30/08/2026
مصنع دجلة لمياه الشرب بين المنفعة الراسمالية و إستنزاف المياه الجوفية وتصحر الأرض:-
عندما يتحول إستنزاف المياه الجوفية إلى تهديد لمنطقة وادي الربيع وتاجوراء..
في الوقت الذي تتزايد فيه أهمية المحافظة على الموارد المائية في ليبيا، تبرز في منطقة وادي الربيع والمناطق المحيطة بها، الممتدة بإتجاه تاجوراء، قضية تستحق الوقوف أمامها بجدية ومسؤولية، وهي المخاوف من الإستنزاف المتزايد للمياه الجوفية لأغراض تعبئة مياه الشرب، وما قد يترتب على ذلك من آثار بيئية وزراعية وإجتماعية إذا لم يخضع هذا النشاط لرقابة مائية وبيئية صارمة.
ويأتي مصنع دجلة لمياه الشرب ضمن المنشآت التي يدور حولها هذا النقاش، بإعتباره منشأة صناعية قائمة في منطقة وادي الربيع. وقد أشارت مصادر منشورة إلى أن المصنع تابع لشركة السلوى للصناعات الغذائية، وأن لديه خط تعبئة تصل طاقته إلى 45 ألف عبوة في الساعة، وهو رقم يعكس حجم النشاط الصناعي، ويجعل مسألة مصدر المياه وكمياتها وطرق التخلص من المياه الناتجة عن عمليات المعالجة مسائل تستحق دراسة علمية دقيقة.
المياه الجوفية.. ثروة لا تتجدد بسهولة
المشكلة الأساسية لا تكمن في إنتاج مياه الشرب في حد ذاته، فالمياه المعبأة أصبحت جزءاً من إحتياجات المجتمع الليبي بل ولدول مجاورة، وإنما في مدى قدرة المخزون الجوفي على تحمل معدلات السحب الحالية والمستقبلية.
فالمياه الجوفية ليست مورداً لا ينضب وعندما تتجاوز كميات المياه المسحوبة معدلات التغذية الطبيعية للخزان الجوفي، تبدأ المشكلة في الظهور بصورة تدريجية، من خلال انخفاض مناسيب المياه، وزيادة أعماق الآبار، وارتفاع تكلفة الضخ، ثم احتمال تدهور نوعية المياه في بعض الحالات.
وهنا تبرز المخاوف المتعلقة بمنطقة وادي الربيع والمناطق الزراعية المحيطة بها.
فالمياه الجوفية ليست مجرد مصدر لمياه الشرب المعبأة، بل هي أيضاً شريان أساسي للزراعة، والآبار الخاصة، والاستخدامات اليومية للسكان التى يقطنون تلك الاراضى والمزارع والبيوت.
إن استنزاف الخزان الجوفي يعني في النهاية استنزاف جزء من قدرة المنطقة على الحياة والإنتاج.
ماذا يعني ذلك للأراضي الزراعية؟
وادي الربيع والمناطق المحيطة به ليست مجرد إمتداد عمراني؛ فهي تضم مساحات وأراضي تستخدم في الزراعة، وتوجد بها آبار ومزارع وأشجار ومحاصيل تعتمد بدرجات مختلفة على المياه الجوفية.
وأي انخفاض مستمر في مستوى المياه يمكن أن يضع المزارعين أمام خيارات صعبة، مثل حفر آبار أعمق، وزيادة تكاليف الطاقة والضخ، وتقليل المساحات المزروعة أو كميات الري، أو التخلي تدريجياً عن بعض الأنشطة الزراعية.
وهذا لا يمثل خسارة للمزارع وحده، بل خسارة للمنطقة بأكملها.
فالأرض الزراعية التي تتحول إلى أرض غير منتجة بسبب نقص المياه تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة تأهيلها، وقد لا تعود إلى حالتها السابقة بسهولة.
المشكلة الأخرى: أين تذهب المياه الناتجة عن المعالجة؟
هناك جانب آخر من القضية لا يقل أهمية عن استهلاك المياه الجوفية، ويتمثل في المياه الناتجة عن عمليات معالجة وتنقية مياه الآبار.
فالمعالجة قد تنتج عنها مياه صرف ذات خصائص مختلفة عن المياه الأصلية، بحسب نوع التقنية المستخدمة، وتركيب المياه الجوفية، وطبيعة المواد التي تتم إزالتها.
وعندما يتم تصريف هذه المياه بصورة غير منظمة في الأراضي المفتوحة، فإنها قد تتجمع في صورة برك ومستنقعات ومسطحات مائية راكدة.
