07/03/2026
دروس في الاستدامة من قلب الريف: قصة مزارع "الصابراب" ورهان "آخر بذرة"
في إحدى الدورات التدريبية التي نظمها مشروع البطانة للتنمية الريفية المتكاملة، كنا نتحاور مع مزارعين من خمس ولايات سودانية حول "التقاوي المحسنة" وكيفية انتخاب البذور المحلية. هناك، التقينا بمزارع من قرية "الصابراب" (منطقة حدودية بين الخرطوم والجزيرة)، قدم لنا درساً بليغاً في "إدارة الصمود" لا تجده في أعظم المراجع الأكاديمية.
الموقف: رهان على الحياة
جاءنا المزارع يحمل بين يديه (٨ قناديل) فقط من الذرة المحلية الممتازة، وهي كل ما تبقى له بعد سنوات متتالية من الجفاف. كان يحفظ تقاويه في "سنابلها" (الخزن الفطري)، وفي كل موسم جفاف، كان يضطر لزراعة نصف ما يملك فقط.
وعندما سألناه عن خطته للموسم القادم، قال بوعي فطري مذهل:
"سأزرع ٤ قناديل، إذا نجحت حفظت منها تقاوي للمستقبل، وإذا فشلت سأزرع في الموسم الذي يليه ٢.. وهكذا، حتى تتبقى لي آخر بذرة."
ماذا نتعلم من هذا المزارع؟ (دروس في بناء المرونة والاستدامة)
هذا المزارع البسيط يطبق عملياً ما نسميه في علم الإدارة "بناء المرونة" (Resilience Building) من خلال:
الإدارة الاستراتيجية للمخاطر (Risk Mitigation): لم يتبع سياسة "الكل أو لا شيء"، بل اعتمد "التوزيع الزمني" للزراعة كضمان ضد تقلبات المناخ.
صون الأصول الوراثية (Genetic Conservation): تمسكه بهذه السلالة المحلية يعني تمسكه بتاريخ وراثي تأقلم مع تربة ومناخ المنطقة عبر مئات السنين، وهو ما يجعله بمثابة "بنك جينات حي".
الاستدامة كفلسفة استمرارية: عبارة "لحدي ما تفضل آخر بذرة" هي أصدق تعبير عن مبدأ الاستدامة؛ وهي العزيمة على تجديد الحياة من أقل الموارد المتاحة.
من التجربة إلى التطبيق المهني
تعلمتُ من هذا المزارع أن الاستدامة هي "عقيدة استمرار". وتجسيداً لهذا الدرس، وفي بدايات عام ٢٠٢٣ وضمن مشروع بناء المرونة في مواجهة التغير المناخي، وبالتعاون مع مركز أبحاث شمبات، قمتُ بجمع عينات محلية متنوعة من منطقة شرق النيل وتسليمها للمركز لتقييمها وحفظ أصولها الوراثية وتطويرها.
الحسرة والأمل
بكل أسف، اندلعت الحرب وتوقف المشروع، ولا نعلم مصير تلك العينات. لكن، تظل قناديل مزارع "الصابراب" الثمانية منارة لنا؛ فالاستدامة تعني ألا نستسلم، وأن نتمسك بالأمل والعمل "لحدي آخر بذرة". إن دمج هذه الحكمة المحلية مع المنهج العلمي هو الطريق الوحيد لإعادة بناء مستقبل الزراعة في السودان.
#السودان