02/01/2026
مهما اشتدّ سوادُ الليل فذلك إيذانٌ بطلوع الفجر، ومهما تعاظمت كُتل الظلام فإنها لا تصمد طويلًا أمام أول خيطٍ من نور.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، تتكالب الأعداء، وتتوالى المؤامرات، وتُحاك الخطط في الخفاء والعلن، غير أن سنن الله ماضية، ووعده نافذ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾.
لا بد أن نعي جيدًا أن النصر لهذا الدين، وأن العاقبة للمتقين، فهذه ليست أمنياتٍ حالمة، ولا خطبًا عاطفية، بل حقائق راسخة شهد لها القرآن، وصدّقها التاريخ، وتتكفل الأقدار بإتمامها. ثقوا بالله العظيم، واعلموا أن لأهل الأرض حساباتٍ قاصرة، وللسماء حساباتٍ أخرى، فيها من البشريات والانتصارات والفتوحات ما تعجز عنه تصورات البشر.
وما بين وعدٍ إلهيٍّ لا يتخلّف، وسننٍ كونيةٍ لا تحابي أحدًا، يمضي هذا الدين واثقَ الخطى، لا تعيقه كثافة الظلام، ولا تُثنيه كثرة الجراح. كم من ليلٍ ظنّه الناس نهاية الطريق، فإذا به رحمُ فجرٍ جديد، وكم من محنةٍ حسبوها هلاكًا فإذا هي ميلادُ أمةٍ أشدّ بأسًا، وأصدق يقينًا.
إن المستقبل لهذا الدين يجب أن يكون نشيد القلوب والأرواح، لا شعارًا يُرفع، بل إيمانًا يُعاش، وثباتًا يُترجم سلوكًا وعملاً. وهي نبوءة لا بد أن تتحقق، فقد صحّ في المسند عن تميم الداري رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ».
وليس النصر في منطق الإيمان ومضةً عابرة، ولا لحظة اندفاعٍ عاطفي، بل مسارٌ طويل تصنعه الثباتات الصغيرة، وتغذّيه التضحيات الصامتة، ويحرسه الصدق مع الله. قد يتأخر النصر ليتهذّب الصف، وقد تطول الغربة ليُعرف الصادق من المتردّد، فالله لا يُقيم دولة الحق على عَجَل، وإنما يقيمها على قلوبٍ صُقلت بالمحن، ونفوسٍ رأت بنور الوحي لا بضيق اللحظة.
وإن من أعظم الخذلان أن نقيس موازين السماء بمقاييس الأرض، أو نستعجل الثمرة قبل أوانها. فما انكسر هذا الدين يومًا حين حُورب، وإنما انكسر حين نُسي، وما هُزم حين أُقصي، وإنما هُزم حين أُفرغ من معناه في القلوب. فإذا عاد حيًّا في القلوب، عاد قويًّا في الواقع، وإذا صلحت السرائر، صلحت المسائر، وتبدّلت المعادلات دون ضجيج.
فكونوا على يقين أن الله إذا أراد أمرًا هيّأ له أسبابه، وربّى له رجاله، وساق إليه أقداره. قد يُحجب النصر عن الأبصار، لكنه لا يُحجب عن وعد العزيز الجبار. وما علينا إلا أن نكون من أهله: صدقًا في العقيدة، وعدلًا في السلوك، ورحمةً في المعاملة، وثباتًا لا يتزعزع مهما طال الطريق.
وهكذا يمضي المستقبل إلى الإسلام لا صخبًا، بل رسوخًا، لا قهرًا، بل هداية، لا انتقامًا، بل عدلًا يعمّ البشرية. وسيعلم الذين ضاق أفقهم أن هذا النور لا يُطفأ، وأن الفجر إذا أذن الله له بالطلوع، فلن يحجبه ليلٌ مهما اشتد سواده.