17/06/2026
النهضة الملكية وأزمة التنزيل تصتدم الإرادة السياسية بجبروت المؤسسات في غياب المحاسبة....
بين طموح جلالة الملك وعجز النخبة:
لماذا تتعثر الأخلاق السياسية في متاهة المؤسسات؟
تُشكّل السياسة واحدة من أعمق الإشكاليات التي شغلت الوعي الإنساني عبر العصور، إذ تتأرجح صورتها بين كونها ضرورة قسرية تفرضها طبيعة العيش المشترك، وبين اعتبارها أداة مركزية للتنمية والعدالة وتحقيق الرفاه العام. غير أنّ جوهر السياسة الحقيقي لا يتحدّد بمعزل عن ارتباطها العضوي بالمواطن بصفته فاعلاً أصيلاً في الشأن العام، ولا بمعزل عن الأخلاق بوصفها الضامن الموضوعي لشرعيتها وفعاليتهما معاً. من هذا المنطلق، تحاول هذه المقاربة تحليل المشاركة السياسية باعتبارها ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة، واستقراء أسباب العجز في الأداء السياسي، مع تسليط الضوء على المسار الإصلاحي المغربي في ضوء التحولات المؤسساتية الراهنة، انطلاقاً من خبرة عملية متراكمة في مجال الحكامة الترابية وحماية المال العام.
تتأسس المواطنة المعاصرة على المشاركة الواعية التي تتجاوز مجرد الانتماء القانوني إلى الدولة، نحو الانخراط الفعلي والمستمر في تدبير الشؤون العامة عبر آليات متعددة، تتراوح بين التصويت والانتخاب بوصفهما أبسط أشكال التعبير عن الإرادة، وصولاً إلى المبادرات المحلية والعمل الجمعوي، مروراً بالمشاورات العامة والعرائض والتأثير في صنع القرار، فضلاً عن العمل الحزبي المنظم الذي يسهم في بلورة برامج الإصلاح. وهذه المشاركة، في جوهرها، ليست سوى تجسيد عملي للرابط القانوني والاجتماعي بين الفرد والدولة، وتحويل لحقوق المواطن من نصوص مجردة إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع، مما يفرض توعية وتثقيف الرجال والنساء، ولا سيما فئة الشباب، بأدوارهم كمواطنين مسؤولين وقادرين على حمل أماني التغيير.
غير أن الوقائع السياسية الراهنة تعكس فجوة عميقة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية، إذ تعزى حالات الفشل أو التلكؤ في الأداء السياسي إلى غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة، وطغيان المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية، وتجاوز مبدأ الاستشارة وإقصاء الخبراء، فضلاً عن الخوف من المحاسبة الذي يُحيل المبادرة إلى جمود وشلل وظيفي. وعلى المستوى التنفيذي، تبرز معوقات أخرى كالفساد المؤسسي، وضعف الكفايات التدبيرية، وهيمنة البيروقراطية المتصلبة، وهو ما ينعكس سلباً على منجزات التنمية ويؤدي إلى فقدان الثقة في المنظومة السياسية برمتها. وتكمن الآفة الكبرى في أن هدر المال العام وتبذيره غالباً ما يأتيان من أولئك الذين يتولون تدبير شؤون العباد، سواء في المجالس الترابية أو في البرلمان بغرفتيه، فهم من يسنّون القوانين ويشرّعونها في منأى عن مبدأ التشاركية مع المواطن الذي سيكتوي بتلك النصوص، والتي غالباً ما تُستمد من رؤى محدودة لا تستند إلى خبرة تشريعية معمقة.
