19/10/2025
الأراضي السلالية في المغرب: من ذاكرة الجماعات إلى رافعة العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة
بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
الخبير في التقييم العقاري رئيس المركز الدولي للدراسات والبحث العلمي المتعدد التخصصات – المغرب
تُجسّد الأراضي السلالية في المغرب ذاكرة جماعية وركيزة أساسية من ركائز التماسك الاجتماعي، وهي ليست مجرد مجال ترابي بل تراث روحي واقتصادي يعبّر عن علاقة الإنسان المغربي بأرضه وجماعته منذ قرون. فمنذ عهد ما قبل الحماية، ارتبطت هذه الأراضي بفكرة الانتماء، حيث كان الانتفاع بها يرمز إلى العدالة العرفية وتقاسم الثروة داخل القبيلة. لكن مع تطور الدولة الحديثة وظهور الحاجة إلى تعبئة العقار لخدمة الاستثمار والتنمية، أصبح من الضروري إعادة تأطير هذا النظام ضمن رؤية قانونية ومؤسساتية جديدة تحترم الأصالة وتستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية.
لقد شكل الظهير الشريف المؤرخ في 27 أبريل 1919 الإطار الأول المنظم لوصاية الدولة على الجماعات السلالية، قبل أن تعرف المنظومة القانونية إصلاحًا عميقًا سنة 2019 بإصدار حزمة القوانين 62.17 و63.17 و64.17 التي اعتُبرت بمثابة ثورة هادئة في تدبير الملك الجماعي. ثم جاءت مرحلة 2023–2025 لتترجم هذا التحول ميدانيًا، عبر برامج التحفيظ الجماعي، وإطلاق ورش رقمنة لوائح ذوي الحقوق، وإدماج النساء لأول مرة كمستفيدات على قدم المساواة مع الرجال، تنفيذًا للتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تحقيق المساواة والعدالة العقارية.
تُظهر الإحصائيات الرسمية لوزارة الداخلية (قطاع الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية) أن مجموع الأراضي السلالية يفوق 15 مليون هكتار، أي حوالي 21% من التراب الوطني، موزعة على أكثر من 4500 جماعة سلالية تضم ما يفوق 10 ملايين مواطن ومواطنة من ذوي الحقوق. وهي أرقام ضخمة تجعل هذا الرصيد العقاري ثروة استراتيجية قادرة على المساهمة في الأمن الغذائي، والطاقات المتجددة، والتنمية القروية، إذا ما تم تدبيرها وفق الحكامة الجيدة ومبدأ العدالة الاجتماعية.
في هذا الإطار، يبرز الدور الريادي للدولة المغربية في تحديث منظومة الأراضي السلالية باعتبارها شريكًا للتنمية وليس وصيًا فقط. فقد تم، خلال سنتي 2024 و2025، تفعيل نظام التتبع الرقمي للعمليات العقارية الجماعية عبر المنصة الإلكترونية الموحدة التابعة لوزارة الداخلية، كما أُطلقت مشاريع نموذجية في جهات درعة تافيلالت، الشرق، وسوس ماسة لتحويل الأراضي غير المستغلة إلى مشاريع إنتاجية في مجالات الزراعة المستدامة، والسياحة البيئية، والطاقة الشمسية. وقد ساهمت هذه المبادرات في خلق آلاف فرص الشغل، وإدماج النساء القرويات في الدورة الاقتصادية، وإعادة توزيع العائدات المالية بشكل أكثر إنصافًا بين ذوي الحقوق.
تُبرز هذه السياسة بعدًا اجتماعيًا عميقًا يتناغم مع نظرية الوظيفة الاجتماعية للأرض، التي ترى أن الملكية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق المصلحة العامة والمساواة في التنمية. فالأرض السلالية، في ضوء هذه النظرية، تتحول من رمز للتملك الجماعي التقليدي إلى أداة لتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، عبر تفعيل آليات المشاركة، والتعاقد المحلي، والمسؤولية المشتركة بين الدولة والجماعات السلالية والمستثمرين.
ويعكس هذا التوجه كذلك مقاربة جديدة تُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ المقاربة التشاركية في التنمية الترابية، التي تضع المواطن – وخاصة ذوي الحقوق – في صلب القرار المحلي. فبدل الوصاية الصارمة، يتم اعتماد نمط من التسيير الجماعي المرن، يراعي الخصوصيات المحلية ويمنح الجماعات حرية أكبر في اختيار المشاريع، مع دعم إداري وتقني من الدولة.
إن السياسة العقارية الجديدة التي اعتمدها المغرب في مجال الأراضي السلالية خلال 2025 تُعد ترجمة عملية لروح الدستور الذي أكد في فصله الخامس والثلاثين على حماية الملكية الخاصة والعامة وضمان حرية المبادرة، وربط التنمية بالإنصاف المجالي. كما تجسد في العمق الرؤية الملكية القائمة على جعل العقار في خدمة العدالة الاجتماعية، لا أداة للامتياز. وقد أظهر نجاح تجربة الأراضي الجماعية في بعض الجهات أن الاستثمار لا يتعارض مع العدالة، بل يمكن أن يكون وسيلة لتحقيقها متى وُضع تحت إشراف مؤسساتي شفاف.
إن الحديث عن الأراضي السلالية اليوم هو حديث عن مستقبل القرى المغربية وعن الأمن العقاري والاجتماعي للأجيال القادمة. فهي لم تعد مجرد ملف إداري جامد، بل مشروع وطني في صلب التحول الاجتماعي الجديد الذي يعرفه المغرب، حيث تتقاطع العدالة الترابية، والمساواة بين الجنسين، والتمكين الاقتصادي للمجتمعات المحلية، في إطار نموذج تنموي جديد يؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن.
وبذلك، تُجسد تجربة المغرب في تدبير الأراضي السلالية نموذجًا فريدًا في العالم العربي والإفريقي، يجمع بين الحماية القانونية، العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، ويُترجم إرادة سياسية واضحة في تحويل الأرض من مصدر للنزاع إلى رافعة للوحدة الوطنية والتنمية الشاملة، في انسجام تام مع أهداف رؤية 2035 واستراتيجية الدولة لمغرب منصف، متوازن، ومندمج في المستقبل.
الأراضي السلالية في المغرب: من ذاكرة الجماعات إلى رافعة العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة