى الرازي -والمعروفة باسم "بساتين الرازي"- وذلك لإفساح المجال أمام تشييد مجموعة من الأبراج الفاخرة. وقد قاد هذا المشروع، الذي أُطلق عليه اسم "ماروتا سيتي"، "مخططاً تنظيمياً عاماً" حوّل مشاريع التطوير العمراني الراقي إلى أداة للعقاب الجماعي. لقد أعاد الجيران المشتتون تنظيم صفوفهم الآن لنقل معركتهم القديمة إلى ساحة جديدة: الإدارة الناشئة التي تدير العاصمة.
وحتى الآن، أبقت السلطات على "المرسوم 66" ساري المفعول، وواصلت تشييد الأبراج السكنية، واعتقلت اثنين من المتحدثين باسم المجتمع المحلي. وتتمحور القضية حول رؤيتين متناقضتين لكيفية إعادة إعمار سوريا ولمصلحة من يتم ذلك؛ إذ يطالب السكان المهجرون باستبدال القوانين القديمة -التي سلبتهم أراضيهم- بقوانين جديدة تعيد لهم الحق في منازلهم المفقودة.
غير أن السلطات المحلية تستغل الأطر القانونية التي وضعها الأسد لخلق سوريا جديدة وعصرية تزخر بالمجمعات السكنية الفاخرة والمغلقة، ولإسكات المنتقدين الذين جردتهم من ممتلكاتهم.
صفاء الغفير، ناشطة إعلامية ومهجرة كانت تقيم سابقاً في منطقة "بساتين الرازي"، ترفع لافتتها في ساحة انتظار السيارات التابعة لقصر العدل في دمشق، 3 يونيو/حزيران 2026. حقوق الصورة: جينيفر ماكنزي.
تجديد حضري يرقى لمرتبة جرائم الحرب
يقول الخبير الاقتصادي السوري جهاد يازجي: "تُعد مدينة 'ماروتا سيتي' رمزاً لعصر النيوليبرالية، ورمزاً للقضاء على شخصية 'أبو شحاطة' (أي الرجل السني المنتمي للطبقة العاملة)؛ إذ يتم محو هؤلاء السنة الفقراء تماماً لإظهار صورة الحداثة".
لقد عزز هذا المشروع العمراني الفاخر صورة الحداثة التي سعى بشار الأسد لترسيخها بعد أن ورث الحكم الديكتاتوري عن والده. وتحت ذلك الغطاء النيوليبرالي، دعم بشار نظاماً من "رأسمالية المحاسيب" التي استنزفت موارد "مزرعة الأسد" -كما كان السوريون يطلقون على البلاد- إلى أقصى حد ممكن. وبحلول نهاية العقد الأول من حكم بشار، كان أحد أبناء خالاته يمتلك ما يقرب من 60% من الاقتصاد السوري، بينما كان نصف الشباب السوريين عاطلين عن العمل.
وعندما امتدت احتجاجات "الربيع العربي" إلى سوريا عام 2011، سرعان ما لجأ النظام إلى القمع الوحشي؛ إذ أطلقت قوات الأمن النار عشوائياً على المتظاهرين، وحين حملت بعض فصائل المعارضة السلاح، صعد النظام وتيرته من الهجمات البرية إلى القصف الجوي وحروب الحصار. وفي جنوب غرب دمشق، انضم سكان "بساتين الرازي" -الواقعة بالقرب من السفارة الإيرانية ومجموعة من الأفرع الأمنية- إلى الانتفاضة.
وحوّلت الممرضة إنعام البعلبكي منزلها إلى عيادة ميدانية سرية لتقديم الإسعافات الأولية وعلاج الجرحى، الذين كانوا سيتعرضون للاعتقال والتعذيب لو نُقلوا إلى المستشفيات العادية. بدأت صفاء الغفير، مستخدمةً الاسم المستعار "باسل الدمشقي"، في نشر الأخبار على فيسبوك بعد اعتقال ابنها واثنين من إخوتها، ورؤيتها للظلم "بأم عينيها". وفي منتصف شهر يوليو/تموز 2012، حين تقدم مقاتلو المعارضة من الريف نحو وسط دمشق، انشق المجند وسيم عباس -البالغ من العمر 20 عاماً- عن جيش النظام لينضم إليهم.
وبحلول شهر أغسطس/آب، كانت قوات النظام قد هزمت هؤلاء المتمردين وأعدمت العشرات منهم ميدانياً. وفي ليلة 15 أغسطس/آب، قُتل وسيم أثناء القتال في بساتين حي المزة؛ حيث قام والده، ياسر عباس (المعروف بـ "أبو وسيم")، بدفنه هو وأربعة شبان آخرين في أرضه. وفي شهر سبتمبر/أيلول، توّج نظام الأسد انتصاره بإصدار المرسوم رقم 66، الذي قضى بإنشاء منطقتين عقاريتين منظمتين في العاصمة: "ماروتا سيتي" -التي تعادل مساحتها 115 ملعباً لكرة القدم- ومنطقة أخرى تقع إلى الجنوب منها وتفوقها مساحةً بأربعة أضعاف.
The Assad regime tried to erase this protesting community by turning their lands into prime real estate for warlords. Now the survivors are claiming the right to go home - and the towers keep rising, as their critics are pushed to the margins.