01/06/2026
كلام لابد منه
لا يمكن الحديث عن محاربة الغش بمعزل عن السياق العام الذي أصبحت فيه العملية التعليمية تُدار بمنطق تقني بارد، أقرب إلى منطق المقاولة منه إلى منطق التربية. فحين تتحول المدرسة إلى مشروع يُقاس في نهاية الموسم أو الفصل بما يسمى المردودية le rendement، فإن هذه المردودية نفسها تُختزل في نسب النجاح، لا في جودة التعلمات ولا في تكوين الشخصية.
في هذا السياق تصبح النتائج أرقاما تزين بها التقارير، بدل أن تكون انعكاسا حقيقيا لمستوى التعليم. وهنا يفقد الفعل التربوي روحه، لأن ما يُطلب من الأستاذ لم يعد بناء الإنسان، بل المساهمة في رفع النسبة. بل إن المفارقة الأكبر أن من يُفترض فيه محاربة الغش وتكريس مبدأ النزاهة داخل المنظومة، قد يجد نفسه مضطرا بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الدفع نحو رفع نسب النجاح، إما لتفادي المساءلة أو الإعفاء من المنصب، أو لضمان الاستمرار في تدبير البنية التربوية للمؤسسة في ظروف “مستقرة” رقميا، حتى لو كان ذلك على حساب الصرامة التربوية.
ومع هذا التحول يتم تفريغ المنظومة تدريجيا من بعدها الأخلاقي، حيث تُهمّش قيم النزاهة والجدية، ويُترك الأستاذ في موقع هش تتآكل فيه رمزيته وهيبته داخل المجتمع والمدرسة على حد سواء.
وعندما تضعف مكانة الأستاذ وتُختزل رسالته في أدوار إدارية وتقنية، فإن أي حديث عن محاربة الغش يصبح مجرد معالجة سطحية لعلة من العلل، وليس معالجة للمرض الحقيقي. لأن الغش لا ينمو فقط في لحظة الامتحان، بل في منظومة كاملة فقدت توازنها بين القيم والمعايير والوظيفة التربوية.
إن غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وللأستاذ، وللقيم المؤسسة للفعل التربوي، يجعل من محاربة الغش شعارا أكثر منه مشروعا. فبدون إعادة بناء الثقة في المدرسة، وإعادة تعريف معنى النجاح خارج منطق الأرقام والنسب، ستبقى كل الإجراءات محاولات لتلميع السطح، بينما يظل العمق متآكلا.
ل.ط عضو المكتب الإقليمي fne ميدلت