دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة

  • Home
  • Libya
  • Tripoli
  • دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة

دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة الصفحة الرسمية (البديلة) لدار الإفتاء الليبية, إقرأ المزيد...
(1)

03/06/2026

الحلقة 394 مِن كتاب (المنتخب من صحيحِ التفسيرِ) للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.
__________________________________
لقراءة النسخة كاملة بالتخريج والهوامش على الرابط في أول تعليق.
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
- الحلقة (394)
[سورة الأعراف: 163-166]
(وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ)(163)
جملةُ (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) عطف على (وَاذْكُرْ) المقدر في قوله (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هذِهِ الْقَرْيَةَ) واذكرْ يا محمد إذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية في بيت المقدس، واسألهم عن القرية التي كانت حاضرةَ البحر، فالقرية التي كانوا مأمورين بدخولها هي بيتُ المقدس، والقرية في هذه الآية - المطلوبُ سؤالُ ذرياتِهم عنها - هي (الَّتِي كانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) المطلة على البحر الأحمر، قيل هي إيليَا، وتسمَّى الآن العَقَبة، وقيلَ: طبرِيّة.
والسؤالُ في قوله (واسْأَلْهُمْ) موجهٌ إلى اليهود في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو سؤال تقرير لهم وتقريع؛ للتذكير بما حل بأسلافهم من عقوبة المسْخ، حين اعْتَدَوْا في السبت، وكان ذلك في زمن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم، وهذا السؤالُ الذي وجهه القرآن إلى اليهود، هو مِن معجزات القرآن، الدالّةِ على صدقِ النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ ما جاءَ به هو وحيٌ من عند الله؛ لأنّ قصة مسخ هذه القرية لم تذكر في كتبهم، وجاءت في القرآن مفصلةً، على النحو الذي يعرِفونَه فيما بينهم ويخفونه، فمَن أخبر النبي الأمّي صلى الله عليه وسلم بها؟
و(يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) مِن العَدْو، بمعنى التجاوز والعدوان، وفعله عَدَى يعدُو، والسَّبْت: يصح أن يكون لليوم المعروف من أيام الأسبوع، وأن يكون للمصدر، مِن الفعل سَبّتَ تسبيتًا، بمعنى التعظيمِ المأخوذ من دينهم ليومِ السبت، بالانقطاع فيه للعبادة، وترك الصيد والعمل، وقد حُرّم عليهم العمل والصيد فيه، فتجاوزُوا، واعتَدوا على اليوم ذاتِه، على الزمَن المخصوصِ بذلك اليوم من طلوعِ الفجر إلى غروبِ الشمس، أو تجاوزُوا حُرمَةَ التَّسبيتِ والامتناعِ عن العمل فلمْ يحفَظُوها.
و(حِيتَانُهُمْ) جمع حُوت، و(شُرَّعًا) ظاهرةً يرونها قريبةً من سطح الماء، متتابعةً متكاثرةً في متناولهم، أراد الله أن يَختبرهم؛ ليظهر مدى صدقِ تدينِهم، فابتلاهم بكثرةِ ظهور الأسماك في يوم السبت، الذي حرّم الله عليهم فيه الصيد، وابتلاهم باختفائها في الأيام الأخرى غيرِ السبت، كما قال: (وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ).
والباءُ في قوله (بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) للسببية، والْفِسْق: الخروج عن الطاعة، ومثل هذا الابتلاء والاختبار الشديد الذي بيّناه ابتليناهم، وذلك بسبب فسقهم، فهو مِن تشبيه الشيءِ بنفسه مبالغةً في شدّة الامتحان والاختبار، فإذا أردتَ أن تشبه شدةَ ما وقعوا فيه من الابتلاءِ، فلا تجدُ أبلغ من أن تشبهه بابتلائهم هم، ويجوز فيه غير ذلك كما تقدم في نظيره كثيرا.