ومن المهم التذكير بأن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية أساسية في تأطير منخرطيها وتوعية المواطنين، إذ إن غياب هذا الدور التثقيفي والتكويني يُضعف إدراك المواطن لدوره ويُقلص من فعاليته في الشأن العام. وخلال التجربة العملية في المجال الحزبي، يُلاحظ تراخٍ واضح ولامبالاة في تكوين المواطن، حيث يُنظر إلى النخبة السياسية وزعماء غالبية الأحزاب على أن همهم ليس سوى تحقيق مصالحهم الخاصة، وتوظيف المناضلين للتموقع داخل التنظيمات الحزبية من أجل منافع ذاتية على حساب الأعضاء المنخرطين والمواطنين. ونتيجة لذلك، باتت بعض الأحزاب توصف بأنها "دكاكين سياسية" تدافع عن الحكومة ضاربة عرض الحائط بثقة من منحوها أصواتهم ليكونوا صوتهم في المحافل الرسمية. ومن المقرر أنّه لا ديمقراطية حقيقية دون مشاركة فعّالة من الشعب، غير أن هذه المشاركة لن تكون مجدية ما لم يُعمل على تعزيز ولوج الجميع إلى المعلومة، وتوسيع دوائر النقاش العمومي.
لا يمكن فصل السياسة عن الضمير الأخلاقي، ذلك أن غياب الأخلاق يحولها إلى مجرد آلية للهيمنة والاستغلال، والأخلاق في العمل السياسي ليست ترفاً فكرياً بل شرطاً أساسياً لنجاح الدولة واستقرارها، لأن الممارسة السياسية التي تنفصل عن الأخلاق تنتج الاستبداد والفساد وتُفقد الشرعية شيئاً فشيئاً. الممارسة السياسية الرشيدة تقتضي ربط السلطة بالأخلاق، والاعتماد على الكفاءات، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، لإحداث تغيير إيجابي ملموس في حياة الناس. والسياسي الناجح هو من يتحلّى بالجرأة في الاعتراف بالأخطاء، والنزاهة في الدفاع عن البرامج، والقدرة على تفعيل مؤسسات الدولة بما يحقق العدالة المجالية والاجتماعية. غير أن المؤلم حقاً هو تلك القدرة الفائقة التي يمتلكها بعض السياسيين الفاشلين في تبرير الأخطاء والدفاع عن الفشل بذات الوقت، في تناقض صارخ مع مبادئ المسؤولية. والمعضلة الكبرى تكمن في انعدام ربط المسؤولية بالمحاسبة والإفلات من العقاب، وهذه الآفة هي التي تُفقد المواطن الثقة في نواب الأمة والأحزاب والعمل السياسي عامة، كما تجلى ذلك بوضوح في الموقف البرلماني الأخير حين أحجم ثلاثة وثمانون برلمانياً، بمن فيهم أعضاء من المعارضة، عن المصادقة على إنشاء لجنة تقصي الحقائق في ملف دعم استيراد الأغنام، المعروف شعبياً بـ"الفراقشية"، وهو موقف يطرح أكثر من تساؤل حول أولوية المصلحة العامة لدى الفرقاء السياسيين.
علاوة على ذلك، يُعدّ سحب قانون الإثراء غير المشروع من الواجهة التشريعية نقمة أخرى تضاف إلى سلسلة التراجعات المؤسساتية، فذلك القانون كان من شأنه ردع المتلبسين بالاستيلاء على المال العام ووضع حد للإفلات من العقاب. غير أن التساؤلات تظل مشروعة حول الدوافع الكامنة وراء هذا السحب، وعن الجهة أو الجهات التي تقف خلف هذا الفعل، وما إذا كان هذا التراجع يخدم المصلحة العامة أم أنه يهدف إلى حماية مصالح فئة معينة من المحاسبة، وهذا التساؤل يظل مفتوحاً ويحتاج إلى تحليل نقدي دقيق في إطار النقاش العمومي.
