08/08/2025
منقول :-
اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالحالة الليبية
" الإحالة من مجلس الأمن في الميزان"
يبدو أن الاصرار على التسليم باختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن الحالة الليبية ، يعكس فهما غير سليم لضوابط اختصاص هذه المحكمة؛ فمن ناحية، فإن اختصاص المحكمة بالحالة الليبية استنادا للإحالة بموجب قرار مجلس الأمن "على فرض صحة انعقاد الاختصاص بموجب تلك الاحالة" هو اختصاص قاصر على وقائع حصلت قبل صدور قرار الإحالة، فهذه الأخيرة وفقا لنص المادة 13 من النظام الأساسي للمحكمة, تتعلق بجرائم وقعت، ولهذا فالاختصاص في هذه الحالة يمارس على أساس عيني ،و لا يمكن عده تفويضا مطلقا للمحكمة لممارسة اختصاصها على كل ما يرتكب على الأراضي الليبية، فذلك فضلا عن كونه توسعا في التفسير في نطاق محظور ،فهو افتعال للاختصاص بما يخالف قواعد القانون الدولي التي تفترض نسبية أثر المعاهدات الدولية كقاعدة عامة، والقول بغير ذلك يجعل قرار الاحالة بمثابة انضمام اجباري للمعاهدة المنشئة للمحكمة وهو مالا سند صريح له.
و فوق ذلك، فإن انعقاد اختصاص المحكمة فقط بناء على قرار مجلس الأمن، يبدو محل نظر، لكونه _وحسب فهمنا_ يقوم على تفسير غير صحيح لنصي المادتين. 12 و 13 من النظام الاساسي للمحكمة، فالمادة 12 حددت الشروط المسبقة للاختصاص وهي التي على أساسها يتحدد اختصاص المحكمة ، في حين حددت المادة 13شروط ممارسة الاختصاص والتي وردت من بينها حالة الاحالة من مجلس الأمن، ولا يخفى على متخصص وضوح الفارق بين شروط الاختصاص و حالات ممارسته.
يبدو واضحا أن ممارسة المحكمة لاختصاصها بناء على احالة من مجلس الأمن، لا تعني اطلاقا تفويض المجلس لمد اختصاص المحكمة لحالات لا يستوعبها اختصاصها وفق المادة 12 إذ الإحالة مرتبطة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة، وقيمة الإحالة هنا أنها تلقي على المدعي العام للمحكمة واجب مباشرة الدعوى بعد أن كان الأمر متروك لتقديره .
إن مثل هذا التفسير وإن اصطدم مع التطبيق العملي للمحكمة والفهم السائد في تحديد مفهوم هذه الاحالة، إلا أنه و حسب قناعتنا يعبر عن تفسير منطقي يلائم قواعد التفسير ويستجيب الى مقتضيات تطبيق القواعد الدولية التي تحترم فيها سياد الدول.
ولا يغيب عن فهمنا ما ورد بالنظام الأساسي من أن عناوين المواد لا تحد من نطاق تطبيقها ، إذ معتمدنا فيما نراه هو مضمون النص لا عنوانه، فالإحالة وردت في سياق حالات ممارسة الاختصاص ، وهي حالات تحريك الدعوى أمام المحكمة ، وهو سياق معتبر في فهم تلك الإحالة وتحديد مضمونها.
ولهذا فإن الحالة الوحيدة التي ينعقد فيها اختصاص المحكمة بشأن جريمة ارتكبت في دولة ليست طرف، هي حالة الخضوع الطوعي من طرف الدولة نفسها، وهي حالة وإن عبرت عن اعتراف صريح من الدولة بعجز اجهزتها القضائية، إلا أنها تجد مبررها في تطبيق قواعد الولاية القضائية للمحاكم الدولية، و التي تقوم في أغلب حالاتها على فكرة القبول الطوعي للولاية.