وهنا تبدأ مشكلة بيئية وصحية أخرى.
فالمياه الراكدة، خصوصاً في الأجواء الحارة، يمكن أن تصبح بيئة مناسبة لتكاثر البعوض والحشرات، كما يمكن أن تؤدي إلى روائح ومظاهر بيئية مزعجة، وتخلق بؤراً تحتاج إلى معالجة مستمرة.
وقد يعتقد البعض أن المشكلة بسيطة لأنها مجرد مياه متجمعة في أرض فضاء، لكن استمرار تجمع المياه لفترات طويلة بالقرب من المناطق السكنية والزراعية يستدعي دراسة بيئية وصحية، ولا ينبغي تجاهلها.
من حق السكان أن يعرفوا
في ديسمبر 2025، أعلنت وزارة البيئة إجراء جولة تفتيشية على مصنع دجلة لمياه الشرب في تاجوراء، وقالت إن الجولة ركزت على متابعة الوضع البيئي داخل المصنع والتحقق من مدى الالتزام بالمعايير والاشتراطات البيئية والصحية، مع التأكيد على حماية البيئة المحيطة.
وهذا أمر إيجابي من حيث المبدأ، لكنه يطرح أسئلة مهمة:
ماذا كانت نتائج التفتيش؟
هل تم قياس كميات المياه المسحوبة من الآبار؟
هل تتناسب كميات السحب مع التراخيص الممنوحة والمخزون المائي المتاح؟
هل توجد دراسة حديثة لتأثير السحب على منسوب المياه الجوفية في وادي الربيع والمناطق المحيطة؟
أين تذهب المياه الناتجة عن عمليات المعالجة؟
هل يتم تصريفها وفق اشتراطات بيئية محددة؟
وهل تمت دراسة تأثير البرك والمستنقعات الناتجة عنها على السكان والمزارع والحشرات والبعوض؟
هل قامت إدارة المصنع بتطوير المنطقة من حيث إستخدام الطرق وصيانتها مثلاً بصورة دورية نتيجة للمرور المتكرر من قبل شاحنات النقل وتحديثها من منطلق التنمية المستدامة؟
هذه ليست أسئلة موجهة ضد مصنع بعينه، وإنما هي أسئلة مشروعة تتعلق بحق المجتمع في معرفة كيفية إدارة مورد طبيعي مشترك.
نحتاج إلى أرقام لا إلى انطباعات
القضية لا ينبغي أن تتحول إلى اتهامات متبادلة بين السكان والمصنع.
المطلوب هو العلم والشفافية.
فبدلاً من الاكتفاء بالقول إن هناك استنزافاً للمياه الجوفية، يجب أن تكون هناك بيانات واضحة عن:
● كمية المياه التي يتم سحبها يومياً وشهرياً وسنوياً.
● عدد الآبار المستخدمة ومواقعها وأعماقها.
● مستوى المياه الجوفية قبل بدء النشاط وبعده.
● معدلات التغذية الطبيعية للخزان الجوفي.
● نوعية المياه الجوفية ومؤشرات تغيرها.
● كمية المياه الناتجة عن عمليات المعالجة.
● طريقة التخلص من هذه المياه.
● مواقع تجمع المياه الناتجة عن الصرف ومدى قربها من المناطق السكنية والزراعية.
● نتائج التحاليل البيئية والمخبرية للمياه المصروفة.
ومن دون هذه البيانات، سيظل النقاش قائماً على المخاوف والانطباعات، بينما المطلوب أن يتحول إلى ملف علمي وبيئي موثق.
حماية المياه مسؤولية الدولة والمصنع والمجتمع
لا يمكن تحميل المصنع وحده مسؤولية إدارة المورد المائي؛ فالمسؤولية تقع أيضاً على الجهات الحكومية المختصة التي تمنح التراخيص وتراقب معدلات السحب والتصريف، وعلى الجهات البيئية والصحية والبلديات، إضافة إلى مسؤولية المنشأة نفسها في الالتزام بالمعايير.
كما أن المجتمع المحلي له حق أصيل في أن يكون طرفاً في معرفة ما يحدث في بيئته.
فالحديث عن المياه الجوفية ليس حديثاً عن سلعة تجارية عادية؛ إنها ثروة طبيعية ترتبط بمستقبل السكان والزراعة والأجيال القادمة.
وقد شهد مصنع دجلة زيارات وتفتيشات رسمية في السنوات الأخيرة، من بينها جولة لفرق التفتيش التابعة لوزارة العمل في يوليو 2025، وجولة لوزارة البيئة في ديسمبر من العام نفسه.
لكن المرحلة القادمة يجب أن تكون أكثر شمولاً، بحيث لا يقتصر التفتيش على مدى الالتزام الإداري أو التشغيلي، وإنما يشمل الأثر المائي والبيئي طويل المدى.
وادي الربيع ليس مجرد موقع لمصنع..
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نتعامل مع وادي الربيع باعتباره مجرد موقع جغرافي يمكن إقامة أي نشاط صناعي فيه دون النظر إلى قدرة البيئة المحلية على تحمله.
وادي الربيع منطقة يعيش فيها الناس، وتوجد فيها الأراضي الزراعية والآبار والمزارع والطرق والمساكن.
وأي نشاط صناعي كبير يجب أن يُقيّم ضمن منظومة كاملة تشمل كمية المياه المتاحة، وكمية المياه المسحوبة، وتأثير ذلك على الآبار المجاورة، ومصير المياه الناتجة عن المعالجة، وتأثير التصريف على الأرض والسكان والبيئة.
فالاستثمار الحقيقي لا يعني تحقيق الإنتاج اليوم، ثم ترك المجتمع يواجه تبعات استنزاف الموارد غداً.
المطلوب: دراسة مستقلة وشفافة
من هنا، فإن المطلب الأكثر إلحاحاً ليس إغلاق مصنع دجلة، ولا تعطيل الاستثمار أو إنتاج مياه الشرب، وإنما إجراء دراسة هيدروجيولوجية وبيئية مستقلة وشفافة لمنطقة وادي الربيع والمناطق المتأثرة بها.
ويجب أن تشمل الدراسة المصنع والآبار المحيطة به، وأن تحدد قدرة الخزان الجوفي على تحمل معدلات السحب الحالية، وتأثير ذلك على الآبار الزراعية والمنزلية، إضافة إلى دراسة مسارات تصريف مياه المعالجة ومواقع تجمعها.
كما يجب نشر النتائج أمام سكان المنطقة، حتى يعرف الجميع الحقيقة بالأرقام، بعيداً عن التهويل أو التقليل من حجم المشكلة.
الماء الذي نهدره اليوم قد نفتقده غداً..
المشكلة الحقيقية ليست في زجاجة المياه التي تصل إلى المستهلك، وإنما في السؤال الذي يسبقها:
من أين جاءت هذه المياه؟ وكم استغرق الخزان الجوفي حتى يخزنها؟ وكم نسحب منه في اليوم؟ وماذا سيحدث إذا استمر السحب بالمعدل نفسه لسنوات؟
إذا كانت هناك مؤشرات حقيقية على تراجع المخزون المائي، فإن تجاهلها اليوم قد يعني دفع ثمنها غداً، عندما يجد المزارع أن بئره لم يعد يعطي الكمية نفسها، وعندما ترتفع تكلفة الري، وعندما تتراجع الأراضي الزراعية، وعندما تصبح المياه الجوفية أكثر ملوحة أو أقل جودة.
وإذا كانت البرك والمستنقعات الناتجة عن مياه المعالجة موجودة بالفعل، فإن تركها دون معالجة ليس حلاً؛ لأن المياه التي تخرج من المصنع لا ينبغي أن تتحول إلى مشكلة بيئية جديدة خارج أسواره.
إن حماية وادي الربيع وتاجوراء لا تعني الوقوف ضد الصناعة، بل تعني المطالبة بصناعة مسؤولة ومستدامة.
فالمصنع يمكن أن يستمر، والاستثمار يمكن أن يستمر، وإنتاج مياه الشرب يمكن أن يستمر، ولكن بشرط ألا يكون ذلك على حساب المورد المائي الذي يعتمد عليه سكان المنطقة ومزارعوها.
الماء ملك للأجيال، وليس مخزوناً مفتوحاً للاستهلاك بلا حدود.
ومن حق أهل وادي الربيع وتاجوراء أن يعرفوا: كم بقي من مياههم الجوفية؟ وكم يُسحب منها؟ وإلى أين تذهب المياه الناتجة عن المعالجة؟
هذه الأسئلة يجب ألا تبقى مجرد حديث بين السكان، بل ينبغي أن تكون بداية تحقيق بيئي ومائي جاد، معلن نتائجه بشفافية، قبل أن تتحول المخاوف الحالية إلى أزمة يصعب علاجها. Hassan EShreak