الميزان الحضاري - AlMizan

Directions

الميزان الحضاري - AlMizan أوصى المرحوم رأفت محمدعلي الضناوي ببناء مسجد السلام هذا, وتم افتتاحه فيأول أيام رمضان من عام 1413 الموافق ليوم الاثنين 22 شباط 1993

الميزان الحضاري – AlMizan
مشروع فكري مستقل يبحث في القرآن والسنن والتاريخ عن ميزان العدل والعمران، وعن أسس بناء الدولة والمجتمع على القسط لا الغلبة (ليقوم الناس بالقِسط)

04/10/2026

مستجدات مشروع «الميزان الحضاري»

نعمل على تحويل فكرة «الميزان الحضاري»، أي التوازن بين القدرة والعدالة واستدامة العمران، من إطار فكري إلى إطار تحليلي يمكن اختباره بالبيانات. وهدفه التشخيص والإنذار المبكر لصناع القرار، وليس تصنيف الدول أو الناس.

ما أنجزناه حتى الآن:
فصلنا في المشروع بين أربع طبقات: النص القرآني، وما قاله المفسرون، وما يُستنبط منهما، وما أضفناه نحن من نموذج حديث، حتى لا ننسب إلى النص ما ليس فيه.

راجعنا نص ابن خلدون في «العدل ميزان»، فوجدنا أنه ينقل حكاية الموبذان عن المسعودي ويستعملها في تحليله لخراب العمران. فهو ناقل ومستشهد، وليس صاحب العبارة.

أجرينا أول اختبار على البيانات، ثم سحبنا نتيجته بعد التدقيق لأن في مدخلاته أخطاء. وهذا هو المنهج الذي نريده: نعلن الخطأ كما نعلن النجاح.

إلى أين نذهب:
نسجّل خطة الاختبار مسبقاً قبل أي تحليل جديد.

نحجز جزءاً من البيانات للتأكيد لم نطّلع عليه.

ننشر النتائج سلبية كانت أو إيجابية.

لا تطبيق قبل أن يثبت الإطار صلاحيته.

ندعو المختصين في التفسير وفي الفكر الخلدوني وفي الإحصاء إلى مراجعة أعمالنا ونقدها.

ما نعمل به مبني على الاستعانة بعدة نماذج ذكاء اصطناعي كمدققين، لكن المراجعة النهائية بشرية.

(جمعية عينا المدينة اللبنانية)
فريق مجموعة (الميزان الحضاري - ملتقى بحثي)
(أحمد ستيتة) و(منصة عشرة)
Gemini, ChatGPT, Meta, Claude, Copilot
«النماذج مساعدة في التدقيق والتحليل»
«ما زلنا في مرحلة اختبار استكشافية، ولن ننشر أرقاماً قبل تسجيل الخطة وتأكيدها على بيانات لم نطّلع عليها».

 # القضية العالمية ـ الشرق أوسطية ـ اللبنانية ـ الطرابلسية # # في الميزان الحضاري # # # الحلقة السابعة**الاقتصاد والسياد...
27/09/2026

# القضية العالمية ـ الشرق أوسطية ـ اللبنانية ـ الطرابلسية

# # في الميزان الحضاري

# # # الحلقة السابعة

**الاقتصاد والسيادة**
**من يملك القرار المالي في لبنان؟**

في نهاية الحلقة السادسة سألنا:

إذا كان الشعب يمنح الشرعية، وكانت الطوائف تؤثر في التمثيل، وكانت الدولة تحتاج إلى السيادة...

فمن يملك القدرة على تمويل هذه الدولة؟

ومن يقرر الموازنة؟

ومن يحدد قيمة العملة؟

واليوم نضع هذا السؤال أمام الميزان، لأنه، ببساطة، السؤال الذي تحول منذ عام 2019 من مسألة تقنية يناقشها الاقتصاديون، إلى مسألة وجودية يعيشها كل مواطن لبناني في محفظته وحسابه المصرفي وقيمة راتبه.

فحين نتحدث عن السيادة، لا يكفي أن نسأل: من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يمثل الشعب؟

بل يجب أن نسأل أيضًا: من يملك القرار حين تنهار العملة، وتُجمَّد الودائع، وتُفرض قيود غير معلنة على أموال الناس؟

فالسيادة، كما قلنا في الحلقة الخامسة، ليست شعبًا وسلطة وأرضًا فقط.

بل هي أيضًا: سيادة على القرار المالي والنقدي.

---

# # # أولًا: ما الذي نعنيه بـ«السيادة الاقتصادية»؟

السيادة الاقتصادية ليست مجرد وجود عملة وطنية أو مصرف مركزي.

بل هي القدرة الفعلية على:

تحديد السياسة النقدية بما يخدم استقرار الاقتصاد ومعيشة الناس.

وضع موازنة عامة تعكس أولويات وطنية حقيقية، لا مجرد أرقام تفاوضية.

فرض الضرائب وتحصيلها بعدالة وشفافية.

إدارة الدين العام دون أن يتحول إلى قيد دائم على القرار السياسي.

حماية أموال المودعين والمواطنين من قرارات تُتخذ خارج إرادتهم.

فإذا غاب عنصر واحد من هذه العناصر، تصبح السيادة الاقتصادية منقوصة، تمامًا كما تصبح السيادة السياسية منقوصة إذا غاب عنها عنصر واحد من عناصرها.

---

# # # ثانيًا: من يملك، قانونيًا، القرار النقدي؟

قانون النقد والتسليف الصادر عام 1963 هو الإطار القانوني الأساسي الذي أنشأ مصرف لبنان ونظّم عمله.

فالمادة الأولى من هذا القانون تنص على أن الوحدة النقدية للجمهورية اللبنانية هي الليرة اللبنانية.

والمادة 70 منه تحدد مهام مصرف لبنان، وفي مقدمتها الحفاظ على استقرار النقد وسلامة النظام المالي والمصرفي.

والمادة 13 تمنح المصرف المركزي وصفًا بأنه شخص معنوي من القانون العام يتمتع بالاستقلال المالي في إدارة شؤونه.

لكن هذا الاستقلال محدود بطبيعته.

فكما أشارت قراءات قانونية متخصصة، هذا الاستقلال المنصوص عليه في المادة 13 استقلال ذو طبيعة مالية وإدارية، ولا يرقى إلى مستوى استقلالية دستورية صريحة، على خلاف دول أخرى تنص دساتيرها صراحة على استقلالية مصارفها المركزية، مثل سويسرا وتشيلي وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان وأفغانستان وأرمينيا.

وهذا فرق ليس شكليًا.

لأن الاستقلالية الدستورية تحمي المصرف المركزي من الضغط السياسي المباشر بنص أعلى من القانون العادي.

أما الاستقلالية القانونية العادية، فهي عرضة للتعديل بقانون آخر، أو للتفسير المتغير بحسب موازين القوى السياسية في لحظة معينة.

وهذا بالضبط ما شهدناه في النقاشات الأخيرة حول قوانين إصلاح القطاع المصرفي، حين تحولت مادة قانونية واحدة إلى ساحة خلاف حول من يملك فعليًا القرار: الحاكمية، أم الحكومة، أم القوى السياسية المتحكمة بالتشريع؟

---

# # # ثالثًا: وماذا عن الموازنة والضرائب؟

إذا كان القرار النقدي محل التباس، فإن القرار المالي، أي الموازنة العامة وسياسة الضرائب، يفترض أن يكون أوضح دستوريًا.

فمجلس النواب هو صاحب الصلاحية الدستورية في إقرار الموازنة العامة والقوانين الضريبية.

لكن الممارسة الفعلية على مدى عقود شهدت غياب الموازنات لسنوات متتالية، أو إقرارها متأخرة، أو دون رقابة فعلية كافية على الإنفاق.

وهذا يعيدنا إلى قاعدة أرسيناها في الحلقة الخامسة: الشرعية القانونية شرط ضروري، لكنها لا تكفي وحدها.

فوجود نص دستوري يمنح البرلمان صلاحية الموازنة لا يعني تلقائيًا أن هذه الصلاحية تُمارَس بجدية ومسؤولية ومساءلة فعلية.

---

# # # رابعًا: كيف تحوّل القرار المالي إلى قرار مرهون بالخارج؟

منذ انهيار عام 2019، أصبح لبنان في مفاوضات شبه دائمة مع صندوق النقد الدولي.

ووفق آخر متابعات هذه المفاوضات في أيلول 2026، عقد صندوق النقد سلسلة اجتماعات مكثفة في بيروت بين 15 و18 أيلول، شارك فيها وزيرا المالية والاقتصاد وممثلون عن رئاستي الجمهورية والحكومة ومصرف لبنان، تركزت على إعداد إطار مالي متوسط الأجل مرتبط بمشروع موازنة 2027، وعلى استراتيجية الإيرادات وتحسين الجباية.

وقد رحّب الصندوق بإقرار تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، معتبرًا ذلك خطوة مهمة في استراتيجية إعادة هيكلة القطاع المصرفي، لكنه شدد على أن استكمال الإصلاح يتطلب إقرار قانون الفجوة المالية والاستقرار المالي، مع التزام ترتيب واضح للأولوية في تحمل الخسائر، بحيث لا يتحمل صغار المودعين الخسارة قبل المساهمين وكبار الدائنين.

