دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة

  • Home
  • Libya
  • Tripoli
  • دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة
Call Directions Website Contact the organization

دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة الصفحة الرسمية (البديلة) لدار الإفتاء الليبية, إقرأ المزيد...
(1)

25/08/2026
23/08/2026

الحلقة 403 مِن كتاب (المنتخب من صحيحِ التفسيرِ) للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.
__________________________________
لقراءة النسخة كاملة بالتخريج والهوامش على الرابط في أول تعليق.
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
- الحلقة (403)
[سورة الأعراف: 196-200]
(إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ ‌وَهُوَ ‌يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ)(196-198)
مما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله للمشركين: لم أُبالِ بكم؛ لأن وليّي وناصري هو الله، الذي يتولاني، وهو الذي نَزَّل القرآن، فكما أَيّدني بالقرآن، يُؤيّدني بنصره وحفظه، وهو الذي يتولّى كلّ مَن آمن بالله وصلح عمله.
وقوله (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) تقدّم تفسير نظيره آنفاً( )، وأُعيدت تطمينًا للنبي صلى الله عليه وسلم وتأكيدًا للرد عليهم، ولتسجيل عجزهم بأبلغ وجه؛ لأنهم خَوَّفوه صلى الله عليه وسلم أنّ أصنامهم سَتمَسُّه بسوء، ولو كانت لها قدرةٌ لأظهرتْها عند التحدِّي المتكرِّر.
والخطاب في قوله (وَإِن تَدْعُوهُمْ) يصحّ أن يكونَ للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وضمير الهاء المنصوب في (تَدْعُوهُمْ) للكفار، فإن تدعوهم لا يستجيبون، ولعدم استجابتهم سُوُّوا بمَن لا سمعَ له ولا بصر؛ لعدم انتفاعهم بأسماعِهم وأبصارهم.
ويصحُّ أن يكون الخطاب في (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ) للمشركين، عطفًا على قوله (قُلِ ادْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ) قل لهم: ادعوا شركاءكم لتصنعوا وإياهم بي ما شئتم، وقل لهم أيضا: لو دعوتم الأصنام التي تعبدونها (إِلَى الْهُدَى) وما فيه نفعٌ ورشادٌ لا تَسمعُكم؛ لأنها جمادات.
والخطاب في قوله (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ) لكل مَن تتَأتى منه الرؤية، وترى أيها الناظر إلى الأصنام والمعبودات كأنها تنظر إليك، ولكنها لا تبصِر ولا تسمَع، وكذلك الكفار الذين لم ينتفعوا بالهدى، تَراهُم إذا دعوتَهم إلى ما ينفعهم، ينظرونَ إليك وهم لا يبصرون ولا يتفقهون ما تقولُ لهم، ولا يتبصّرون، كأنّهم خشبٌ مسندةٌ، أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعُرون.
(خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(199-200)
بعد تسفيه المشركين المتكرر في هذه السورة على عبادة الأحجار، وتوعدهم بالعذاب، وتخويفهم بما حَلَّ بمَن كان قبلهم، وإقامةِ الحجة بعد الحجة عليهم، أَمَر الله النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا عامًّا بالعفوِ والصّفح، حتى لا يَحمله ما عليه المشركونَ من العناد والضلال على اليأسِ منهم، وتركِ الرِّفق بهم في دعوتهم بالتي هي أحسَن، فقال تعالى له (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ).
والْعَفْو الذي أمر بأخذِه: هو التساهلُ والصّفحُ والرفق، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل مَن يعنيه أمر المسلمين مِن وُلاة أمورهم، جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، فَوَ اللهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ، وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ ‌بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِینَ﴾، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ)( ).
والآيةُ عامةٌ في معاملةِ المؤمنينَ وغيرِ المؤمنين، ففيما يتعلقُ بالمؤمنين معناها: تَساهلْ واقبَلْ منهم ما تيسّر لهم، ولا تُدقّق معهم وتُجهِدْهم، وارضَ مِن الصدقَة بفضْل أموالهم، وما زاد عن نفقتهم، واصفحْ عمَّن أذنَبَ، وفي غير المؤمنين: تغاضَ عن إساءاتِ السفهاء بالطعن والسبِّ واللَّمْز، ولا تؤاخذْهم بها، كما قال تعالى في مدح المؤمنين: ﴿وَإِذَا ‌سَمِعُوا۟ ‌ٱللَّغۡوَ ‌أَعۡرَضُوا۟ عَنۡهُ وَقَالُوا۟ لَنَاۤ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَیۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِی ٱلۡجَٰهِلِینَ﴾( )، وقال تعالى عن عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغۡوِ ‌مَرُّوا۟ ‌كِرَامࣰا﴾( ).
والعُرْف: المعروف الذي تقبله النفوس، ولا تُنكره، لو خُلّيت وفِطرتها السليمة، وتَسْتَحسِنه، مما هو مِن محاسنِ العاداتِ ومكارمِ الأخلاق، و(الْجَاهِلِينَ) من الجهل بمعنى السَّفَه والغِلظة وعدم الحِلْم، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
ألَا لَا يَجهلنْ أحدٌ علينا ** فنجهلَ فوقَ جَهلِ الجاهلينَا
وقد جَمعت الآية مكارم الأخلاق؛ من معاملة الناس بالرّفق مسلمينَ وغير مسلمين، والأمرِ بالمعروف، وترك كلّ ما هو منكر، وعدمِ المؤاخذة على الإساءة بالإعراض عن السفهاء، وذكرَ الحافظ بن حجر في فتح الباري عن جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمعُ لمكارم الأخلاق من هذه الآية: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)( )، وقال عبد الله بن الزبير: "ما أنزل الله إلَّا في أخلاق الناس"( )، أي ما أنزلَ الله هذه الآيةَ.
وجماعها للخير: هو في حسن المعاشرة مع الناس، ومنها: أن تَصِلَ من قَطَعك، وتُعطيَ من مَنَعك، وتَعفوَ عمّن ظَلَمَك، وتُرشدَ إلى الإحسان، والمداراةُ معهم، والإغضاء عن مساوئهم، قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)( ).
وهي عامّة، ولا يُستثنى من عمومها إلا ما خصّه الدليل، فيما يجب فيه الأخذ بالشدّة والعقوبة، وذلك عندما تُنتهَك حرماتُ الله، أو يكون العدوّ ميؤوسًا منه متماديًا على إجرامه، وهو ما دلّت عليه نصوص أخرى من الوحي، في مثل قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ ‌جَٰهِدِ ‌ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِینَ وَٱغۡلُظۡ عَلَیۡهِمۡ﴾( )، وقوله: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِینَ ‌یَلُونَكُم ‌مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡیَجِدُوا۟ فِیكُمۡ غِلۡظَةࣰ﴾( )، وقوله في سياق المدح: ﴿وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَابَهُمُ ‌ٱلۡبَغۡیُ ‌هُمۡ یَنتَصِرُونَ﴾( ).
والخطابُ في (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) للنبي صلى الله عليه وسلم، وتدخُل فيه أمّتُه، وفيه طلبُ الاحتراس من الشيطان، فإنه قد يُلقي في القلب الضجر من الإعراض عن الجاهلين، والصفح عن المشركين، أو الإعراضَ عن الأمر بالمعروف؛ لقلّة السامعين، وكثرة المعرضين، فإذا ما وَردتْ على القلب خواطر من هذا، فَاسْتَعِذْ وبادرْ واطلبْ على عجل الالتجاءَ إلى الله، والاحتماءَ به من وسواس الشيطان، ولا تتمهلْ؛ حتى لا تستقرَّ الخواطر، وتتمكن في القلب، وإذا ما فعلتَ فإنّ الله سميع عليم، يقيك شرّ الشيطان ونزغِه؛ لأنّ الله يسمع استجارتَك به، ويعلم التجاءَك إليه، فلا يتركك له.
والنبي صلى الله عليه وسلم عصمه الله من الشيطان، وإنما يستعيذ ويستجير بالله إظهارًا للمنّة، وتحصيلًا لإدامَة العصمة، وليكون قدوة للمسلمين في ذلك، وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ)( )، رُوي الحديث بلفظ الماضي (أَسْلَمَ) صار القرين مسلمًا لا يضرني، وروي بالمضارع (فَأَسْلَمُ) بضم الميمِ للمتكلم، بمعنى: أَسلَمُ من نزغه ووسواسِهِ.
فـ(يَنزَغَنَّكَ) من النَّزْغ بمعنى النَّخْس والغَرْز، ومعناه هنا: الوسوسة؛ لأنها لخفائها كالغرز والنخس، والتنكير في (نَزْغٌ) للتقليل، للتنبيه على ألا يُتَساهَل في قَبول وسوسته شيء وإن قَلَّ، والفاء في (فَاسْتَعِذْ) للتفريع والتعقيب، والسينُ والتاء للطلب؛ فإنْ أصابك شيءٌ من وسوسة الشيطان فبادرْ على عجلٍ إلى التعوّذ باللهِ منه.

18/08/2026

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
رقم الفتوى (6555)
ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

أخو زوجتي -والعياذ بالله- يسب الجلالة، فكيف يكون التعامل معه؟ وما حكم إبقاء زوجتي في عصمتي؛ لأنها أوَّلتْ كلامَه بدعوى أن مراده بـ(الربّ) ربّ البيت؟ وهل مِن حقي منعُها ومنع أبنائي من التواصل مع أخيها ومع أهلها من أجل ذلك؛ لأنهم متساهلون مع ابنهم، ولم ينكروا عليه؟

الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:

فسبُّ الله عز وجل وسب الرب كفرٌ يخرجُ من الملة، لا يقوله إلا مَن خَلا قلبه من الإيمان، إذْ كيف يسبُّ العبدُ الضعيف ربَّه وخالقَه ورازقَه، قال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ) [النحل: 53]، وقد نهى الله تبارك وتعالى المسلمين أن يسبوا آلهة المشركين -وهي مستحقةٌ للسبّ- نهاهم عن ذلك كي لا يسبَّ المشركون اللهَ عز وجل انتقامًا لها، قال تعالى: (وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ) [الأنعام: 108]، فكيف بسبِّ الله العظيم من المسلمين؟!
قال ابن راهويه رحمه الله: "وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ سَبّ اللهَ عز وجل ، أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ… وَهْوَ مَعَ ذَلِكَ مُقِرٌّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَنَّهُ كَافِرٌ" [التمهيد: 4/226]، وقال تعالى عن استهزاء المنافقين بالنبي ﷺ وأصحابه: (وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ) [التوبة: 65-66]، وسابُّ الله تعالى أوْلى بهذا الحكم قطعًا، وصار بذلك مرتدًّا، حلالَ الدم والمال، فإنْ تابَ وإلّا قُتل، قال النبي ﷺ: (مَنْ ‌بَدَّلَ ‌دِينَهُ ‌فَاقْتُلُوهُ) [البخاري:3017].
فعلى مَن وقع في هذا الجرم العظيم أنْ يبادرَ بالتوبة والرجوعِ لدين الإسلام، كي لا يموتَ على هذه الحال، وأن يُكثر من الاستغفار والندم على ما فات، عَلّ الله يغفرُ له.

والواجبُ على من يسمع هذا الكفر الإنكارُ على فاعله بما يقدر، كما قال ﷺ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) [مسلم: 49]، وعليه مفارقته وعدم الجلوس معه حال وقوعه في هذه الجريمة، إن لم ينته عنها، قال تعالى: (وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ) [النساء: 140]، فينكر على القائل ويغلظ عليه في الإنكار، ويَرفع أمره إلى الجهات القضائية والنيابية ليأخذوه ويوقعوا عليه العقاب الشرعي، ولا يتهاون من رآه على تلك الحالة في رفعه إلى القضاء؛ لأن هذه دعوى حسبة، واجب رفعها على كل مسلم وقعت أمامه.

ويُشرع هجرُ ومقاطعة من وقعت منه هذه الجريمة إلى أن يتوب، قال تعالى: (قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ) [الممتحنة: 4].

وتأويل الزوجة لكلام أخيها الظاهرِ في الكفر خطأٌ كبير، لكنه يدلُّ على إيمانها، حيثُ لم ترضَ بظاهره، فلم يكن فعلها ردّةً توجبُ فراقها، والواجبُ على الزوج الصبرُ على نصح زوجته، وبيانُ أن الأمور المتعلقة بذات الله وعظمته وجلاله أمورٌ عظيمة، لا ينبغي التساهلُ فيها، أو الاستهانة بها، أو التماسُ العذر لمقتحمها، ولو كان أقربَ قريب، قال تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ) [المجادلة: 22].

ومن حق الزوج أن يمنع زوجته من زيارة أخيها، وأهلها إن كانوا يتساهلون في إطلاق مثل هذه الألفاظ المخرجة من الملة ويبررونها، وإذا احتاجت إلى زيارتهم فهي التي تدعوهم إلى بيتها بحضور زوجها، رفعا للضرر عنه وعن أهل بيته، وإن عدل أهل الزوجة عن هذا التساهل واستنكروا مثل هذه الموبقات فليس له أن يمنعها من زيارة أهلها، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
لجنة الفتوى بدار الإفتاء
مفتي/ عصام بن علي الخمري
مفتي/ عبد الرحمن بن حسين قدوع

يعتـــــمــــد
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني/ مفتي عام ليبيا
3/ربيع الأول/1448ه
16/ 8/ 2026م

16/08/2026

إن اغتبتَ إنسانًا، سواءً كان ما قلتَ صدقًا أو كذبًا، فإذا تُبتَ يجبُ عليك أن تستحلَّه، أي تطلبَ منه المسامحة، وهذا قولُ الجمهور، وهناك قولٌ آخر: أن تُكثر من الاستغفار له.

قال النبي ﷺ " مَن كانت عنده مَظلمةٌ لأخيه فليتحلَّلْه منها؛ فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ، من قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات أخيه فطُرِحت عليه "

لفضيلة الشيخ / أمين عام دار الإفتاء الليبية.

14/08/2026

الحلقة 402 مِن كتاب (المنتخب من صحيحِ التفسيرِ) للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.
__________________________________
لقراءة النسخة كاملة بالتخريج والهوامش على الرابط في أول تعليق.
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
- الحلقة (402)
[سورة الأعراف: 191-195]
(أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ أَلَهُمۡ ‌أَرۡجُلٞ ‌يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ)(191-195)

الكلامُ في قوله (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) عن مشركي مكة، والاستفهامُ للإنكار عن فعلهم، والتعجيبِ من حالهم، كيف أنهم إذا خافوا أمرًا دَعوُا الله، ثمّ إذا استجابَ لهم، عادُوا إلى إشراكهم، وألّهوا وعبدُوا مخلوقًا لا يخلق شيئا ولا يَقدِر على شيء، لا يَقدِر على نفع ولا ضرٍّ، وهم وما يعبدون من دون الله مخلوقون لله، يتركون الخالق القادر، ويتعلّقون بالمخلوق العاجز مثلِهم، بل ما يعبدونَهم من الأصنام أعجزُ منهم (وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) وهذا تصويرٌ لتمام غفْلة المشركين، وغياب عقولهم، يعبدون ما لا يَقدِر على نُصرتهم، ومَن هم بحاجة إلى النصرة، آلهة لا تقدرُ أن تمنع نفسَها ممن أرادها بسوء.

وقد أخبر الله تعالى بذلك في قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمۡ ‌جُذَٰذًا إِلَّا كَبِیرࣰا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَیۡهِ یَرۡجِعُونَ﴾( ) ولما قال إبراهيم للمشركين: اسألوهم مَن فعلَ هذا إنْ كانوا ينطِقون، قالوا: ﴿لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰۤؤُلَاۤءِ ‌یَنطِقُونَ﴾.
فشركُ الأوَّلينَ والآخرينَ واحدٌ، أَلَّهُوا وعبدوا مَن لا يستطيعونَ لهم نصرًا، ولا أنفسَهم ينصُرون، ولما قال أبو سفيان يوم أحد: اعلُ هُبل، وقال: لَنَا العُزَّى، وَلاَ عُزَّى لَكُمْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَجِيبُوهُ) قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: (قُولُوا اللهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ).

والخطاب في قوله (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ) للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ وإنْ تدعُوا المشركين إلى الهدَى ودينِ الإسلام، وتدلّوهم عليه، وإلى تركِ الشرك؛ لَا يتّبعوكم ولا يهتدُوا.
وقوله (سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) مؤكّدٌ لتمسّكهم بما هم عليه من الشرك، وقطع الطمَع فيهم، فدعوتُكم ووعظكم لهم وصمتُكم عنهم وترككم إياهم سَواء، كما قال عادٌ قوم هود لنبيهم عليه السلام: ﴿سَوَاۤءٌ عَلَیۡنَاۤ ‌أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ ٱلۡوَٰعِظِینَ﴾.

وهذا محمولٌ على مَن سَبقَ في علم الله موتُهم على الكُفر، وإلَّا فإنَّ مِن قريش - الذين قيلَ عنهم هذا القول - مَن أسلمَ وحَسُن إسلامُه.
وقوله (أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ) أبلغُ في تركهم وعدم الفائدة من دعائهم مِن: أَمْ صَمَتُّمْ؛ لأنّ الآية سَوَّت بين دعوتهم إلى الإيمان، وبين الصمتِ الدائم، بعدم دعوتِهم إليه والثبات على ذلك، بما أفادته الجملةُ الاسمية، وهي: أم أنتمْ صامتون.

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) الأصنامُ وما شاكَلها من المعبودات في كل وقتٍ وعصر، عِبادٌ أمثالُكم.
وسُميت الأصنام عِبادًا وهي جماداتٌ توسّعًا، مثل ما تقدمَ من الحديث عنها بضمير العقلاء في قوله (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) وقوله الآتي (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا) أو لأنهم صَوَّروا بعضَها - كهُبل وسُواع - بأيدٍ وأرجُلٍ، على هيئةِ العقلاء، وتخيلُوها كذلك، فجاراهُم القرآن على ما توهَّمُوه، ويكونُ معنى الكلام: حتى على التنزل، وعلى ما تَوهّمتمُوه، غايةُ أمرها أن تكونَ مثلَكم، عبادًا مسخرةً لله، مملوكةً له، مع أنها في حقيقةِ الحالِ أقلُّ شأنًا منكم، فعِبَادٌ: جمع عَبْدٍ، يُطلق إطلاقًا عامًّا على كل مَن يعبد الله من الإنس والجنّ والملائكة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا۟ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةَ ٱلَّذِینَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ‌إِنَٰثًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّاۤ ‌ءَاتِی ‌ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدࣰا﴾، ويُطلق إطلاقًا خاصًّا على المملوك، ويُجمَع على عَبيد.
والأمرُ في قوله (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ) للتعجيز، أمرَهم الله أن يطلبُوا من الأصنام التي يعبدونها النصرةَ والنجدةَ والحوائج، ليقفُوا على عجزها، قال لهم: ادعُوها وخاطِبوها بذلك، ثم انظروا: هل ستستجيبُ لكم، هل يَسمعون أو يُبصرون؟ فهم كما قال تعالى في الآية الأخرى:﴿إِن تَدۡعُوهُمۡ ‌لَا ‌یَسۡمَعُوا۟ دُعَاۤءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُوا۟ مَا ٱسۡتَجَابُوا۟ لَكُمۡ﴾.
ولذا سُئلوا عقِبه سؤالَ تبْكيتٍ واستِنكار: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا...) إلى آخرِ الآية.
واللامُ في (فَلْيَسْتَجِيبُواْ) لامُ الأمر، تُستعمل للأمر الموجّه للغائب، وهو هنا للمعبودات؛ مُرُوا معبوداتِكم تجبْكُم إنْ كانت قادرةً على ذلك.
وقوله (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) معناه: هل الآلهة التي تعبدونها بلغتْ مبلغَ أن تكونَ مثلكم في القدرة على التصرف؟ تَمشي وتَبطِش، وتُبصر وتَسمع، أنتم ترونها لم تبلغ هذا المبلغَ مثلكم، عاجزةً، ليس لها شيءٌ مِن ذلك، فما الذي جعلكم تعبدُونها، وأنتم أحسن حالًا منها؟ فلا يلِيق بالعاقل أن يعبدَ مَن هو مثله، فكيف بمَن هو دونه؟! وهذا التبكيتُ ينادي عليهم بالسفَهِ والغَفلة.
فالاستفهامُ في (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ) وما عُطفَ عليه إنكاريٌّ، و(أَمْ) في (أَمْ لَهُمْ) حرف عطف بمعنى (أَوْ)، أصلُ استعمالها يكون بعد همزة الاستفهام لتعيينِ المستفهَم عنه أو التخيير، وهي هنا للإضراب؛ لنفي ما ذُكر قبلها، من نسبةِ الأرجل وما بعدَها للأوثان، وإبطالِه الواحدَ بعدَ الآخر، والْبَطْش: الأخذُ باليدِ بقوةٍ وعنف.

والأمرُ في (قُلِ ادْعُوا شُركاءَكم) للنبي صلى الله عليه وسلم، أمرَه اللهُ أن يتحدَّى المشركين تحدّيًا يقيمُ عليهم الحجة، وأن يقول لهم: ادعوا شركاءكم الذين تسمونَهم آلهة، وتَجعلونهم شركاء لله، استنجِدوا بهم، واستنصِروا بهم عَليّ (ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ) واعمَلوا أنتم وهم وُِِسْعَكم بالكيدِ والمكرِ الذي تقدرونَ عليه، ولا تُمهلوني ما وجدتم لذلكَ سبيلاً، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنه يعلمُ أنهم لن يَقدِرُوا أن يضرُّوه بشيءٍ البتّة.

11/08/2026

بحمد الله وتوفيقه، اكتملت طباعة كتاب تفسير القرآن الكريم:
«المنتخب من صحيح التفسير».
لفضيلة الشيخ: الصادق بن عبد الرحمن الغرياني، حفظه الله.
نسأل الله أن ينفع به، ويبارك في مؤلفه، وفي كلّ من أعان عليه، ويتقبّل منهم، ويجزيهم خير الجزاء.

06/08/2026

الحلقة 401 مِن كتاب (المنتخب من صحيحِ التفسيرِ) للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.
__________________________________
لقراءة النسخة كاملة بالتخريج والهوامش على الرابط في أول تعليق.
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
- الحلقة (401)
[سورة الأعراف: 189-190]
(هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ)(189-190)
عَودٌ إلى محاجّة المشركين، وكيفَ أنَّ العبد عند الخوف تَهديهِ فطرته إلى التوحيد، فلا يفزَعُ إلّا إلى اللهِ؛ لأنه يعلم أنه لا أحدَ يُنجيه سواه، فإذا ما أَمِن وسلِمَ له ما يريد، نسيَ نعمةَ الله عليه، وعادَ المشركُ إلى شِركه، والعاصي إلى معصيته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرࣱّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِیبًا إِلَیۡهِ ثُمَّ إِذَا ‌خَوَّلَهُۥ ‌نِعۡمَةࣰ مِّنۡهُ نَسِیَ مَا كَانَ یَدۡعُوۤا۟ إِلَیۡهِ مِن قَبۡلُ﴾( ).
وقد بدأتِ الآية بالتذكير بأصْل الخلق (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) والنفس الواحدة هي آدم صلى الله عليه وسلم، فهو أصلُ النوع الإنساني، فـ(مِنْ) في قوله (مِّن نَّفْسٍ) ابتدائيةٌ، فبداية خلق الإنسان كان مِن آدم (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) خَلَق من بقية الطينة التي خُلِق منها آدم زوجها وهي امرأته، أو خَلَق من هذه النفس الواحدة آدم من بعض أجزائه زوجها؛ ليسكنَ إليها.
وكونُ حواء خُلقتْ مِن ضلع آدم لا يصحُّ به الحديث، وما جاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ)( ) محمولٌ على التشبيه، ويشهد للتشبيه ما في الرواية الأخرى المتفق عليها بلفظ: (إنَّ المرأةَ كالضّلع)، فكونها خُلقت من آدم ثابت، لكن (مِن ضِلع أعْوج) ليس بثابت، وقد تقدم الكلام على نظير هذه الآية في أول سورة النساء( ).
فـ(مِنْ) في (مِنْهَا) بيانيةٌ، و(يَسْكُنَ إِلَيْهَا) يأنسُ بها، ويرتاحَ إليها؛ لأنها منه، والجنس أميلُ إلى جنسه، فالله تعالى خلق حواء من جنس آدم؛ ليحصل بينهما هذا السكونُ والميل.
والضمير في قوله (لِيَسْكُنَ) مذكَّرٌ، عائد على نفسٍ واحدة، مراعاةً للمعنى وهو آدم، وفيه إشارة إلى أن الذَّكَر هو الذي يميلُ إلى الأنثى، وهي سَكنٌ له.
ثم انتقلَ الكلام إلى عموم نسْل آدم وذريته، فقال (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) وهو عامٌّ، يصدُق على كلّ أب من ولد آدم، فقد جعل الله منه بالتغشي والمعاشرة للأنثى نسْلًا وذريّةً، كما قال تعالى: ﴿وَبَثَّ ‌مِنۡهُمَا ‌رِجَالࣰا كَثِیرࣰا وَنِسَاۤءࣰ﴾( ) فالضمير في (تَغَشَّاهَا) ليس لأحدٍ بعينه، بل يصدُق على كل أحد.
والضمير في (تغشّى) مذكّر، وفيه ما يشير إلى أنّ الرجل هو الطالبُ للتغشّي والوِقاعِ من الأنثى، على ما هو الغالِب، وفعل تغشّى من التغشّي، وهو تفعُّلٌ يدلُّ على الاعتناء والتكلّف، أصله من الغِشاء، وهو الغطاء، كُنِّيَ به عن الجماع والوِقاع، كما قال تعالى: ﴿‌هُنَّ ‌لِبَاسࣱ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسࣱ لَّهُنَّ﴾( )، وذلك بما ركّبَ في الرَّجل والمرأة من الشهوة؛ ليُقبِل على الزواج المطيعُ والعاصي، حتى يَعْمُرَ الكونُ بالتناسُل؛ كما أراد الله.
