19/04/2026
شتان بين جيلٍ زلزل الأرض تحت أقدام المستبدين في 2011، جاعلاً من "حركة 20 فبراير" فاصلاً تاريخياً بانتزاع دستور وحكومة من رحم الاحتجاج، وبين "أشباه جيل" اليوم، الذين استمرؤوا الذل واستعذبوا الخضوع. نحن أمام مفارقة مخزية؛ ففي الوقت الذي ينهش فيه غلاء الأسعار لحم البسطاء ويُسحق فيه مستوى العيش تحت أحذية السياسات الفاشلة، يبدو "جيل Z" وكأنه جُرد من رجولته الفكرية، غارقاً في غيبوبة اختيارية لا يفيق منها إلا على نداءات الغرائز السفلية أو صراخ الملاعب الفارغة.
إن ما نعيشه اليوم هو "الخدر الجماعي" في أبهى تجلياته؛ حيث استُبدلت المطالب المشروعة باللهاث خلف المفاتن، وتحول الشاب من مشروع "مواطن واعي" إلى مجرد "كائن غريزي" تائه، عينه على ما يسلب لبه من تفاهات وجسده يرتجف خلف كرة منفوخة بالهواء. هذا الجيل الذي يدعي الحداثة الرقمية، سقط في فخ "الاستلاب"، فصار يحتج بـ "اللايك" بينما الواقع يصفعه كل يوم بزيادات جنونية في لقمة العيش، وكأنه رضي بأن يكون "كومبارس" في مسرحية إفقاره، مقابل جرعات من المتعة الرخيصة.
لقد نجحت آلة التجهيل في تدجين هذا الشباب، فحولت طاقته الثورية إلى طاقة "تفرُّج"؛ فبين من ينفق ساعات عمره في تتبع العورات واللهاث خلف الأجساد العابرة، وبين من يرهن كرامته لانتصار وهمي في مباراة كرة قدم، ضاعت بوصلة الوطن. إنها حالة من "الاستخصاء السياسي" المتعمد، حيث يُراد لهذا الجيل أن يظل "لاهياً" في سفاسف الأمور، ليبقى المسرح فارغاً للمفسدين يعبثون بمقدرات البلاد كما شاؤوا، وهم واثقون أن أحداً لن يجرؤ على قول "لا".
أين هي النخوة التي حركت جيل 2011؟ أين الشموخ الذي لم تكسره الهراوات؟ لقد ذاب كل ذلك في برك التفاهة الإلكترونية وصراعات "الألتراس" الجوفاء. إن السكوت على هذا التردي المعيشي المهول ليس "صبراً"، بل هو "موت سريري" للضمير الشعبي. فمن لا تهزه كرامته المهدورة عند عتبات الأسواق، وتستفزه فقط صور الأجساد ونتائج الملاعب، هو كائن مسلوب الإرادة، شريك في صنع قيوده بيده، ومسؤول عن ضياع مستقبل أمة سُلبت منها روح المقاومة واستُبدلت بروح "الفرجة".
كفى تمثيلاً لدور الضحية، فأنتم الجناة على أنفسكم بهذا الخنوع. التاريخ سيذكر جيل 2011 كجيلٍ حاول ولمس السماء، وسيذكر جيل "التيك توك" والكرة والغرائز كجيلٍ أضاع البوصلة وباع القضية مقابل "وهم" من اللذة والفرجة. استفيقوا من هذا التخدير الممنهج، فالحرية والكرامة لا تُهدى للمخدرين، والخبز المر لن يحلو بمشاهدة مباراة أو اللهاث خلف عورة، بل بوقفة عز تعيد للشارع هيبته وللإنسان قيمته.
ُنتزع