والمرحلة الأولى من هذا المسار تتمثل في التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين (SLA) مع الصندوق، تمهيدًا لاتفاق مالي نهائي.

فماذا يعني هذا من زاوية السيادة؟

يعني أن كثيرًا من القرارات المالية الجوهرية في لبنان، من صياغة الموازنة إلى إعادة هيكلة المصارف إلى معالجة أموال المودعين، تُصاغ اليوم ضمن إطار تفاوضي مع جهة دولية، لا كقرار سيادي مستقل بالكامل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن هذا التفاوض سيء أو غير ضروري.

فبلد يعاني من أزمة بهذا الحجم قد يحتاج فعلًا إلى دعم دولي وإطار إصلاحي خارجي يفرض انضباطًا لم يستطع النظام السياسي الداخلي فرضه على نفسه.

لكن السؤال الذي يطرحه «الميزان»:

هل هذا التفاوض ضرورة مرحلية نحو استعادة القرار الوطني؟

أم أنه يتحول إلى نمط دائم من القرار المُدار من الخارج، بسبب استمرار عجز الداخل عن الإصلاح الذاتي؟

---

# # # خامسًا: من يدفع ثمن الأزمة؟

وفق أحدث الأرقام الرسمية المعلنة من وزارة المالية اللبنانية حتى نهاية 2024، بلغ الدين العام نحو 46.3 مليار دولار، بينما تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن هذا الدين بلغ نحو 139.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي موازاة ذلك، أعلن حاكم مصرف لبنان أن إجمالي الأموال المعادة إلى المودعين، عبر التعميمين 158 و166، يُتوقع أن يصل إلى نحو 8.1 مليارات دولار بحلول نهاية 2026.

وهنا، كما فعلنا في الحلقة الثانية حين وضعنا «النصر» على الميزان، يجب أن نضع هذا الرقم على الميزان أيضًا:

هل 8.1 مليارات دولار تمثل تعويضًا كافيًا مقابل الودائع المجمّدة منذ سنوات؟

من قرر آلية إعادة هذه الأموال؟

ومن قرر أولوياتها وسقوفها؟

وهل شارك المودعون أنفسهم، أصحاب هذه الأموال، في صياغة هذه الآلية؟

أم صيغت في مفاوضات بين المصرف المركزي والحكومة والمؤسسات الدولية، بينما بقي صاحب الوديعة، وهو الطرف الذي تحمّل الخسارة الفعلية، خارج طاولة القرار؟

وهذا يعيدنا إلى قاعدة ثبّتناها في الحلقة الرابعة: من يملك القرار يجب أن يدفع ثمنه.

فإذا كان أصحاب القرار المالي والمصرفي في السنوات التي سبقت الانهيار لم يتحملوا وحدهم كلفة قراراتهم، بينما تحمّل المودع العادي، والموظف، وصاحب المؤسسة الصغيرة في طرابلس أو أي مدينة أخرى، الجزء الأكبر من الخسارة، فإن الميزان هنا مختل بشكل واضح.

---

# # # سادسًا: البنية التي أنتجت الانهيار

لا يمكن فهم أزمة اليوم من دون فهم البنية التي أنتجتها.

فلبنان اعتمد لعقود على نموذج اقتصادي قائم على جذب الودائع بفوائد مرتفعة، وتثبيت سعر الصرف، وتمويل عجز الدولة عبر الاستدانة من القطاع المصرفي نفسه.

وهذا النموذج ربط مصير المودع العادي، الذي وضع مدخراته في المصرف بثقة، بمصير سياسات مالية ونقدية اتُّخذت في مستويات لم يكن له فيها صوت مباشر.

فحين انهار هذا النموذج عام 2019، لم يكن الانهيار مفاجئًا بمعزل عن سنوات من القرارات المتراكمة.

بل كان نتيجة متوقعة لبنية اقتصادية بُنيت على استدامة مشكوك فيها منذ البداية.

وهنا يعود سؤال المساءلة الذي طرحناه في الحلقة الثالثة: خطأ التراكم السابق لا يُعفي أحدًا من المسؤولية لمجرد أن الانهيار جاء متأخرًا.

---

# # # سابعًا: السرية المصرفية... حماية أم غطاء؟

من أهم المحطات في هذا الملف كان تعديل قانون السرية المصرفية عام 2022، الذي كان لعقود يُستخدم كحائط حماية شبه مطلق يحول دون معرفة أي جهة رقابية أو قضائية لحسابات الأفراد والشركات، بمن فيهم كبار المسؤولين.

