05/03/2026
من غريب الصدف أن تتزامن هذه الذكرى، المرصعة بالفخر والاعتزاز، مع تلك الأحداث التي رافقت مباراة فريقنا الكوكب الرياضي المراكشي، وكأنها تلميحة من تلميحات التاريخ واعتراف متجدد برجالات أُباة، وبأرض طاهرة حرسها الله بمنه، وميزها عن سائر الحواضر منذ تأسيسها إلى يومنا هذا. هي مراكش التي ظلت عصية على الطغاة، رافضة لكل إفك وتزوير، شامخة شموخ جبال الأطلس ومنارة الكتبية.
منذ أن وطأت أقدام المستعمر أرض المغرب، واجهته مراكش بمقاومة ونضالات مستمرة، توجت بكفاح مسلح يظن البعض واهما أنه انحصر في الجبال والصحاري فقط. غير أن عنفوان هذه الحاضرة جعلها تظل وفية لمبادئها الراسخة، فجابهت المحتل الفرنسي بإنشاء خلايا فدائية مسلحة أربكت مخططات العدو، الذي توهم يوما أن جذوة المقاومة قد انطفأت.
لقد أسس هذه الخلايا رجال سطروا أسماءهم بمداد من نور في تاريخ البلاد، وخلدوا ذكراهم في أزقة المدينة العتيقة، نذكر منهم على سبيل الفخر محمد البقال، مولاي عبد السلام الجبلي، محمد بن بريك الملقب بـ "الفطواكي"، ورحال بن أحمد، والقائمة تطول برواد صنعوا المجد.
ولا يفوتنا التأكيد على أن عمل هذه الخلايا، بالتنسيق مع نظيراتها في باقي المدن، كان النواة التي أدت إلى تأسيس "جيش التحرير" عام 1954، الأمر الذي أرغم المستعمر على التعجيل بفتح مفاوضات الاستقلال، خشية اتساع رقعة المواجهة وفتح جبهات لا قبل له بها.
ومن أبرز العمليات البطولية التي هزت أركان الاحتلال بمراكش:
* اغتيال الجنرال هيرو دهوتفيل في 20 يونيو 1954.
* محاولة اغتيال الخائن التهامي الكلاوي بمسجد الكتبية عام 1954.
* اغتيال المراقب المدني جان تيفا في 23 يوليو 1954.
* اغتيال الضابط جورج ماري كيدون في 13 مايو 1955.
* محاولة اغتيال نحمد بن عرفة في 5 مارس 1954: وهي الواقعة التي تزامنت ذكراها مع ما رُوّج له مؤخرا من بهتان وتضليل. ففي يوم الجمعة 29 جمادى الثانية 1373 هـ ، وبينما كان بن عرفة والكلاوي وأتباعهما يحضرون لخطبة الجمعة، انتفض الشهيد أحمد أقلا ملقيا قنبلة باتجاه بن عرفة، تبعه البطل محمد بن العربي بقنبلة ثانية أصيب من خلالها بن عرفة بجروح في وجهه ويديه، بينما نجا الكلاوي من الموت، لكنه أقدم بغدره على إطلاق الرصاص على الشهيد أحمد أقلا داخل الجامع. وتجدون تفاصيل هذه الملحمة في كتاب "مساجد مراكش عبر التاريخ: من التأسيس إلى العهد العلوي" للمؤرخ أحمد متفكر (الصفحتين 147 و 148) ، الذي وثق الحادثة في مسجد حي بريمة الشاهد على خيانة البعض وبطولة الآخرين.
إن مما يبعث على الشفقة والمقت في آن واحد، أن تحاول شرذمة تضليل الناشئة وذوي العقول الضعيفة، عبر محاولة يائسة لموازنة الكفة مع رجال هذه المدينة، أحفاد المقاومين الشرفاء الذين لم يعرفوا الخنوع، وأدركوا مبكرا مكانة مراكش كعاصمة تاريخية وقلب نابض لشمال إفريقيا، ومسؤوليتها في الحفاظ على توازن البلاد واستقلالها.
إنها محاولة بائسة نابعة من ضعف وجبن، تعكس ذاكرة جماعية لجهة كانت لقرون مأوىً للاستعمار، من البرتغاليين إلى الفرنسيين في سواحل عبدة، ومدافعة عنه في وجه الأحرار والمجاهدين.
إن هذا التجرؤ السافر على حرمة التاريخ لا يمكن تصنيفه في خانة الجهل أو الأمية فحسب، بل هو خيانة معنوية وجريمة مكتملة الأركان في حق الذاكرة الوطنية. إننا أمام جيل مسلوب الهوية، يستهين بتاريخ بلاده، ويتلاعب بالحقائق الثابتة كدمى في مسرح العبث، دون ذرة من غيرة أو وازع من كرامة، فهذه الأفعال لا تسيء لمراكش ورجالاتها، فمراكش جبل لا تهزه رياح الصبية، بل تعري واقعا متغولا من الابتذال، حيث أصبح التاريخ مرتعا لمن لا تاريخ له.
رحم الله محمد بن العربي و أحمد أقلا
5 مارس 1954 - 5 مارس 2026