وقوله (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) تصويرٌ لما هو مقتضى العادة التي تَعرِضُ للناس، وهو أنّه يَحصُل من المعاشرة الحمل، ويكون أمر الحمل في البداية خفيفًا، لا تكاد المرأة تَشعُر به، وإذا شَعَرت به تَنْسَرُّ وتفرَح، قال مالك رحمه الله: "الحامل في أول حملها بِشرٌ وسرورٌ، وليس بمرض ولا خوف؛ لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: ﴿فَبَشَّرۡنَٰهَا ‌بِإِسۡحَٰقَ﴾( )"( ).
و(فمَرَّتْ بِهِ) فاجتازتْه دون تعب، ولم تُلقِ له بالًا؛ لخفتِه عليها، والهمزة في (أَثْقَلَتْ) للصيرورة؛ صارت ذاتَ ثقل، كالهمزة في أَتمر وأَلبن، صارَ ذا لبن وتمر، وتصيرُ المرأة كذلك إذا قاربتِ الولادة، وتسمى: مُثقِلا ومُقْرِبا.
وقوله (دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) معناه أنّ الوالدينِ إذا كانا غيرَ مسلمَين أو كانا مِن عُصاة الناس، يكونُ منهما في وقتِ حاجتهما إلى سلامَة الحمل، وأن يكونَ على ما يريدانه ويتمنيانِه، دعاءٌ وتوجهٌ إلى الله تعالى أن يرزقَهما صالحًا، ويريدانِ بصلاحه ما تميلُ إليه النفوس في العادة؛ أن يكون تامَّ الخلقة، ذكرًا سليمًا نجيبًا، نافعًا لهما، وهو ما يستوي في تمنيه المطيعُ والعاصي، لأنّ الناس عادةً يتناصرون بالذكور النّجَباء، فالوالدان في ذلك الوقت، وقت الحاجة، يُقرّان أنه لا يَقدِر على ما يتمنيانه إلّا الله، فيعاهدانِه ويدعوانه في أنفسهما: لئن كان ولدُنا صالحًا، لنكونَنّ من الشاكرينَ، الدائمينَ على الاستقامة والتودّد إلى الله.
(فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا) فلما جاءَ الولد على ما يُريدان واستُجيب لهما، لم يُوفيا بمَا عاهدَا اللهَ تعالى عليه ونَذرَاه، بل جَعَلا لله -وهو الذي أعطاهُما الولد كما يُحبَّانِ- شريكًا في هذا الولد، إما بتسميتهِ بعبدِ العزى، أو عبد مناة، أو بجعله لخدمة الأصنام والسِّدَانة، كما كان عليه أهلُ الجاهلية.
وإمّا بالتفريطِ في تنشئتهِ تنشئةً صالحةً، تاركًا للصلاةِ، مخالِطًا لأهل السوء والفساد، ناهبًا للأموالِ، متوجهًا للزيغ واتباع الشهواتِ والشبهاتِ والإلحاد، فأخلَفوا العهد، وكفَروا بمَن أعطَى ووَهب.
وهو حالُ العصاة في كلّ زمان، إذا مسّهم الضرّ قالوا: ﴿لَئِنۡ أَنجَیۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِینَ فَلَمَّاۤ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا ‌هُمۡ ‌یَبۡغُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾( )، فالمشركون يُقرّون أنّ الذي يَقدِر على نفعِهم هو اللهُ وحده، وما يشركونَ به من آلهة أخرى هي عندَهم ليست إلَّا وسائطَ، لا تقدرُ على شيء، قالُوا عنها: ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِیُقَرِّبُونَاۤ إِلَى ‌ٱللَّهِ ‌زُلۡفَىٰۤ﴾( ).
(فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) تَنزه وتَقدّس عن كل شركٍ يشركونه، بدعوةِ غيره معه، أو بغير ذلك مِن أنواع الشرك والإلحاد المعاصر.

Address

Tripoli

Telephone

1413

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة:

Shortcuts

Share