وهذا التعديل، الذي جاء أيضًا تحت ضغط الشروط الدولية للإصلاح، يطرح سؤالًا جوهريًا في «ميزان الشرعية»:

هل كانت السرية المصرفية أداة لحماية خصوصية المودع الصغير؟

أم كانت، عمليًا، غطاءً لحماية كبار المتنفذين من المساءلة حول مصدر أموالهم وحركتها؟

والإجابة، على الأرجح، ليست واحدة.

فقد تكون السرية المصرفية أداة مشروعة في سياقها الأصلي، بينما تحولت، بفعل غياب الرقابة والمساءلة، إلى أداة تحمي الفساد أكثر مما تحمي الخصوصية.

---

# # # ثامنًا: من يملك القرار فعليًا؟

إذا حاولنا رسم خريطة واقعية لمن يشارك في القرار المالي اللبناني اليوم، نجد عدة أطراف متداخلة:

حاكمية مصرف لبنان، ولها تأثير مباشر على السياسة النقدية وإدارة أزمة الودائع.

وزارة المالية والحكومة، المسؤولتان دستوريًا عن الموازنة والسياسة الضريبية.

مجلس النواب، صاحب الصلاحية التشريعية النهائية لإقرار القوانين المالية.

جمعية المصارف والقطاع المصرفي، بوصفه طرفًا مباشرًا في أي إعادة هيكلة تمس أمواله وميزانياته.

صندوق النقد الدولي والجهات المانحة الدولية، بوصفها شرطًا شبه إلزامي لأي تمويل خارجي أو استقرار مالي مستدام.

والمودعون أنفسهم، وهم الطرف الأكثر تضررًا، والأقل تمثيلًا المباشر في هذه المعادلة.

فحين تتعدد هذه الأطراف، يصبح سؤال «من يملك القرار؟» أعقد من إجابة واحدة.

لكن السؤال الأهم الذي يجب ألا يغيب: أين موقع المواطن العادي، صاحب الوديعة أو الراتب أو المدخرات، في هذه المعادلة المتعددة الأطراف؟

---

# # # تاسعًا: هل يمكن سيادة سياسية بلا سيادة اقتصادية؟

هنا نصل إلى السؤال المركزي في هذه الحلقة.

قلنا في الحلقة الخامسة إن السيادة حزمة مترابطة: سياسية وعسكرية وقضائية واقتصادية.

فهل يمكن أن تكون دولة سيدة في قرارها السياسي، بينما قرارها المالي والنقدي مرهون بشروط خارجية أو بمصالح داخلية ضيقة؟

الجواب، من حيث المبدأ، لا.

لأن الدولة التي لا تتحكم بعملتها ولا بموازنتها ولا بمصير أموال مواطنيها، تفقد جزءًا جوهريًا من قدرتها على اتخاذ قرارات سياسية مستقلة أيضًا.

فالقرار الاقتصادي ليس ملفًا منفصلًا عن السيادة.

بل هو أحد أعمدتها الأساسية.

ومن هنا فإن أي نقاش عن «الدولة القوية» أو «السيادة الكاملة»، من دون معالجة جذرية لهذا الملف، يبقى نقاشًا منقوصًا.

---

# # # عاشرًا: وماذا عن طرابلس؟

كما في كل حلقة، نعيد السؤال إلى مدينتنا.

فطرابلس من أكثر المناطق اللبنانية تضررًا من الانهيار الاقتصادي: ارتفاع معدلات الفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وإغلاق مؤسسات صغيرة ومتوسطة، وهجرة يد عاملة ماهرة بحثًا عن فرص خارج البلاد.

فحين تُناقَش «الفجوة المالية» و«إعادة هيكلة المصارف» في اجتماعات بيروت وواشنطن، من يمثل صوت التاجر الطرابلسي الذي أُغلق محله؟

ومن يمثل صوت العائلة التي فقدت مدخرات عمرها في مصرف كانت تثق به؟

وهل تصل أي من هذه الإصلاحات المالية إلى معالجة واقع مدينة تعاني أصلًا من تهميش تنموي سابق للأزمة نفسها؟

هذا سؤال لا يُحسم في هذه الحلقة، لكنه يبقى معلّقًا: هل تكون إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني فرصة لإعادة توزيع أكثر عدالة بين المناطق، أم إعادة إنتاج الخلل نفسه بأدوات جديدة؟

---

# # # الحادية عشرة: الميزان الواحد يبقى ساريًا

كما في كل حلقة سابقة، لا نُعفي أي طرف من هذا الاختبار.

فمصرف لبنان، بمن تعاقب على حاكميته، يخضع للسؤال: هل حمى استقرار النقد فعلًا، أم ساهم في بنية أوصلت إلى الانهيار؟

والقطاع المصرفي يخضع للسؤال: هل يتحمل مسؤوليته في الأزمة بما يتناسب مع أرباحه في سنوات ما قبل 2019؟

والطبقة السياسية تخضع للسؤال: هل مارست رقابة تشريعية جدية على القرار المالي، أم تركت الملف بلا موازنات ولا مساءلة لسنوات؟

والمجتمع الدولي والصندوق يخضعان للسؤال أيضًا: هل الشروط المطروحة تراعي فعلًا حماية صغار المودعين، أم تراعي أولويات الاستقرار المالي على حسابهم؟

فالميزان لا يُعلَّق عن أي طرف، حتى الأطراف الدولية التي تقدّم نفسها كحَكَم محايد.

---

# # # الخلاصة

لا نقول: الحل هو رفض كل شرط دولي، لأن الاستقلال الاقتصادي المطلق شعار غير واقعي في اقتصاد صغير ومنفتح كالاقتصاد اللبناني.

ولا نقول: الحل هو تسليم القرار المالي بالكامل لشروط خارجية، دون مراعاة لخصوصية المجتمع اللبناني ولمن يدفع الثمن فعلًا.

لا نريد استقلالًا نقديًا شكليًا بلا استقرار فعلي.

ولا نريد استقرارًا مفروضًا من الخارج بلا مشاركة داخلية حقيقية في صياغته.

لا نريد قرارًا ماليًا في يد نخبة مصرفية وسياسية ضيقة.

ولا نريد قرارًا ماليًا يُدار بالكامل من مكاتب بعيدة عن معاناة الناس اليومية.

بل نريد سيادة اقتصادية حقيقية، تقوم على:

مؤسسات مالية ونقدية خاضعة لمساءلة فعلية، لا استقلالية شكلية فقط.

موازنة عامة شفافة تُقرّ في وقتها وتُراقَب فعليًا.

عدالة في توزيع كلفة الأزمة، بحيث لا يتحمل صغار المودعين وحدهم ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها.

وتنمية منصفة تصل إلى كل المناطق اللبنانية، لا إلى مركز واحد دون أطرافه.

فالسيادة الاقتصادية، مثل الشرعية والتمثيل والسيادة السياسية، ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُختبر يوميًا في حياة الناس.

وفي الحلقة المقبلة، سننتقل من سؤال «من يملك القرار؟» إلى سؤال لا يقل أهمية:

إذا أخطأت الدولة، أو المصرف، أو الزعيم، أو الحزب، أو أي طرف من هذه الأطراف...

فمن يحاسبه؟

وهل توجد في لبنان آلية محاسبة حقيقية؟

أم أن الإفلات من العقاب أصبح هو القاعدة، والمحاسبة هي الاستثناء؟

هناك تبدأ الحلقة الثامنة:

**«العدالة والمحاسبة: من يحاسب من؟»**

القضية العالمية ـ الشرق أوسطية ـ اللبنانية ـ الطرابلسيةفي الميزان الحضاريالحلقة السادسةالشعب والطائفةمن يمثل من؟في الحلق...
27/09/2026

القضية العالمية ـ الشرق أوسطية ـ اللبنانية ـ الطرابلسية

في الميزان الحضاري

الحلقة السادسة

الشعب والطائفة
من يمثل من؟

في الحلقة الخامسة انتهينا إلى أن الدولة التي نريدها تقوم على أربعة عناصر:

شرعية متجددة.

وسيادة فعلية.

وعدالة مطبقة.

وقدرة حقيقية.

لكن أول هذه العناصر، أي الشرعية، يقودنا مباشرة إلى سؤال لم نجب عنه بعد:

شرعية مستمدة من تفويض...

لكن تفويض مَن؟

قلنا إن الشرعية الشعبية تحتاج إلى «شعب» يمنحها.

فمن هو هذا الشعب في الحالة اللبنانية؟

هل هو كتلة واحدة موحدة الإرادة؟

أم هو شعب واحد، يتكوّن في داخله من طوائف ومناطق واتجاهات سياسية ومصالح متعددة؟

وإذا كانت الطوائف جزءًا من البنية الاجتماعية والسياسية اللبنانية، فهل يمثل الزعيم طائفته فعلًا؟

أم يمثل ناخبيه؟

أم حزبه؟

أم تحالفاته؟

أم موقعه السياسي؟

أم أن المسألة أعقد من ذلك كله؟

هنا يبدأ سؤال هذه الحلقة:

«من يمثل من؟»

أولًا: الشعب اللبناني... من هو؟

الدستور اللبناني يبدأ من فكرة واضحة:

لبنان وطن واحد، أرضًا وشعبًا ومؤسسات، والشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية.

