06/07/2026
من أعجب القصص الثابتة في تراثنا والتي تجمع بين عجيب التوكل، والكرامة، والفرج بعد الضيق الشديد، هي قصة الإمام أبو بكر محمد بن علي بن زبير الدينوري (المعروف بـ ابن المارستانية)، وقصته الشهيرة مع "قلادة اللؤلؤ".
إليك تفاصيل هذه القصة التي تُظهر كيف يسوق الله الرزق والفرج لأصحاب النوايا الصادقة:
الأزمة والأمانة في مكة
يُحكى أن هذا الرجل الصالح كان مجاوراً في مكة المكرمة، فأصابه جوع شديد وعوز ولم يجد ما يأكله. وفي طريقه، عثر على صرة من حرير حمراء ملقاة في الأرض، فأخذها وفتحها في بيته، فإذا فيها قلادة من لؤلؤ فاخر لم يرَ مثلها قط.
بينما هو يخرج، وجد شيخاً ينادي ويبحث عن الصرة، ويَعِدُ من يجدها بمكافأة قدرها مائة دينار.
قال الرجل الصالح في نفسه: "أنا جائع ومحتاج، لكن هذه أمانة". فدعا الشيخ وسأله عن علامات الصرة والقلادة، فوصفها الشيخ بدقة متناهية دون نقص.
عندها أخرج الصالح القلادة وسلمها له، ففرح الشيخ بشدة ومد يده بالمائة دينار كجائزة، فرفض الرجل الصالح أخذها وقال: "لقد حفظتها لله، ولا آخذ على طاعة الله أجراً". ورغم إلحاح الشيخ الشديد، وشدة جوع الرجل، إلا أنه أبى وغادر.
اللجوء إلى البحر
بعد فترة، ضاقت الدنيا بالرجل الصالح في مكة، فقرر ركوب البحر لعله يجد رزقاً. وهناك حدثت المفاجأة: انكسرت السفينة وغرق كل من فيها، ولم ينجُ هو إلا بعد أن تمسك بلوح خشب تقاذفته الأمواج، حتى ألقته على جزيرة نائية غريبة.
جلس في مسجد تلك الجزيرة يقرأ القرآن، فاجتمع حوله أهل الجزيرة وقالوا: "أتجيد القراءة؟" قال: "نعم"، فطلبوا منه أن يعلم أولادهم القرآن. ثم رأوا خطه الجميل، فطلبوا منه تعليمهم الكتابة، فأغدقوا عليه من أموالهم حتى تحسنت حاله تماماً.
أحب أهل الجزيرة هذا الرجل الصالح لصلاحه وعلمه، وعرضوا عليه أمرًا
"عندنا فتاة يتيمة صالحة، كانت لرجل عظيم منا توفي، ونريد أن نزوجك إياها".
وافق الرجل وتزوجها، وفي ليلة زفافه، وبينما هو ينظر إليها، وقعت عيناه على عقد في عنقها... فصُعق وظل يشخص ببصره إلى العقد ولا ينظر لزوجته من شدة الصدمة!
حزنت الفتاة وذهبت إلى أهلها شاكية: "إنه لا ينظر إليّ، بل ينظر إلى قلادتي فقط". فجاءه وجهاء الجزيرة يعاتبونه، فقص عليهم خبر القلادة التي وجدها في مكة منذ سنوات طويلة وكيف ردها لصاحبها دون مقابل.
الفرج الذي يسوقه القدر
عندما سمع أهل الجزيرة القصة، كبروا وهللوا حتى ارتجت الجزيرة بصوتهم! وعجب الرجل من ردة فعلهم، فسألهم: "ما بالكم؟"
فقالوا له:
"إن الشيخ الذي أخذ منك القلادة في مكة هو والد هذه الفتاة!
وكان دائماً يقول في دعائه بعد عودته: (اللهم يا رب، لم أجد في الدنيا مسلماً مثل الذي رد عليّ قلادتي، اللهم اجمع بينه وبين ابنتي حتى أزوجه إياها).
وقد مات الشيخ، واستجاب الله دعوته وتزوجتَ ابنتَها!"
العبرة من القصة
عاش الرجل مع زوجته ورُزق منها بأولاد، وورث ذلك العقد الذي تركه لله يوماً ما، فعاد إليه كاملاً بالحلال ومعه الزوجة الصالحة والرزق الوفير.
وهي مصداق حيّ للقاعدة الربانية الشريفة: "من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه".