23/08/2026
أرشيف ضاع… وحقوق خريجين لا يجوز أن تضيع معه
من أكثر الملفات التي تستحق معالجة هادئة وجادة في قضية التعليم العالي الخاص في ليبيا، ملف أرشيف النتائج والسجلات الدراسية، ليس باعتباره مشكلة إدارية عابرة، وإنما باعتباره ملفًا يمس مباشرة المراكز القانونية لآلاف الطلبة والخريجين الذين أدوا دراستهم في مؤسسات كانت تعمل تحت إشراف الجهات المختصة، ثم وجدوا أنفسهم بعد سنوات مطالبين بإثبات وقائع كانت الدولة نفسها مسؤولة عن تسجيلها وحفظها.
والأهم أن هذا الملف لم يظهر اليوم، ولم يكن مجهولًا للوزارة أو للجهات الإدارية المختصة؛ فقد صدر قرار وزير التعليم العالي والبحث العلمي رقم (179 لسنة 2013) بتشكيل لجنة مختصة لدراسة ومعالجة مشكلات التعليم العالي الخاص، وكان من بين الملفات الأساسية التي تناولتها اللجنة مشكلة أرشيف النتائج والسجلات المفقودة وما ترتب عليها من تعقيدات أمام الخريجين.
وبحسب ما توصلت إليه اللجنة من توصيات، وُضعت آلية عملية لمعالجة المشكلة وإعادة تنظيم أوضاع الخريجين والبحث في مستنداتهم ومصادر إثبات دراستهم، وبدأ العمل على تنفيذ تلك التوصيات بالفعل خلال فترة قصيرة، إلا أن الأحداث التي شهدتها البلاد، ومنها حرب المطار، أدت إلى توقف عمل اللجنة وتعطّل تنفيذ ما توصلت إليه، ثم تعاقبت الحكومات والإدارات، وبقي الملف معلقًا، وبقي معه آلاف الخريجين عالقين بين وثيقة ضاعت وسجل لم يُحفظ وحق لم يُحسم.
وهنا يجب أن نتوقف عند قاعدة إدارية وقانونية بسيطة: الطالب لم يكن أمينًا على أرشيف الدولة، ولم يكن مسؤولًا عن حفظ نتائج زملائه أو سجلات جامعته أو معهدِه، ولم يكن هو من يمنح إذن المزاولة أو يراقب المؤسسة أو يستلم النتائج ويحفظها في مخازن الوزارة.
فإذا كانت جهة الإدارة قد طلبت من المؤسسات كشوف الطلبة والنتائج، وتسلمتها أو كان واجبًا عليها تسلمها وحفظها، ثم فُقد جزء من ذلك الأرشيف، فلا يجوز منطقيًا ولا عدلًا أن تتحول مشكلة الحفظ الإداري إلى قرينة ضد الطالب حسن النية.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين عدم وجود السجل وبين ثبوت عدم وجود الدراسة.
فالأول مشكلة أرشيف وإثبات، أما الثاني فيحتاج إلى دليل.
كما أن فقدان ملف الطالب لا يساوي تزوير إفادته، وعدم العثور على اسمه في أرشيف ناقص لا يثبت بذاته أنه لم يدرس، كما أن تعذر الوصول إلى سجل قديم لا ينبغي أن يؤدي تلقائيًا إلى إسقاط مركز قانوني نشأ قبل سنوات في ظل تعامل رسمي مع المؤسسة والطالب والنتائج.
ولهذا فإن أي مراجعة جادة للمؤهلات يجب أن تبدأ من سؤال مختلف: ما الذي كان موجودًا وقتها؟ ومن كان مسؤولًا عن حفظه؟ وما الذي يمكن إعادة بنائه اليوم من مصادر أخرى؟
فالسجل يمكن إعادة بنائه من أكثر من مصدر: المؤسسة التعليمية، كشوف القبول، النتائج الفصلية والنهائية، كشوف الخريجين، الإفادات الأصلية، التصديقات السابقة، سجلات إدارة التعليم العالي الخاص، المراسلات الرسمية، والوثائق الموجودة لدى الجهات الحكومية المختلفة.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة المؤسسية، لا مسؤولية شخص بعينه قبل التحقيق. فإذا ثبت أن أرشيفًا رسميًا كان تحت إشراف جهة عامة ثم فُقد أو أُهمل أو لم يُحفظ وفق الأصول، فإن الواجب ليس البحث عن الحلقة الأضعف وتحميلها كامل النتيجة، وإنما فتح تحقيق إداري وفني وقانوني مستقل لتحديد أين كان الخلل، ومتى حدث، ومن كانت عليه مسؤولية الحفظ والمتابعة، وما الإجراءات التي اتخذت بعد اكتشاف المشكلة.
والأهم من ذلك: لماذا بقي قرار 179 لسنة 2013 وتوصيات اللجنة التي شُكلت بموجبه دون استكمال حقيقي رغم أن المشكلة كانت معروفة، وكانت لها توصيات وحلول مقترحة؟
هذا السؤال لا يُطرح للتشهير بأحد، ولا لتصفية حساب مع إدارة سابقة أو حكومة سابقة، وإنما لأن استمرار المشكلة أكثر من عقد يعني أن هناك تراكمًا إداريًا يحتاج إلى مراجعة مؤسسية حقيقية.
فالخريج الذي درس، ونجح، وتخرج، وتسلم إفادته، وتعامل مع الجهات الرسمية على أساسها، ثم وجد بعد سنوات أن سجله غير متاح بسبب مشكلة في الأرشيف، لا ينبغي أن يكون هو الحلقة التي تدفع ثمن هذا الخلل.
بل إن العدالة الإدارية تقتضي أن تكون له آلية رسمية واضحة لإثبات حقه وإعادة بناء ملفه وتسوية وضعه، مع تمكينه من تقديم ما لديه من مستندات وشهادات وقرائن، وعدم معاملته كمشتبه فيه لمجرد أن أرشيف الجهة التي كان يفترض أن تحفظ مستنداته لم يعد متاحًا.
ولا يعني هذا بأي حال حماية مزور أو منح مؤهل غير مستحق حصانة؛ فإذا ثبت التزوير بدليل واضح، فالقانون يجب أن يأخذ مجراه، وأن يتحمل كل من شارك فيه مسؤوليته، سواء كان داخل المؤسسة التعليمية أو خارجها.
لكن العدالة لا تكون عادلة إذا ساوت بين المزور وبين خريج حسن النية فقدت الدولة أرشيفه.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد البحث عن إجابة لسؤال: «أين ملف الطالب؟»، وإنما تفعيل معالجة مؤسسية متكاملة تبدأ بإعادة فتح ملف الأرشيف، ومراجعة توصيات اللجنة المشكلة بموجب القرار 179 لسنة 2013، وتقييم ما تم تنفيذه منها وما تعطل، وإعادة بناء السجلات من مصادرها المتعددة، وإنشاء مسار رسمي للتظلم والتسوية، مع تحديد المسؤوليات الإدارية عن أي تقصير يثبت بالتحقيق.
والاعتذار الرسمي للخريجين الذين ثبت تضررهم من خلل إداري ليس ضعفًا من الدولة، بل قوة مؤسسية واعترافًا بأن المواطن الذي وثق بمؤسسات دولته لا ينبغي أن يتحمل وحده نتيجة خلل لم يكن طرفًا فيه.
أما التعويض، فلا ينبغي إطلاقه كشعار؛ وإنما يجب أن يُبحث قانونيًا لكل حالة، وفق ثبوت الضرر وعلاقته بالخطأ الإداري وأحكام المسؤولية النافذة. فإذا ثبتت مسؤولية الإدارة وضرر المواطن، فبحث جبر الضرر يصبح حقًا قانونيًا لا منّة.
لقد وثق هؤلاء الطلبة بأن الدولة التي سمحت للمؤسسة بالعمل، وأشرفت على التعليم، وتسلمت النتائج، وصدقت المستندات في مراحل مختلفة، ستحتفظ بسجلهم وتحمي مركزهم القانوني.
ومن غير العدل أن تطلب الدولة اليوم من المواطن أن يثبت ما كان من واجب مؤسساتها أن تحفظه.
ولهذا فإن الأمل الحقيقي ليس في إغلاق الملف، ولا في إسقاط حقوق الخريجين، وإنما في تفعيل القرار 179 لسنة 2013، وإحياء المعالجة التي توقفت، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن ضياع الأرشيف أو تعطيل الحلول، وإنصاف من ثبتت سلامة موقفه، وحماية الدولة في الوقت نفسه من أي مؤهل مزور.
فالغاية ليست تبرئة قطاع ولا إدانة قطاع؛ الغاية أن يعرف كل صاحب حق أين يقف، وأن يعرف كل مخالف أن القانون سيصل إليه، وأن لا يتحول إهمال الإدارة إلى مأساة جديدة في حياة إنسان وثق بدولته.