17/09/2026
نعي لفقيد أهل العلم في ليبيا…
. رحيلُ شيخٍ من شيوخ الإسناد والرواية في ليبيا
"إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، تلقّى مجمع القرآن الكريم بليبيا نبأ وفاة فضيلة الشيخ المسند السيد:
( نافع بن العربي بن أحمد الشريف السنوسي)
رحمه الله تعالى
أحد رجال الرواية والإسناد، ممن بقيت بهم صلةٌ حيةٌ بين أجيالٍ من أهل العلم، وممن حملوا في صدورهم شيئًا من أمانة العلم التي لا تُستوفى صفحات الكتب وحدها، وإنما تُعرف برجالها، وتُصان بأسانيدها، وتنتقل من صدرٍ إلى صدر، ومن شيخٍ إلى تلميذ.
وإن رحيل أهل الإسناد ليس فقدَ رجلٍ فحسب؛ فإن العالم الراحل يحمل معه طرفًا من تاريخ العلم الذي تلقاه، وأسماء شيوخه، ووجوه أخذه وأدائه، وذكريات مجالس لم تكتب كلها في الكتب، ولذلك كان موت العلماء إيذانًا بانطواء صفحةٍ من صفحات المعرفة الحية، ما لم تسارع الأيدي الأمينة إلى جمع ما بقي من آثارها وتوثيقها قبل أن يذهب بذهاب أهلها.
وقد عُرف الشيخ نافع السنوسي في أوساط أهل الرواية والإجازة، وورد اسمه في عدد من فهارس أهل العلم ومصادر الإسناد، في سياق يدل على صلته بمجالس الرواية والتلقي، كما يتصل نسبه ببيتٍ عُرف في ليبيا بالعلم والقرآن والحديث، وكان لأهله حضورٌ في سلسلة التعليم والرواية والإجازة. وتذكر المصادر صلته بعدد من رجال أسرته وأهل العلم، كما ترد الإشارة إلى صلته بالسيد إدريس السنوسي رحمه الله تعالى؛ غير أن تفاصيل طرق الرواية ومراتب السماع والإجازة، وأسماء الشيوخ على وجه الاستقصاء، تظل مما ينبغي أن يُجمع من أصوله ووثائقه، وأن يُحرر تحريرًا علميًا لا يخلط بين القرابة والرواية، ولا بين مجرد اللقاء وثبوت السماع والإجازة.
وإن المجمع، وهو ينعى هذا الشيخ الليبي من شيوخ الإسناد، يرى في وفاته مناسبةً لاستعادة معنى كاد يخفى في زماننا: أن للعلم أوطانًا ورجالًا وأسانيد، وأن من الوفاء للعلماء ألا ننتظر رحيلهم لنكتشف ما كان في صدورهم، ثم نبحث بعد ذلك عما ضاع من آثارهم.
فكم من شيخٍ كان يحمل إجازةً أو روايةً أو سماعًا أو معرفةً لا توجد في كتاب، وكم من سندٍ كان يصل حاضر هذه الأمة بماضيها ثم انقطع بموت حامله؛ وليس من حسن التدبير أن نترك هذه الكنوز تتفرق، ثم نطلبها في خزائن البلاد الأخرى. وإن من المؤسف أن يجد طالب العلم الليبي نفسه أحيانًا يلتمس سماعًا عن عالمٍ ليبي في مجلسٍ خارج ليبيا، أو يروي عنه بطريقٍ غير ليبي، مع أن الأصل أن تكون لعلماء البلاد مجالسهم، ولطلابها صلتهم المباشرة بهم، ولأسانيدها مواضعها المحفوظة في سجل العلم الليبي.
ومن هنا فإن مجمع القرآن الكريم بليبيا يجدد دعوته إلى العناية برجال العلم في ليبيا وهم أحياء، وإلى إحياء مجالس السماع والإقراء والإجازة، وجمع أسانيد القراء والمحدثين والعلماء، وتوثيق تراجمهم ومروياتهم وإجازاتهم، وإنشاء سجلٍّ علميٍّ يحفظ هذا الميراث للأجيال؛ فإن حفظ الإسناد ليس ترفًا من ترف العلم، وإنما هو حفظٌ لذاكرة الأمة، وصيانةٌ لطرق تلقيها، وربطٌ لحاضرها بماضيها ربطًا موثقًا أمينًا.
ولا ينبغي أن تبقى هذه المهمة رهينة مبادرات الأفراد؛ بل هي مما تتعاون فيه المؤسسات العلمية والقرآنية والجامعات والمراكز البحثية، وفي مقدمتها المؤسسات التي أنشئت للعناية بالقرآن الكريم وعلومه والحديث النبوي ومناهج التلقي؛ حتى تسترد ليبيا شيئًا من تقاليدها العلمية الأصيلة، وتعرف علماءها، وتجمع آثارهم، وتفتح للطلاب أبواب الأخذ عنهم، فإن العلم إذا انقطع سنده، وانقطعت مجالسه، لم تعوضه كثرة الكتب وحدها.
والمجمع إذ يتقدم بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى أبناء الفقيد وأهله، وإلى الأسرة السنوسية الكريمة، وإلى أهل العلم وطلابه، ومريديه ومحبيه، وإلى عموم أهل ليبيا، يسأل الله تعالى أن يجعل مصابهم مصابًا مأجورًا، وأن يتقبل فقيدهم في الصالحين، وأن يرفع درجته في المهديين، وأن يجزيه عن العلم وأهله خير الجزاء.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، ونوّر قبره، وارفع درجته، واجعل ما حمله من العلم، وما أدّاه من الرواية، وما علّمه وأفاد به، في ميزان حسناته، وألحقه بالصالحين، واجمعه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في دار كرامتك.
رحم الله الفقيد: نافع بن العربي الشريف السنوسي، ورحم علماء ليبيا الذين مضوا، وحفظ من بقي منهم، ووفق أهل العلم والمؤسسات إلى أن يأخذوا عن علمائنا وهم بين أظهرنا، وأن يحفظوا أسانيدهم وآثارهم قبل أن تطوى الصحائف برحيل أصحابها.
✍️ قسم الإجازات والأسانيد
بمجمع القرآن الكريم بليبيا