وهذا يعني أن المرجعية النهائية للدولة، من حيث المبدأ الدستوري، ليست الطائفة ولا الحزب ولا الزعيم، بل الشعب اللبناني عبر مؤسساته الدستورية.

لكن هنا يبدأ السؤال الذي يهمنا:

كيف تتحول هذه السيادة الشعبية من مبدأ دستوري إلى ممارسة سياسية فعلية؟

فاللبناني لا يدخل الحياة العامة بوصفه «مواطنًا مجردًا» فقط.

بل يحمل معه تاريخًا عائليًا ومناطقيًا وثقافيًا ودينيًا وطائفيًا وسياسيًا.

وهذه الهويات ليست كلها متعارضة.

قد يكون الإنسان لبنانيًا أولًا، وينتمي في الوقت نفسه إلى طائفة ومنطقة وحزب واتجاه فكري.

المشكلة لا تبدأ من وجود التعدد.

بل تبدأ عندما يتحول أحد هذه الانتماءات إلى الوسيط الوحيد بين المواطن والدولة.

هنا يصبح السؤال:

هل الطائفة مكوّن اجتماعي داخل الوطن؟

أم تتحول إلى وحدة سياسية مغلقة، يُطلب من الفرد أن يتحدث باسمها ويُطلب منها أن تتحدث باسمه؟

ثانيًا: هل المواطن يصوّت كمواطن أم كعضو في جماعة؟

هذه واحدة من أعقد مسائل النظام اللبناني.

فالدستور ينص على أن عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء، لا طائفته وحدها، كما ينص على أن اللبنانيين متساوون في الحقوق والواجبات العامة، وأن تولي الوظائف العامة يقوم على الاستحقاق والجدارة وفق القانون.

وفي الوقت نفسه، ينص الدستور، إلى حين وضع قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، على توزيع المقاعد النيابية وفق قواعد تراعي المناصفة بين المسيحيين والمسلمين والتوزيع النسبي بين طوائف كل من الفئتين والمناطق.

وهنا تظهر المفارقة:

الدستور يقول إن النائب يمثل الأمة جمعاء.

لكن النظام الانتخابي نفسه يحمل، في مرحلته الانتقالية، عنصرًا طائفيًا واضحًا.

إذن، هل الناخب أمام خيارين؟

أن يصوّت بوصفه مواطنًا يختار برنامجًا سياسيًا؟

أم بوصفه عضوًا في جماعة تبحث عن ضمانة تمثيلية؟

والحقيقة أن الواقع قد يجمع الاثنين.

وهنا لا ينبغي أن نبدأ بالحكم.

بل بالسؤال:

متى تكون الهوية الطائفية ضمانة للتعدد؟

ومتى تتحول إلى قيد على حرية الاختيار؟

ثالثًا: كيف وصل لبنان إلى هنا؟

لم يولد النظام اللبناني الحالي دفعة واحدة.

فالعلاقة بين الطائفة والسلطة السياسية تشكلت عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وصولًا إلى الصيغة التي أعاد اتفاق الطائف تنظيمها بعد الحرب الأهلية.

وكانت الفكرة الأساسية التي رافقت هذه الصيغ هي منع هيمنة مكوّن واحد على الدولة وضمان مشاركة المكونات المختلفة في السلطة.

وهذا المنطق لا يمكن اختزاله بسهولة في كلمة «محاصصة».

لأن خلفه سؤالًا حقيقيًا:

كيف تحمي مجتمعًا متعدّد الطوائف من أن تتحول الديمقراطية العددية فيه إلى وسيلة لهيمنة جماعة على جماعة؟

هذا السؤال مشروع.

لكن السؤال المقابل مشروع أيضًا:

متى تتحول الحماية المؤقتة للتعدد إلى نظام دائم يمنع الانتقال إلى المواطنة الكاملة؟

وهنا بالضبط يبدأ «الميزان الحضاري».

لا نقول:

الطائفية شر مطلق.

ولا نقول:

الطائفية ضمانة مطلقة.

بل نسأل:

ما الذي تحميه؟

وما الذي تنتجه؟

ومن يستفيد منها؟

ومن يدفع كلفتها؟

رابعًا: الطائفية... حماية أم تجميد؟

يمكن الدفاع عن النظام الطائفي من زاوية واضحة:

لبنان مجتمع متعدد، والتوازن بين مكوناته ليس تفصيلًا صغيرًا.

وفي بلد شهد تاريخًا من الصراعات الداخلية، قد يرى البعض أن ضمان المشاركة المتوازنة يمنع شعور جماعة بأنها مستبعدة من الدولة.

وهذا اعتبار لا يجوز تجاهله.