وفي سياق متصل، جاءت التعديلات الأخيرة في قانون المسطرة الجنائية، وتحديداً القانون رقم 23.03 الذي دخل حيز التنفيذ في الثامن من ديسمبر 2025، لتُحدث تغييراً جوهرياً في مسار التقاضي في جرائم المال العام. فقد نصت المادة 3 المعدلة على أنه لا يمكن إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في شأن الجرائم الماسة بالمال العام، إلا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة، وبناءً على إحالة من مؤسسات حكومية محددة حصراً، وهي المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية، والمفتشية العامة للإدارة الترابية، والمفتشيات العامة للوزارات أو الإدارات المعنية، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وكل هيئة يمنحها القانون صراحة هذه الصلاحية. والنتيجة المباشرة لهذا التقييد هي منع جمعيات المجتمع المدني من تقديم شكايات في قضايا الفساد، خلافاً لما كان سائداً سابقاً حيث كانت تستطيع مقاضاة المشتبه فيهم، مما يُعدّ تراجعاً عن مبدأ ديمقراطية المشاركة. وتُشترط المادة 7 على الجمعيات التي ترغب في الانتصاب كطرف مدني في القضايا الزجرية، حصولها على صفة المنفعة العامة، وتأسيسها بصفة قانونية منذ أربع سنوات على الأقل قبل ارتكاب الفعل الجرمي، والحصول على إذن بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وهذه الشروط مجتمعة تجعل من الصعب على المجتمع المدني الاضطلاع بدوره الرقابي الفعال. وتُعد هذه التعديلات، في جوهرها، خرقاً للدستور، وتحديداً الفصل 12 المتعلق بالديمقراطية التشاركية الذي ينص على إشراك المجتمع المدني ورقابته، كما أنها تُضعف فعالية النيابة العامة بإخضاعها لإذن من مؤسسات محددة، وتُسهّل إفلات الفاسدين من العقاب بتقييد آليات التبليغ، وقد عبّرت أحزاب المعارضة بوضوح عن رفضها لإقصاء المجتمع المدني في هذا السياق، مما يعكس أزمة ثقة متنامية بين الفرقاء السياسيين.
على الجانب الآخر، وتحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يرسخ المغرب مساراً إصلاحياً متكاملاً يعكس رؤية ملكية طموحة تجمع بين الحداثة والثوابت الوطنية، وقد شملت هذه المسيرة خطوات رائدة تعزز مكانة المملكة على كافة الأصعدة، من خلال النهضة الدينية والروحية بإرساء دعائم النموذج المغربي القائم على الوسطية والاعتدال، وإعادة هيكلة الحقل الديني لضمان الأمن الروحي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر إطلاق مشاريع كبرى للبنيات التحتية، وتنزيل ورش الحماية الاجتماعية لتعميم التغطية الصحية والدعم المباشر، فضلاً عن تعزيز الاستثمارات في الطاقات المتجددة، والإشعاع الرياضي المتحقق بإنجازات تاريخية غير مسبوقة على الساحة الدولية، والتي تتوج باستعدادات المملكة لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. غير أن هذه النهضة الطموحة، التي تستند إلى رؤية استراتيجية متكاملة تشمل النهضة الدينية والروحية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والعمرانية، تظل رهينة بانخراط كل الفاعلين السياسيين والمجتمعيين في إنجاحها، وفي مقدمتهم ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو الشرط الأساسي لضمان فعالية البرامج التنموية على أرض الواقع.
في المحصلة، إن السياسة الأخلاقية القائمة على الحكامة الجيدة والمشاركة الواعية ليست رفاهية نظرية بل ضرورة وجودية لاستمرار الدولة واستقرارها، ومن خلال الجمع بين العلم والفن في التدبير، يظل الرهان الأكبر هو تحويل السياسة إلى فعل تنموي ملموس يحقق العدالة ويبني المستقبل المنشود. وعليه، تبقى مسؤولية الإصلاح جماعية، تتضافر فيها جهود الدولة والمجتمع والمواطن في إطار إرادة سياسية تضع المصلحة العامة نصب عينيها، تحت ظل الثوابت الوطنية وبقيادة مؤمنة بوحدة المغرب وتنوعه وتطلعه إلى الغد الأفضل. ووطنيتنا وإيماننا بالإصلاح ستنتصر لا محالة في ظل رائد النهضة الشاملة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، ونسأل الله التوفيق والسداد والنجاح لمغربنا العزيز في مسيرته التنموية المتواصلة.
ابراهيم الشاهد
نائب الريس المكلف بالحكامة الترابية
بالهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية
منسق جهة سوس ماسة.
#المحاسبة .03 #الشفافية #المحاسبة #الشفافية ً