22/03/2026
في حضرة الختام، حيث تترجّل الأيام وقد أثقلتها مواكب الإحسان، وتتناثر على أعتاب الزمن آثار أيادٍ بيضاء لم تبتغ إلا وجه الله، نطوي صفحة النسخة العاشرة من مائدة الرحمان لا كخاتمةِ عمل عابر، بل كملحمة عطاءٍ ترفّعت عن حدود الزمان والمكان، وتوشّحت بوشاح الكرامة والإنسان.
نقف اليوم عند لحظة مؤثرة نُسدل فيها الستار عن مائدة الرحمان التي كانت طوال الشهر الفضيل عنوانا للكرم، ومنارة مضيئة تجسدت فيها أسمى معاني التضامن و التكافل الإنساني،كُتبت فصولها بقلوب رحيمة وأيادٍ سخية.
وفي هذه اللحظة الختامية، لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالا لكل يد امتدت بالعطاء ولكل قلب نابض بالإحسان وأرواحٍ أخلصت النية فبارك الله في أثرها.
إلى المحسنين الكرام، يا من جعلتم من العطاء لغةً سامية، ومن البذل شريعةً لا تعرف الانقطاع، لكم من الدعاء أصفاه، ومن الامتنان أعذبه، فقد كنتم النور الذي أضاء ليالي المحتاجين، والرحمة التي سكنت تفاصيل هذا العمل الجليل.
وإلى السلطة المحلية، التي أحاطت هذه المائدة بعين العناية، وواكبتها بحكمةٍ ومسؤولية، فكانت شريكا في صناعة هذا الأثر النبيل.. لكم التقدير الذي لا تفيه العبارات.
و إلى صاحب المنزل الذي فتح بابه، فلم يكن مجرد مُضِيف بل كان قلبا مفتوحا على اتساع الرحمة، فكان الفضاء حاضنا لهذا الخير، وموطنا للرحمة والتآخي.
وإلى صاحب المخبزة، الذي حوّل رغيف الخبز إلى رسالة نبيلة، يقدّمها في صمت العظماء، فكان عطاؤه برهاناً على أن البساطة حين تقترن بالإخلاص، تبلغ أسمى مراتب العطاء.
وإلى تعاونية الحلويات، التي أضافت من كرم أياديها دفئا خاصا إلى هذه المائدة، فصنعت من التفاصيل الصغيرة فرحت كبيرا، ومن اللمسات الرقيقة معنىً جميلا لايُنسى.
وإلى ممون الحفلات، الذي أضفى على كل تفاصيل المائدة لمسة فنية، جعلت من كل زاوية، ومن كل طاولة، لوحةً متكاملة من الإبداع والذوق الرفيع، فأصبح الإفطار احتفالاً بالخير قبل أن يكون طعاماً.
وأما انتم أيها المتطوعون أعضاء الجمعية جنود الوفاء، يا من حملتم هذا العمل على أكتاف الإخلاص، وسقيتموه من عرقكم وصبركم، يا جنوذا لا تُذكر أسماؤهم كثيرا، لكن تُكتب أفعالهم في أعالي المراتب، فانتم الروح التي إن غابت، غاب كل شيء.
فجازكم الله خير الجزاء وتقبّل من الجميع صالح الأعمال، وجعل ما قُدّم ذخراً لا ينفد، ونوراً لا يخبو، وأجراً يتضاعف مع كل دعوةٍ ارتفعت، وكل نفسٍ سُرّت، وكل قلبٍ وجد في هذه المائدة دفئاً وكرامة.
ها نحن نطوي الصفحة العاشرة من مائدة الرحمان، عشر سنواتٍ مرت، كانت كفيلة بأن ثُثبت أن الخير لا يشيخ، وأن العطاء إذا صٓدق، خلّد نفسه في القلوب قبل السجلات ، عشر سنوات من العطاء المتدفّق، من بناء الجسور بين القلوب، من غرس الرحمة في النفوس، من تحويل الإفطار إلى رسالة حبٍّ يومية، من الدعوات الصادقة، من الدموع التي امتزجت بالفرح… وها نحن نُسدل الستار، لا على نهاية، بل على إرثٍ من النور، ووعدٍ يتجدّد بأن الخير باقٍ ما بقيت القلوب عامرةً بالإيمان.