لكن في المقابل، هناك سؤال آخر:

إذا أصبحت الطائفة هي الطريق شبه الإلزامي إلى السلطة، فماذا يحدث للمواطن الذي يريد أن يصوّت خارج الاصطفاف الطائفي؟

وماذا يحدث للمرشح الذي يريد بناء قاعدة سياسية عابرة للطوائف؟

وماذا يحدث عندما تصبح المنافسة السياسية داخل الطائفة نفسها أكثر أهمية من المنافسة بين البرامج الوطنية؟

وهنا قد يتحول النظام الذي صُمّم لحماية التعدد إلى نظام يصعب معه تجديد التمثيل.

ليس لأن التعددية مشكلة.

بل لأن اختزال التعددية في زعامات ثابتة قد يصبح مشكلة.

خامسًا: الزعيم الطائفي... يمثل من؟

هنا نصل إلى قلب الحلقة.

حين يقول زعيم سياسي:

«نحن نمثل هذه الطائفة»

علينا ألا نقبل العبارة ولا نرفضها تلقائيًا.

بل نسأل:

من الذي فوضه؟

وكم من أبناء طائفته يؤيدونه؟

وكم منهم يعارضونه؟

وهل يستطيع المعارض داخل الطائفة نفسها أن يقول «لا» دون أن يتحول خلافه السياسي إلى اتهام له في هويته أو وطنيته؟

وهل توجد انتخابات داخلية حقيقية تسمح بتداول القيادة؟

وهل يملك أفراد الجماعة وسائل مستقلة للتعبير عن آرائهم؟

وهل يختلف أبناء الطائفة الواحدة في الموقف من الاقتصاد والدولة والسياسة الخارجية والسلاح والعلاقات الدولية والتنمية؟

بالطبع.

إذن لا توجد طائفة سياسية واحدة الرأي.

هناك أفراد.

وجماعات.

واتجاهات.

وأجيال.

ومناطق.

ومصالح.

ومدارس سياسية مختلفة.

ومن هنا يجب أن ننتبه إلى قاعدة خطيرة:

اختزال الطائفة في زعيمها يسلب الفرد داخل الطائفة حقه في الاختلاف.

وحين يتحول الخلاف السياسي إلى خلاف بين «طوائف»، تصبح مساحة التسوية أضيق.

لأن من يعارض برنامجًا سياسيًا يمكنه أن يغير رأيه.

أما من يشعر أن هويته نفسها مهددة، فقد يتعامل مع الخلاف باعتباره معركة وجود.

سادسًا: ميزان التمثيل

إذن، كيف نختبر ادعاء التمثيل؟

نسأل كل من يقول:

«أنا أمثل جماعتي»:

هل وصلت إلى موقعك من خلال انتخابات حرة وتنافس حقيقي؟

هل تقبل بوجود منافسين حقيقيين؟

هل تستطيع القاعدة الشعبية تغيير قيادتها؟

هل توجد مساءلة دورية؟

هل تستطيع الفئات المعارضة داخل الجماعة التعبير عن رأيها؟

هل تمثل مصالح الناس فعلًا؟

أم تمثل مصالح الزعامة والتحالفات والنفوذ؟

وهل تقيس نجاحك بعدد المقاعد؟

أم بتحسن حياة الناس الذين تقول إنك تمثلهم؟

وهنا نضيف قاعدة جديدة إلى «الميزان الحضاري»:

التمثيل ليس مجرد عدد أصوات.

التمثيل علاقة مستمرة بين الممثل والممثَّل.

وكلما انقطعت هذه العلاقة، تحول التمثيل من وكالة إلى وصاية.

سابعًا: هل الدولة نفسها فوق الطوائف؟

لا يكفي أن نسأل الزعماء.

يجب أن نسأل الدولة نفسها.

فالدستور اللبناني ينص في المادة 12 على أن لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة، ولا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة وفق القانون.

كما أن المادة 95 تضع مسارًا دستوريًا لإلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة، مع ترتيبات انتقالية خاصة بوظائف الفئة الأولى تقوم على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين من دون تخصيص الوظيفة لطائفة بعينها، مع التقيد بالاختصاص والكفاءة.

وهذا مهم جدًا.

لأن السؤال ليس:

«هل توجد طائفية في لبنان؟»

بل:

أين يسمح بها الدستور؟

أين ينظمها؟

أين يعتبرها مرحلة انتقالية؟

وأين يضع مكانها مبدأ المواطنة والكفاءة؟

هنا يصبح النقاش أكثر دقة من مجرد شعار «مع الطائفية أو ضدها».

ثامنًا: ماذا قال اتفاق الطائف؟

هذه النقطة أساسية.

اتفاق الطائف لم يطرح ببساطة إلغاء الطوائف من المجتمع.

