01/06/2026
عزيزي الوطني الغيور.. جرّب أن تذهب في رحلة سياحية إلى سبها، لا أقول القطرون أو تجرهي.. سبها فقط.. نصف المسافة.
عُدّ الدوريات والبوابات التي ستقابلك، وعدد الملصقات العسكرية وأكواد الكتائب والأجهزة التي ستراها، وعدد المرات التي يقترب فيها الأفندي من نافذتك برائحة سيجارته القبيحة.
ثم اسأل نفسك سؤالا واحدا فقط.. كيف عبر "المودير" كل هذه البوابات، دون أن يوقفه ولو أفندي واحد من هؤلاء الزملاء؟
عمرك سألت نفسك.. علاش ما فيش ولا مرة في حياتك شفت رحلة مهاجرين كيف واصلة؟ سيارة كيف نزّلتهم؟ لا أنت ولا واحد من شارعكم، ولا عشرات أقاربك، ولا كل المدينة، ولا حد في المدن والقرى المجاورة.. شاف ولو مرة وحدة دفعة مهاجرين فالطريق؟
فيه آلاف مؤلفة من المهاجرين مقبوض عليهم في كامبوات ومراكز احتجاز... كم مرة تم القبض على مهربين؟
الإجابة ليست سرا.. المهاجر ليس موجودا هنا بالصدفة، ولا يتحرك من تلقاء نفسه، بل لأن أحدا تاجر في يأسه وأقنعه أن هناك شيئا يستحق الوصول إليه. باع ما يملك، أو استدان، ودفعه كله مقدّماً، لأن هذا هو الخيار المتاح أمامه، ومن باع له الحلم يعرف هذا جيدا.
المال يدفع عبر شبكات حوالة غير رسمية، بلا أوراق ولا أثر، تحويلات تنطلق من دبي ومن عواصم أفريقية ومن مدن آسيوية.. لكنها لا تصل دفعة واحدة.
هنا جوهر الشبكة.. المهاجر لا يُسلم مجانا، بل يجري تسليمه بالتقسيط، كل بوابة تفتح له بعد أن يتأكد الوسيط أن الدفعة وصلت، الصحراء كلها قسمت إلى محطات، وكل محطة لها ثمن، وكل ثمن له مستلم.
التكتم ليس خوفا.. التكتّم ضرورة تجارية. الشبكة تنهار إذا ظهرت، لذلك.. لا يظهر المهاجر سوى في نقطة الوصول الأخيرة.. فجأة يخرج من العدم في أكبر مدن البلاد.. بعد ان قطع آلاف الكيلومترات.
ما تراه في الشارع ليس فشل الرقابة.. بل هو دليل نجاحها، نجاح منظومة مختلفة تماما، يتربح منها أكبر الأفنديات والمسؤولين الذين تصفق لهم، تجارة بمليارات الدولارات، وبتحويلات دولية معقدة.
لذلك.. عزيزي المواطن.. عندما تعتدي على مهاجر ضعيف مسكين، أنت لا تظهر وطنيتك، ولا تحل أي مشكلة، أنت فقط تعلن إفلاسك الأخلاقي، وفي المساء.. سيصل عشرة مهاجرين آخرين.. أنت تعرف جيدا من يجلبهم ويقبض ثمنهم.. من يؤمّن دخولهم في الجنوب ومن يستقبلهم في الشمال.. لكنك لا تجرؤ على مهاجمته... ولا حتى ذكر اسمه.
قضية الهجرة مشكلة حقيقية، تستحق محاسبة حقيقية.. لكن المحاسبة يجب تبدأ من الجهة المسؤولة.. ممن يملك السلاح والمال والقرار، لا من أضعف حلقاتها.