11/06/2026
قبيل دقائق من صافرة انطلاق المونديال...
"السؤال الأبرز": هل ما زال لدينا نحن العرب والفلسطينيين الشغف بكرة القدم؟
كتب المهندس سامر نسيبة/
رئيس الاتحاد الفلسطيني للثقافة الرياضية
مع اقتراب صافرة البداية وانطلاق منافسات كأس العالم بعد دقائق من الان "بتوقيت القدس العاصمة"، يعود السؤال الذي يفرض نفسه في الشارع العربي والفلسطيني على وجه الخصوص: هل ما زال لدينا الشغف ذاته بكرة القدم؟ وهل ما زالت هذه اللعبة قادرة على أن تجمعنا حول شاشة واحدة كما كانت تفعل في العقود الماضية؟
لطالما كان المونديال أكثر من مجرد بطولة رياضية. كان موعداً استثنائياً يتوقف عنده الزمن، وتتغير خلاله عادات الناس اليومية.
كانت المقاهي تمتلئ بالمشجعين، والشوارع تفرغ أثناء المباريات الكبرى، وتتحول المنازل إلى مدرجات صغيرة يختلط فيها التشجيع بالفرح والحزن والانفعال.
لكن العالم تغير كثيراً.... فالحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية وتبدل أنماط الحياة فرضت واقعاً جديداً على المجتمعات العربية، وفي فلسطين على وجه الخصوص، يعيش الناس ظروفاً استثنائية تجعل الكثير من القضايا الرياضية تبدو أقل أهمية أمام هموم الحياة اليومية وتحدياتها.
ومع ذلك، فإن كرة القدم تملك قدرة عجيبة على البقاء. فهي ليست مجرد لعبة، بل مساحة إنسانية للهروب المؤقت من الضغوط، ونافذة يطل منها الناس على العالم. لذلك، ورغم كل الظروف، ما زال الملايين ينتظرون المونديال بشغف، ويتابعون أخبار المنتخبات والنجوم والاستعدادات الأخيرة قبل انطلاق البطولة.
في العالم العربي، ارتبطت كرة القدم بالهوية والانتماء والأحلام. فعندما يتألق منتخب عربي أو يحقق إنجازاً غير مسبوق، يشعر الملايين بأنهم جزء من هذا الإنجاز.
ولعل ما شهدناه في النسخ الأخيرة من بطولات كأس العالم يؤكد أن الجماهير العربية ما زالت تمتلك ذلك الشغف الكامن الذي يظهر بقوة عندما يحين الموعد الكبير.
أما فلسطينياً، فالأمر يحمل أبعاداً مختلفة. فالرياضة كانت دائماً جزءاً من معركة إثبات الوجود والحفاظ على الهوية الوطنية.
وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه الحركة الرياضية الفلسطينية، فإن الجماهير الفلسطينية بقيت حاضرة في كل المناسبات الرياضية الكبرى، تتابع وتناقش وتحلل وتختلف وتتفق كما يفعل عشاق اللعبة في كل أنحاء العالم.
ربما لم يعد الشغف يُعبَّر عنه بالطريقة التقليدية التي عرفناها سابقاً. فقد انتقلت النقاشات من المقاهي إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومن الصحف الورقية إلى الهواتف الذكية. لكن جوهر الحماس بقي موجوداً، وإن تغيرت أدوات التعبير عنه.
إن الحكم على حجم الشغف قبل انطلاق البطولة قد يكون متسرعاً. فالتاريخ علمنا أن المونديال يبدأ هادئاً أحياناً، ثم يتحول تدريجياً إلى حديث الناس في كل مكان.
مباراة مثيرة، أو هدف تاريخي، أو مفاجأة مدوية، كفيلة بإشعال الحماس وإعادة الجميع إلى أجواء كرة القدم التي نعشقها.
لذلك، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل فقدنا الشغف؟ بل أين يختبئ هذا الشغف اليوم؟ وهل يحتاج فقط إلى صافرة البداية كي يعود إلى الواجهة؟
الساعات القادمة ستمنحنا الإجابة. وعندما تدور الكرة على أرض الملعب، سنكتشف أن كرة القدم ما زالت قادرة على أن تجمع الشعوب حول حلم واحد، وأن المونديال سيبقى، رغم كل شيء، الحدث الرياضي الأهم والأكثر قدرة على إشعال المشاعر وصناعة الذكريات.
حتى ذلك الحين، دعونا لا نستبق الأحداث، ولا نحكم على البطولة قبل أن تبدأ. فالمونديال كان دائماً مليئاً بالمفاجآت، وكرة القدم علمتنا أن أجمل القصص تُكتب بعد صافرة البداية، لا قبلها.