وقد تقدّم مزيد تفصيل في تحايلهم على الصيد في يوم السبت في قوله: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ٱعۡتَدَوۡا۟ مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ﴾( ) في سورةِ البقَرة.
(وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ)(164-165)
جملةُ (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ) معطوفٌة على قوله (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) اسأل يا محمد اليهودَ عن أهل القرية التي كانت حاضرةَ البحر، وقتَ أن كان أهلُها يعتدُون في السبت، واسألهم أيضًا عن جماعةٍ صالحة منهم يئسَت من الإصلاح، قالت لجماعة أخرى مثلها مِن الصُّلحاء، لم تزلْ صابرةً تأمر وتنهى ولم تيأسْ، قالت الجماعةٌ الآيِسةُ للآخَرين الواعِظين لقومهم: لِمَ أنتم مستمرونَ في الوعظ والتذكيرِ لقومٍ لا فائدة مِن وعظهم؟ لصدودِهم وعنادهم، فإنّ الله مهلكهم بالاستئصال، وقاطعٌ لدابرِهم، أو معذبهم ومُنْزلٌ بهم العذابَ الشديد؛ عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرة؛ لإقامتِهم على المعاصي، التي هي أسبابُ العذابِ والهلاك.
قالوا لهم: لماذا تَعظون قومًا لا جدوى ولا فائدة مِن وعظهم؟ وتَبذُلُون معهم جُهودًا لا طائلَ تحتها، والعذاب حالٌّ بهم في نهايةِ الأمر؛ لإصرارِهم على الكفر.
ردّوا عليهم: استمرارُنا على ذلك إبراءً للذمّة، وإثباتًا للعذر عند الله، إذا سُئلنا: لِمَ لمْ تصبروا على نصحِهم، وَرجاء أن يَتَّقُوا، فقد يهديهم الله بنا، فنكون سببًا في هدايتِهم.
قال هذا القول واعظونَ من الفريق الصالح، احتاطوا لأنفسهم في تحملِ مشقة المضيِّ في الدعوة والإصلاح، فكانوا على منهج الأنبياء والمرسلين.
فـ(أو) في قوله (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ) بمعنى الواو، ليستْ مانعة جمع بين الأمرين: الهلاك والعذاب، و(مَا) في (لِمَ تَعِظُونَ) للاستفهام في معنى النفي والإنكار، فلماذا تعظونَهم وهم ميؤوسٌ منهم؟!
و(مَعْذِرَةً) على قراءة النصبِ مفعولٌ لأجله؛ نعظهم لأجلِ المعذرة إلى الله، وعلى قراءةِ الرفع خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ وعظُنا لهم معذرةٌ، ومعذرةٌ مِن العُذر، وهو الدَّفع بما يرفع اللومَ عن النفس، وعُدّيت المعذرة بـ(إلى) لتضمينها معنى الإبْلاغ.
(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ) لمّا أعرضَ المفسدون عن سماع كلام الواعظينَ الناصحينَ، ونَسُوا ما أُمرُوا به ونُهُوا عنه، نسيانَ إعراضٍ وترك؛ لمّا فعلُوا ذلك وتمادَوا في الإعراضِ والعِناد؛ نَجَّى الله الصالحينَ الذين كانوا يعظُونهم ويَنْهَوْن عن السّوء والفَساد، وأخَذ الظالمينَ بعذاب بئيسٍ شديدٍ، بسبب فسقِهم، وخروجهم عن طاعة الله.
فالنِّسيان في (نَسُوا) هو النسيانُ المؤاخذُ به، لا النسيانُ بمعنى الغفلة التي رُفع عنها القلَم.
و(بَئِيس) مِن البؤسِ كالبأس والبأساء، بمعنى الشدّةِ والمكروه، وفعلُه بَؤُسَ كشَرُفَ، وأكثر ما يستعملُ البؤسُ في الفقر، والبَأسُ في الشدَّةِ والحرْب.
(فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ)(166)
هذا مزيدُ تفصيلٍ لما نَسُوه نسيان إعراضٍ وتَرك، وكان منه التعدّي على الصيد في السّبت، فلمَا بلغ عصيانهم مداه وعَتَوا وتكبّروا عن ترك مَا نُهُوا عنه (قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) مسخَهم الله قردةً بكلمَة واحدة (قُلْنَا لَهُمْ) وهي قوله سبحانه للشيء: كن، فيكون، فهو قولٌ تكويني، لا تكليفي، فمُسِخوا، وعاشوا بعد مسخهم ثلاثة أيام، ثم أُهلِكوا، وقد مرَّ تفسير الآية في قوله: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ‌ٱعۡتَدَوۡا۟ ‌مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ﴾ في سورة البقرة، وفيها مزيدُ بيان( ).

03/06/2026

ورد إلى دار الإفتاء الليبية السؤال التالي:

نرجو منكم نصح الذين يرفعون أصواتهم في المسجد، ويتحدثون عن أمور الدنيا؛ لأنهم يؤذون المسلمين.

الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:
فالمساجد هي بيوت الله تعالى خصها لنفسه سبحانه، فقال: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجن: 18]، وجعلها للعبادة والذكر لا لغير ذلك من أمور الدنيا، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: 36].

وقد زجر النبي صلى الله عليه وسلم رَجُلًا نَشَدَ ضالة فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ له: (لَا وَجَدْتَ! إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ) [مسلم: 569].

ورفع الصوت في المسجد حتى بالقرآن منهي عنه، ففي الموطأ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ) [مالك: 29]، قال أبو الوليد الباجي رحمه الله: "وَإِذَا كَانَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعًا حِينَئِذٍ؛ لأذية الْمُصَلِّينَ، فَبِأَنْ يُمْنَعَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِ، أَوْلَى وَأَحْرَى... وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِالْمَسَاجِدِ، واطراحًا لِتَوْقِيرِهَا، وَتَنْزِيهِهَا الْوَاجِبِ، وَإِفْرَادِهَا لِمَا بُنِيَتْ لَهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾" [المنتقى: 1/ 150].

وقال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لرجلين علا حديثهما في المسجد: "مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم!" [صحيح البخاري: 458].

فالواجب على كل مسلم أن يعظم الله تعالى في بيته، وألا يبقى في المسجد إلَّا للعبادة وذكر الله تعالى، وأنْ يُنزه المسجدَ عن مجالسة الناسِ للكلام المتعلق بالدنيا، وعن أي شيءٍ لا يرضِي اللهَ ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

30/05/2026

الحلقة 393 مِن كتاب (المنتخب من صحيحِ التفسيرِ) للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.
__________________________________
لقراءة النسخة كاملة بالتخريج والهوامش على الرابط في أول تعليق.
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحِيم
المنتخب مِن صحيح التفسير
الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
- الحلقة (393)
[سورة الأعراف: 158-162]
(قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ‌ٱلنَّبِيِّ ‌ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ)(158)
لما ذكر الله لبني إسرائيل أنهم يجدون مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل صفاتِ النبي الأمي، وأنّ رحمة الله بهم متوقفة على الإيمان به واتّباعه، أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يُخاطبَهم، ويخاطبَ غيرهم، يُخاطب الناسَ جميعًا، بني إسرائيل وغيرَهم، بأنّه رسولُ الله إليهم جميعًا، فـ(ألْ) في (النَّاس) للاستغراق؛ لأنّ مِن اليهود فريقًا يزعمون أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم مختصَّةٌ بالعرب، كما قال ابنُ صياد (الكاهن اليهودي) للنبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له: (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ)( ).
فالمخاطَبُ بقوله (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هو النبي صلى الله عليه وسلم، والضمير في قوله: (إِنِّي) للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإني رسولُ الله إليكم الذي مِن أوصافه أنه المالك، وأنّ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ له وحدَه، يتصرّف فيه كما يشاء، فيرسل رسلًا مخصوصين بأقوامهم، وأَرسل النبيَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أممِ الأرض قاطبة، فواجبٌ عليكم أن تَسمعُوا وتُطيعُوا. فـ(جَمِيعًا) حالٌ مؤكدةٌ لما دلَّ عليه ضمير خطاب الجمع (إِلَيْكُمْ) بتقدير: مجتمعين، واللّامُ في (له مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) للاختصاص.
وجملة (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ) حالية، فآمِنوا به حالةَ كونه منفردًا بالألوهية، والإحياءِ والإماتة، والخطابُ في قوله (فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) للنّاس كافةً، لبني إسرائيل ولغيرهم، وهو أَمرٌ لكلّ أحدٍ بوجوب الإيمانِ بالله، والإيمان برسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وذُكر صلى الله عليه وسلم لهم بوصفِه الذي يجدونه في كتبهم: (النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) ليقيم عليهم الحجّة، ولا يقولوا كما قال ابن صياد: رسول الأميين، ثم هو صلى الله عليه وسلم مثلكم، يؤمن بالله ويؤمن بكلماته ووحيه في كتبه المنزلة على رسله، فهو يؤمن مثلكم بموسى صلى الله عليه وسلم، وبالتوراة المُنزلة عليه، ويؤمن بعيسى صلى الله عليه وسلم، والكتابِ المُنزل عليه، وبسائر الأنبياء، وبكلماتهِ المُنزلّة عليهم في كتبهم، وبقَدَرِه وكلماته الكونية، بقوله للشيء إذا أراده أن يكونَ فيكون.
ومن كلماته الكونية التي يؤمِن بها خلقُه لعيسى صلى الله عليه وسلم بقوله: كُنْ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وأنّه عبد الله ورسوله.
وفي ذكر إيمان النبي صلى الله عليه وسلم بعيسى وبكلّ الأنبياء رَدٌّ على اليهود، الذين كذّبوا عيسى صلى الله عليه وسلم، وعَمِلوا على صَلبِه، وعلى النصارى الذين أَلَّهُوه.
ثم أُمر النّاس باتباع النبي ﷺ، بعد الأمر بالإيمان به فقال: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) فلا يكون اهتداءٌ إلا بحصول الأمرين: الإيمان، واتباع الشريعة؛ بالعمل بما جاءَ فيها.
(وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِ يَعۡدِلُونَ وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ)(159-162)
قوله (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ) معطوفٌ على قوله (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا) لبيان أنَّ قومَ موسى لم يعبُدوا العجل جميعًا، بل إن منهم قومًا صُلحاء، كانوا مع هارون عليه السلامُ، غير راضينَ بما فعله قومُهم، فـ(مِنْ) في (وَمِن قَوْمِ مُوسَى) للتبعيض، والأُمَّة: الجماعة الكبيرة، التي جَمَعَها أمرٌ واحدٌ، وهؤلاء المذكورون في (وَمِن قَوْمِ مُوسَى) أمّةٌ من بني إسرائيل، جَمَعهم التمسّكُ بالحق، والدعوةُ إليه، فكانوا مهتدينَ للحقّ، مصاحِبين له، متلبِّسين به، ويهْدُونَ الضالِّين من قومِهم، ويُرشدُونهم إليه.
فالباء في (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) للآلة، فبواسطة الحق واستعماله يحكُمون بالعدل على أنفسهم، وعلى غيرِهم، فظهَر الحقّ في أقوالهم وأفعالهم.

