29/08/2025
إلى إخوتي الدراونه والكلام للجميع ..
حين أتحدث إليكم عن مدينتكم درنة فأنا لا أصف مجرد موقع جغرافي أو تجمع عمراني, بل أستحضر نموذجًا مدنيًا أصيلًا تفاعلت فيه خلفيات متعددة انصهرت في نسيج اجتماعي متنوع استمدّ تماسكه من تعدديته.
لقد احتضنت درنة الوافدين إليها عبر الهجرات وتقلبات التاريخ؛ ليندمجوا في مجتمعها دون تمييز أو إقصاء. لم يكن يُسأل القادم عن أصله أو انتمائه, ولم تكن تُسمع عبارات الإقصاء بحجة "ملكية المكان". كان السكن, أو العمل, أو المشاركة في الحياة الاجتماعية كفيلًا بأن يمنح الفرد موقعًا أصيلًا داخل هذا الكيان الحضري المشترك.
لقد عشنا في درنة -قبل أن يعبث بنا هراء السلطة الشعبية وفتنة التصعيد الشعبي المباشر- عشنا؛ العربي والأمازيغي والأندلسي, الغرباوي والشرقاوي, السعداوي والمرابط, الحرباوي والجبروني, جنبًا إلى جنب دون تفرقة. لم تُمنح هوية المدينة وقتها بالدم أو النسب، بل بالممارسة والانتماء. وبهذا صارت مدينتكم نموذجًا فريدًا للمدينة الحضرية التي لا يكمن جمالها في مبانيها وشوارعها وبساتينها فحسب, بل في قِيَمها التي حوّلت التعدد إلى نسيج متناغم.
كانت درنة تتكون من تجمعات عائلية تشكّل خمسة أحياء عمرانية تفصل بينها البساتين والمساحات الزراعية, وهي: البلاد، والمغار، والجبيلة، وبومنصور الفوقي، وبومنصور اللوطي, وكانت العديد من البيوت والبساتين الواقعة بين هذه الأحياء تمتلك بابين، شمالي وجنوبي, مما يُسهّل حركة النساء وغير البالغين من الأطفال الذين يعبرون من خلالها فيكفيهم ذلك حرج المرور بالأسواق أو الطرق الرئيسية.
نعم, كنا إذا أردنا زيارة بيت جدّي في حي المغار نعبر من خلال بيوت وبساتين جيران متتالية, نطرق الأبواب بلطف, ننتظر لحظة, فإن كان الباب مغلقًا جذبنا الخيط لفتحه ومررنا بهدوء. كانت هذه الأبواب المفتوحة على الدوام رمزًا لعلاقات إنسانية بُنيت على الاحترام والمودة والثقة.
إخوتي الدراونة،
ربما لا نستطيع اليوم إعادة البيوت ذات البابين ولا اتخاذها ممرات كما في الماضي, لكننا نستطيع -بكل تأكيد- أن نخوض معركة الوعي التي نوجّه فيها جهدنا بقوة نحو ترسيخ القيم التي صنعت تلك الروح, وأن نُعلّم أبناءنا أن الانتماء لا يُحتكر ولا يُقاس بالنسب, بل يُكتسب بالمشاركة وتحمل المسؤولية, وأنه من الخطأ أن نؤصّل علاقاتنا الاجتماعية على سيرٍ وقصص مختلَقة أو أنساب موهومة.
فلنبدأ يا سادة بإحياء المعاني التي جعلت من درنة رمزًا للجمال والتحضر والتسامح, ونبذ الأفكار ولغة الخطاب السلبية التي تهدد روح الوئام في مدينتنا وتذهب بقيم المحبة التي يحث عليها ديننا، وإلّا ستفقد حياتنا روعتها ودفء أمانها, وتتملك حياتنا أنماط دخيلة ومبتذلة, فيكون عندها بطن الأرض خير من ظهرها.
واسليمتكم
يوسف عبدالهادي 🖊