17/08/2026
وكم كان بكِ يا أندلس من مآسٍ!
حكاية مصحفٍ نام خمسة قرون خلف جدار
ما أقسى أن يقرأ المرء تاريخ الأندلس لا من كتب الفتوح والملوك وحدها، بل من كتابٍ عُثر عليه بعد خمسة قرون خلف جدار!
في سنة 1492م سقطت غرناطة، وانتهى الحكم الإسلامي السياسي في الأندلس، لكن قصة المسلمين لم تنتهِ يومئذٍ.
فقد بقيت أجيال من المسلمين في البلاد، ثم اشتدت عليهم القيود، وضُيّق على دينهم ولغتهم وكتبهم، حتى صار الاحتفاظ ببعض الكتب الإسلامية أمرًا محفوفًا بالخطر.
وفي قرية كُوتَر، من أعمال مالقة في الأندلس، حفظ لنا التاريخ واحدة من أبلغ الشهادات على تلك المرحلة.
كان في القرية فقيه وإمام يُدعى:
محمد بن علي بن محمد اليَيّار الأنصاري.
وتصفه الدراسات بأنه كان فقيه كُوتَر وإمام مسجدها، وقد ترك وراءه مجموعة من المخطوطات التي تكشف جانبًا من الحياة العلمية والدينية للمسلمين في أواخر العصر النصري وبدايات العصر الموريسكي.
كان لديه كتاب في الفقه وأحكام المواريث والزواج، وصيغ التوثيق، والحساب، وأحاديث النبي ﷺ، إلى جانب كتاب آخر اشتمل على أشعار وخطب وأدعية ومواد دينية ومعارف أخرى.
ثم جاء زمن المحنة...
فأُخفيت هذه الكتب داخل جدار أحد البيوت في كُوتَر.
وظل الجدار صامتًا.
وظلت الكتب وراءه.
ومضت الأعوام...
ثم القرون...
حتى جاء يوم 30 يونيو 2003م.
كان العمال يقومون بأعمال في أحد المنازل، فإذا بهم يعثرون داخل الجدار على ثلاثة مجلدات عربية ووثائق أخرى ظلت مخفية منذ أوائل القرن السادس عشر.
وكان من بينها مصحف عجيب يرجح الباحثون أن تاريخه يعود إلى أواخر القرن الثاني عشر أو أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، أي إنه أقدم من زمن اليَيّار نفسه بقرون، ثم صار لاحقًا ضمن مكتبته أو حيازته.
وهنا تكمن روعة القصة...
المصحف أقدم من صاحبه بقرون، لكن الجدار حفظه مع كتب صاحبه حتى وصل إلينا.
لم يكن ذلك المصحف مجرد أوراق قديمة.
كان شاهدًا على تاريخ طويل من العلم والعبادة والكتابة في الأندلس.
وكانت الكتب الأخرى شاهدًا على صاحبها نفسه؛ فبين صفحاتها بقيت آثار من عمل الفقيه وحياته، بل نجد فيها إشارات إلى أحداث عاشها المسلمون في تلك السنوات العصيبة.
ثم أُخرجت المخطوطات من ظلمة الجدار إلى نور العصر الحديث، ورُممت وحُفظت في الأرشيف التاريخي الإقليمي بمالقة، وأصبحت موضوعًا لدراسات جامعية متخصصة. وقد نشرت جامعة مالقة سنة 2016م عملًا علميًا جامعًا عن مخطوطات كُوتَر، يضم دراسة محتوياتها وصورها ووثائقها.
يا أندلس...
كم من كتابٍ خرج مع صاحبه؟
وكم من كتابٍ بقي في الدار؟
وكم من مصحفٍ خبأته يدٌ مؤمنة خوفًا عليه، ثم غاب صاحبه وبقي الكتاب؟
إن جدران البيوت الأندلسية لم تحفظ حجارةً فقط...
لقد حفظت ذاكرة أمة.
وهذا المصحف الذي بقي وراء الجدار أكثر من خمسة قرون يقول لنا شيئًا عظيمًا:
أن الحضارات لا تختفي كلها يوم تسقط دولها، وأن آثار العلم قد تنجو ولو ضاعت المدن، وأن الكتاب قد يعيش أطول من صاحبه، وأطول من دولته، وأطول من ذاكرة من ظنوا أن كل شيء قد انتهى.
خرجت الأندلس من يد المسلمين...
لكن بعض كتبها بقيت تتنفس في الظلام.
ثم جاء عام 2003م، فانفتح الجدار، وكأن التاريخ نفسه أراد أن يقول:
لم يضع كل شيء...
فهنا مصحف.
وهنا كتب.
وهنا خط فقيه أندلسي.
وهنا أثر أمة عاشت وعلمت وكتبت، ثم مرّت بها المحنة، فبقي من تراثها ما يشهد عليها بعد قرون.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
رحم الله أهل الأندلس، ورحم علماءها وفقهاءها، وحفظ الله تراث المسلمين من النسيان والتزييف.
ولا غالب إلا الله
أبي الحسن المصرى