25/02/2026
*إتجاهات*
*بابكر بشير*
*صحافيو كردفان..*
*حُراس الحقيقة..في زمن الشك*
*غالباً ما يقاس مستوى المهن في الأزمنة الطبيعية بما تقدمه من خدمات للناس، أما في اوقات الشدة تُقاس المواقف بما يُدفع في سبيلها من ثمن.في جبال النوبة "ولاية جنوب كردفان" لم يكن الصحفي هناك مجرد ناقل للأخبار، ولا لساناً للمواطن و الحكومة فحسب، بل حارساً للوعي في زمن التضليل و التغبيش، وسنداً معنوياً لجيشه الوطني وهو يخوض معركة العز والكرامة "اكون او لا اكون" فى ولاية أرهقتها الحروب سنيناً عدداً*
فحينما أُغلقت الطرق، وانقطعت الإمدادات، وضاقت بالناس سبل الحياة بالمنطقة، لم تُغلق دفاترهم، ولم تنطفئ أزرار "مايكاتهم" وعدسات كاميراتهم، ولم تخفت أصواتهم. ظلوا في الميدان يواجهون الخطر، يكتبون تحت دوي المدافع، ويوثقون الألم والأمل معاً، مدركين أن الكلمة في لحظات الخطر قد تكون أثقل من الرصاصة، وأبقى أثراً.
لقد جسّد صحفيو جنوب كردفان طيلة فترة الحصار معنى الإنحياز النبيل للإنسان و الأرض، لم يبحثوا عن ملاذات آمنة، بل اختاروا أن يكونوا في قلب المعركة، حيث كانت الحقيقة مهددة بسيل حملات التضليل، إختاروا ان يبقوا حيث يحتاج المواطن إلى من يروي قصته بصدق وشجاعة. فاستحقوا أن يُكتب عنهم لا كناقلين للوقائع فحسب، بل كصناعٍ للموقف الوطني، وشهود على مرحلة سيذكرها التاريخ كثيراً.
إختاروا البقاء هناك ليشعلوا شمعة الحقيقة ولو على حساب أمنهم و سلامتهم. واجهوا امتحاناً قاسياً، واختباراً حقيقياً لمعنى أن تكون صحفياً في أرضٍ تتقاطع فوقها البنادق وتتشظى فيها الأخبار بين الحقيقة والدعاية.
وسط هذه الأمواج المتلاطمة وقف زملاء المهنة هناك، حماةً لذاكرة المكان، لم تهبطهم انقطاع الكهرباء وشحّ الإنترنت، وندرة أدوات العمل، ولا ضغوط الترهيب، ومخاطر الإستهداف المباشر. ومع ذلك، لم تنكسر أقلامهم، ولم تخفت أصواتهم. بقوا يكتبون على ضوء الهواتف، ويرسلون المواد عبر مسارات شاقة، ويتحملون ما لا يُحتمل كي لا يُدفن صوت الكرامة تحت أنقاض الحرب.
لم يكن دورهم ترفاً مهنياً كما ظنته المقولة الشهيرة لبلاط الصحافة إنها "مهنة المتاعب" بل كان دورهم ضرورة وجود. ففي مناطق النزاع، يصبح الإعلام خط الإمداد الجوهري للعمليات، وذلك بوعي الناس بالحقائق على الأرض. فحين تُحاصر المدن، يُحاصر معها الاعلام، ويُصبح تداول المعلومة عملاً محفوفاً بالمخاطر. لكن صحفيي "الجبال" أدركوا مبكراً أن الصمت أخطر من الرصاص، وأن ترك الساحة للشائعات يعني مضاعفة معاناة أهلهم. فكانوا هم جدار الصد أمام سيل الدعاية السوداء في الميديا.
لقد نقلوا معاناة الأمهات وهن يبحثن عن لقمة عيش لسد رمق أبناءهن في الوقت الذي يقتاد فيه الخونة جيف الإرتزاق في الفنادق الفارهة، كما نقلوا صمود الأطباء في المشافي الشحيحة بالإمكانات، ودعموا ثبات الجنود في ساحات الوغي، وآمال الأطفال وسط دوي المدافع. كتبوا عن الألم دون أن يبيعوا الوهم، وعن الصمود دون أن يزيفوه. انحازوا للإنسان أولاً، وللحقيقة و الوطن دائماً.
وحين جاء الفرج بفك الحصار، لم يكن الإنتصار انتصاراً عسكرياً يحسب للجنود و كفى، بل كان أيضاً انتصاراً لصوت أصرّ أن يُسمع عبر الأقلام و المذياع. كان تتويجاً لصبر مدن انهكت، ولعزيمة إعلاميين وصحفيين آمنوا بأن رسالتهم لا تتوقف عند حدود الخوف.
إن الإشادة بزملاء المهنة في جبال النوبة ليست مجاملة عابرة او إنحيازاً فجاً، بل هي اعتراف مستحق بدورهم الوطني العظيم. فقد أثبتوا أن الصحافة في زمن الحرب ليست مجرد مهنة بل موقف. وأن الصحفي الحق هو من يكتب والرصاص حوله، لا من ينتظر هدوء العواصف، وتمايز الصفوف. كتبوا الحقيقة على تخوم الخطر في زمن الشك.
لهم منا كامل التحايا و فائق التقدير والإمتنان، لأقلامهم التي لم تنحن، ولأصواتهم التي ظلت تصدح بالحقيقة حتى انقشع الغبار.
هكذا تُكتب سيرة العظماء في قلائد الشرف المهني، فدمتم زخراً للوطن.
بقلم/ بابكر بشير
رئيس إتحاد الصحفيين
جنوب كردفان