17/01/2026
في سياق أنشطتها الفكرية الرامية إلى تعميق الوعي بالتاريخ المغربي وقراءته قراءة نقدية معاصرة، نظّمت جمعية جسور القراءة – فرع القنيطرة لقاءً فكريًا خُصص لمناقشة كتاب «مجمل تاريخ المغرب» للمفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي، وهو عمل يُعد من النصوص المؤسسة في كتابة التاريخ المغربي الحديث.
تميّز اللقاء بنقاش عميق كشف منذ بدايته عن خصوصية هذا الكتاب وصعوبة مقاربته؛ إذ أجمع المتدخلون على أن تلخيصه مهمة شاقة، لكونه «مجملًا لا مفصلًا، ومركبًا لا مبسطًا»، ولأنه لا يقدم سردًا خطيًا للأحداث بقدر ما يقترح قراءة بنيوية للتاريخ، تتحرك عموديًا بين الحضارات التي تعاقبت على المغرب (الرومان، الوندال، البيزنطيون)، وأفقيًا بين التأثيرات المشرقية، خاصة الفينيقية والعربية.
وتوقف النقاش عند المنهج الذي اعتمده العروي، كما عرضه في مقدمة الكتاب وضميمته اللاحقة، حيث ينتقد المفاهيم التقليدية للتاريخ من قبيل «الحقبة» و«الحدث» و«الوثيقة»، معتبرًا أن التمركز حولها يُبقي الدرس التاريخي حبيس نظرة تأريخية متجاوزة. وقد أبرز المشاركون كيف يدعو العروي إلى تاريخ يقوم على التحليل والبنى والتنظيمات، ويقترب فيه المؤرخ من عالم الاجتماع أكثر من اقترابه من الأديب، ليغدو التاريخ علمًا قائمًا بذاته لا مجرد تجميع لأحداث الماضي.
كما نوقشت شروط العروي لتحديث الكتابة التاريخية بالمغرب، والتي حددها في تعميم الدراسات الإبستيمولوجية، وتأسيس مدرسة وطنية للحفريات غير المؤدلجة، ودراسة اللهجات في امتدادها الجغرافي والزمني، إضافة إلى الانفتاح على علوم الحاسوب، مع التحذير من خطرَي الخيال المفرط والنسبية المطلقة.
وتناول اللقاء بشكل موسع تفكيك العروي للخطاب الاستعماري، خاصة في تعامله مع الفترات الرومانية والفينيقية، وكيف ساهمت السياسات الرومانية في فرض خيارات قسرية على المغاربة بين «مدنية استغلالية» أو الهروب إلى البداوة، وهي الأطروحة التي استثمرها لاحقًا مؤرخو الاستعمار لتبرير مقولات التخلف والجمود. كما توقف النقاش عند معالجة العروي للفتح الإسلامي، باعتباره امتدادًا لتحولات تاريخية سابقة، مع الإشارة إلى مفهوم «السيولة الاجتماعية» الذي سمح للمغاربة بالمشاركة في الحكم، وأسهم في توحيد المجال المغاربي لأول مرة.
وتطرّق المشاركون كذلك إلى محاولات توحيد المغرب الكبير عبر الفاطميين، ثم المرابطين والموحدين، وإلى دور الزوايا في الحفاظ على وحدة المجتمع بعد تفكك الدولة، قبل أن تتعرض هي الأخرى للتفريغ الوظيفي زمن الاستعمار. كما أثير نقاش حول تحليل العروي لفترة الاستعمار الفرنسي، وتحقيبه الاقتصادي، وربطه بظهور الحركة الوطنية من خلال تفاعل عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة.
وفي ختام اللقاء، خلص النقاش إلى أن كتاب «مجمل تاريخ المغرب» ليس مجرد سرد لتاريخ مضى، بل نص فكري مقلق يطرح أسئلة حارقة حول الإصلاح، والقطيعة، والحداثة، وعلاقة الحاضر بالماضي، ويضع القارئ أمام مسؤولية قراءة تاريخه قراءة واعية، لا تكتفي بالتلقي بل تسعى إلى الفهم والنقد وإعادة بناء الوعي التاريخي.
وأكد الحاضرون أن هذا اللقاء شكّل لحظة فكرية متميزة، وجسرًا حقيقيًا بين التاريخ والراهن، في انسجام تام مع رسالة جسور القراءة الهادفة إلى جعل الكتاب فضاءً للحوار والتفكير الجماعي.