ومِن حُسن السياسة في تدبير شؤون بني إسرائيل -الذين هم أبناء يعقوب، وأسباطُ أي أحفاد إسحاق- أنهم استفادوا مما اختاره الله لهم، بتصييرهم عشائر، كلُّ عشيرة ترجع إلى سِبط من أحفاد إسحاق صلى الله عليه وسلم، وولدٍ من أبناء يعقوب، فكانوا في نظام حياتهم (أُممًا) داخل أمّةٍ واحدة، وهي أمّة بني إسرائيل، ولذلك عندما ضاقَ عليهم العيش، وخرجوا إلى التِّيهِ، لم يتقاتَلوا، ولم يتزاحموا على الماء، قال تعالى: ﴿قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسࣲ ‌مَّشۡرَبَهُمۡ﴾( ) كل سبطٍ وفرع من فروع بني إسرائيل عَلم وقتَ شُربه، فلا يزاحمُه غيرُه في يومه.
(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) صيّرناهم اثنتي عشرة أُمَّةً، فتمييز العدَد، وهو أُمَّةً مقدرٌ، دلَّ عليه قوله (أُمَمًا) ولذلك أَنَّثَ العدد (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) ليوافِقَ (أمةً) المقدر، و(أَسْبَاطًا) منصوبٌ على الحال من (وَقَطَّعْنَاهُمْ) حالةَ كونهم متفرعين ومتولدين، وليس تمييزًا؛ لأن تمييز العدد المركبِ من أحد عشر إلى تسعةَ عشر مفردٌ منصوبٌ لا جمعٌ.
فالْأَسْبَاط: الأحفادُ الذين صاروا فيما بَعدُ قبائل بني إسرائيل وعَشائِرَهم.
وعندَما عاقبَ الله قوم موسى بالتّيه على تركهم الجهادَ، وامتناعِهم من دخول الأرض المقدسة، وحكم عليهم أربعينَ سنة، يتيهونَ في الأرض في صحراء، حيث لا ماءَ ولا ظلّ ولا طعام، اشتكى قومُه إليه عدمَ الماء، فأوحى الله إلى نبيه موسَى أنِ اضرب بعصاك الحجر، فانبجسَت منه اثنتا عشرة عينًا، بعدد الأسباط، والتقدير: فضرب الحجَرَ بعصاه فانبجسَت منه العيون، وفي الآية الأخرى: ﴿‌فَٱنفَجَرَتۡ﴾( )، وقد تقدم تفسير هذه الآيات في نظيرها عند قوله: ﴿وَإِذِ ‌ٱسۡتَسۡقَىٰ ‌مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ﴾ في سورة البقرة( ).
و(إذْ) في قوله (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هذِهِ الْقَرْيَةَ) متعلِّقةٌ بفعل مقدّر، كما هو الشأنُ في أمثالها، واذكر يا محمّد إذ قيل لبني إسرائيل اسكنوا هذه القرية، والرِّجْز: العذاب، وتقدمَ تفسير نظير هذه الآيات (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ) في قوله: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةَ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا حَیۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدࣰا﴾ في سورةِ البقرة( ).
والفرقُ بين ما هنا وما في البقرة؛ أنّ آيات البقرة كانت في سياق التوبيخ لبني إسرائيل على عبادة العجل، وعلى تركِهم الجهاد، وتحايلِهم على التنصّل من التكاليفِ، حين أُمروا بدخول الأرض المقدّسة، سياق القصة هنا في الموعظة والتذكيرِ، وبينَ الموضعين اختلافٌ يسير، بما يناسبُ السياقَ في كلّ موضع.
فالتوبيخُ على عبادة العجل وتركِ الجهاد يناسبُه زيادةُ الشدةِ والتغليظِ في خطابِهم، من ذلك إسنادُ الفعل في البقرةِ إلى ضمير العظمَة (وَإِذْ قُلْنَا) مما يُشعرُ بالرَّهبَة، وهنا أُسنِد لما لم يُسمَّ فاعلُه (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ) للعلْم به، وأمرُوا في البقرة بالدُّخول (ادْخُلُواْ) الذي يُشعِر بمجرّد الإذن بالدخولِ، بخلافِ هنا قيلَ لهم (اسْكُنُواْ) المشعِر بالضيافة، وقيلَ هناك: ادخُلُوا فكُلُوا، بالفاء الدالة على الترتيب، فهم أُمروا بالدخول، والأكلُ مترتبٌ على الدخولِ، فلا يكونُ قبله، وقيل هنا: اسْكُنُوا وكُلُوا، بالواو؛ لأنّ الأكل لمَن دخل يكونُ قبل أن يتخذَ المسكن وبعده، فلا يُحتاج إلى العطفِ بالفاء الدالة على الترتيبِ، وقال هنا (فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ) فأسنَد التبديل إلى بعضهم، وقال في البقرة (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ) فأسندَ التبديل إلى مجموعهم، ولم يسْتثنِ؛ لأن السياق هناك في مقام التغليظ عليهم، ولم يرفع اللوم عن بعضهم لأنّه يشعر بالتخفيف، ولأن مَن كان معهم، حتى لو لم يشاركْهم، لم يخلُ مِن لَوم، وقال هنا (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ) وفي البقرة (فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ) فأعادَ وصفهم بالذين ظلمُوا، دون الاكتفاء بالضمير العائد إليهم؛ للدلالة على أنّهم أحرياءُ بنزول العذاب بهم لظلمِهم، ووُصِف الأكل في البقرة بقوله (رَغَدًا) ولم يوصفْ هنا بشيء؛ لأنّ في الوصف به تكثيرًا للمِنَّة، التي حلّت بهم مِن وقت دخولهم؛ ليكون معها التوبيخ عليهم أبلَغ وأشدّ.

28/05/2026

تهنِّئكم دار الإفتاء الليبية بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، سائلين المولى عز وجل أن يعيده علينا بالخيرِ والبركة، والأمنِ والسلامِ والرخاء، على بلادِنا وسائرِ بلادِ المسلمين، وأن يمنّ علينا بتحرير المسجد الأقصى المبارك، إنه ولي ذلك والقادرُ عليه.

24/05/2026

قال أهل العلم: أيام عشر ذي الحجة أفضل أيام السنة، وليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل لياليها، فمن وُفِّقُ إلى التعبّد في نهار الأولى وليلِ الثانية فهو المُوفَّق.

فضيلة الشيخ د. رحمه الله.

18/05/2026

#يُستحبّ_في_العشر ( 1 )
الإكثار من نوافل العبادات، كالصلاة والصدقة والذكر وتلاوة القرآن وغير ذلك، لقول النبي ﷺ: وهو يتحدث عن العشر: ( ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ منها في هذه، قالوا: ولا الجِهادُ؟ قالَ: ولا الجِهادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفْسِه ومالِه، فلَمْ يَرْجِعْ بشَيءٍ) .

17/05/2026

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
تعلنُ دار الإفتاء الليبية، أن يوم غد الإثنين، الموافق: 18/ 5/ 2026م، هو غرة شهر ذي الحجة الحرام، لهذا العام: 1447هـجري، وعليه يكون يوم الثلاثاء: 26/ 5 هو يوم الوقوف بعرفة، ويوم الأربعاء: 27/ 5 هو أول أيام عيد الأضحى المبارك لهذا العام.
نسأل الله تعالى أن يجعله شهرَ خيرٍ ونصرٍ وبركة، وأمنٍ ورخاءٍ، على بلادِنا وسائر بلاد المسلمين.

Address

Tripoli

Telephone

1413

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to دار الإفتاء الليبية - الصفحة البديلة:

Share