28/05/2026
ثمة شعوبٌ تُعرَف بما تملك، وأخرى بما تُنفق، لكنّ الفلسطيني يُعرَف بما خسر، ثم بما بقي فيه رغم الخسارة.
ولعلّ هذا ما قصده محمد عساف حين قال: “إن الفلسطيني يُنظر إليه بدونية”. لم تكن عبارة عابرة، بل تختزن تنهيدة شعبٍ أنهكه التعب من محاولة إثبات إنسانيته كل يوم، وكأن عليه أن يبرّر وجوده أمام العالم باستمرار.
الفلسطيني لا يحمل وطنًا فحسب، بل يحمل عبءَ صورةٍ رسمها الآخرون عنه؛ مرةً كضحية، وأخرى كلاجئ، وثالثة كمقاتل، ونادرًا ما يُرى إنسانًا عاديًا له الحق أن يفرح ويغنّي ويخطئ ويحلم كبقية البشر.
والمفارقة أن العالم يحب الفلسطيني حين يكون حكاية مأساوية، لكنه ينزعج منه حين ينجح أو يطالب بمكانه الطبيعي بين الأمم.
حتى الفن ليس بريئًا؛ فهو مرآة القوة، ومن يملك الضوء يملك القدرة على صناعة النجوم أو دفن الأصوات في الظل. لذلك لم يكن غريبًا أن يشعر فنان مثل محمد عساف بالخذلان، وهو الذي دخل البيوت العربية حاملًا صوتًا يشبه وجع الناس وفرحهم معًا.
في زمنٍ أصبحت فيه التفاهة مشروعًا استثماريًا، يُصنع الفن الهابط بعناية، بينما تُحارَب الأصوات التي تذكّر بالكرامة والمعنى.
ومع ذلك، يبقى الفلسطيني حالة استثنائية؛ يثير التناقضات أينما حلّ. هناك من يكرهه لكنه يحترم صلابته، ومن يحبه دون أن ينصف قضيته. فالاحترام لا يُمنح دائمًا بدافع المحبة، بل أحيانًا بدافع الاعتراف بقوة من لم ينكسر.
لقد كشف التاريخ أن هذا شعبٌ لا يموت بسهولة، وأن من عاش كل هذا الخراب وبقي واقفًا يحمل شيئًا استثنائيًا في داخله.
وفي المقابل، أكثر ما يؤلم الفلسطيني ليس نظرة الغريب، بل انقسام القريب. حين ينقسم الناس إلى غزّاوي وضفّاوي، لاجئ ومقيم، ابن مدينة وابن قرية، يصبح الاحتلال فكرةً تسللت إلى الداخل قبل أن يكون جنديًا على الحاجز. فالتمييز حين يسكن الضحية يتحول إلى هزيمة أخلاقية صامتة.
ورغم كل ذلك، يبقى الفلسطيني محبوبًا في أماكن كثيرة، لا لأنه الأقوى، بل لأنه اختصر معنى الصبر الإنساني. أما العالم، فمحكوم بالمصالح أكثر من المبادئ؛ حين يتكلم المال، تصمت الأخلاق أحيانًا، وتتبدل المواقف كما تتبدل الأقنعة.
لكن فلسطين بقيت عصيّة على الذوبان؛ لأن القضية لم تعد مجرد أرض، بل أصبحت معنى، والمعاني لا تموت.
لذلك، يا محمد عساف، لا تحزن من نظرة البعض؛ فالعالم المتعب بالحروب والنفاق لا يجيد دائمًا رؤية الجمال الحقيقي. يكفي أنك خرجت من مكانٍ محاصر، وحملت صوتك إلى العالم دون أن تفقد لهجتك أو ملامحك أو انتماءك.
وفي زمنٍ يُخفي فيه كثيرون هوياتهم كي يُقبلوا، يبقى الفلسطيني الذي يعلن نفسه منتصرًا بطريقةٍ ما.