بل طرح إلغاء الطائفية السياسية كهدف وطني أساسي، ووضع لذلك مسارًا مؤسساتيًا عبر المادة 95 من الدستور.

فنص على تشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، لدراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية.

وفي المرحلة الانتقالية، أبقى على تمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة، وأكد اعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية، مع ترتيبات خاصة للفئة الأولى.

كما نص، في بند مستقل أُدرج لاحقًا في المادة 22 من الدستور، على أنه مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.

إذن، التصور الذي خرج من الطائف لم يكن:

إما الطائفية الكاملة...

أو إلغاء الطوائف من الحياة العامة.

بل حاول بناء معادلة مختلفة:

تمثيل وطني في مجلس النواب.

وتمثيل للعائلات الروحية في مجلس الشيوخ.

وهنا يظهر سؤال يستحق البحث:

هل المشكلة في الفكرة؟

أم في عدم اكتمال تطبيقها؟

أم في أن موازين القوى السياسية جعلت الانتقال إليها متعذرًا؟

أم أن النظام يحتاج إلى صيغة أخرى أصلًا؟

هذه أسئلة، وليست أجوبة مسبقة.

تاسعًا: هل إلغاء الطائفية السياسية يعني إلغاء الطوائف؟

هنا يجب أن نفرّق.

إلغاء الطائفية السياسية لا يعني إلغاء الأديان.

ولا يعني إلغاء الطوائف كجماعات دينية أو اجتماعية.

ولا يعني مطالبة المواطن بالتخلي عن هويته.

فالمشكلة التي يناقشها النص الدستوري هي استخدام الانتماء الطائفي كأساس دائم للتمثيل السياسي، لا وجود التنوع الديني والاجتماعي في ذاته.

وهذا التفريق ضروري.

لأن المجتمع يمكن أن يكون متعدد الطوائف، بينما تكون الدولة مواطِنة في حقوقها وواجباتها.

وقد يكون المواطن متدينًا جدًا، وفي الوقت نفسه يؤمن بدولة تعامل المواطنين قانونيًا على أساس المواطنة.

إذن:

التنوع ليس المشكلة.

السؤال هو:

كيف يُدار التنوع؟

عاشرًا: وماذا عن العلمانية؟

يطرح البعض الانتقال إلى دولة مدنية أو علمانية بوصفه طريقًا للخروج من النظام الطائفي.

وهنا أيضًا يجب أن يعمل الميزان.

فإذا كان المقصود دولة لا تميز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الانتماء الديني أو الطائفي، فهذا يطرح سؤالًا مؤسساتيًا قابلًا للنقاش.

لكن الانتقال من نظام قائم إلى نظام آخر ليس مجرد تغيير مصطلح.

يحتاج إلى:

ضمانات دستورية.

توافق سياسي واجتماعي.

حماية للحريات الدينية.

حماية للمساواة.

ضمانات لحقوق الأقليات.

قضاء مستقل.

نظام انتخابي واضح.

ومرحلة انتقالية لا تجعل مكوّنًا يشعر أنه انتقل من شراكة إلى إقصاء.

لذلك لا يكفي أن نسأل:

«هل العلمانية جيدة؟»

بل نسأل:

أي علمانية؟

وبأي نموذج؟

وبأي ضمانات؟

وبأي طريق انتقال؟

ولصالح أي مواطن؟

وهل تستطيع الصيغة الجديدة أن تحقق المواطنة من دون أن تنتج هيمنة جديدة؟

الحادية عشرة: الأغلبية والأقلية... أين يقع الخطر؟

إذا انتقلنا إلى نظام سياسي يقوم بالكامل على المواطنة العددية، يظهر سؤال آخر:

هل تكفي الديمقراطية العددية لحماية التعدد؟

الأغلبية تستطيع أن تحكم.

لكن الديمقراطية الدستورية لا تعني أن للأغلبية حق انتهاك حقوق الأقلية.

ومن هنا تأتي أهمية الدستور والقضاء والحريات والحقوق الأساسية.

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول حماية الأقليات إلى حق دائم في تعطيل إرادة الأكثرية في كل قضية.

إذن لدينا ميزان مزدوج:

لا استبداد للأكثرية.

ولا استبداد للأقلية باسم الحماية.

لا حكم العدد وحده.

ولا حكم الخوف وحده.

بل مؤسسات توازن بين الإرادة الشعبية والحقوق الأساسية.

الثانية عشرة: والمواطن الفرد... أين هو؟

هنا نعيد الإنسان إلى مركز الصورة.

المواطن اللبناني ليس رقمًا في طائفة.

هو إنسان له رأي ومصلحة وحقوق وحياة خاصة ومستقبل.

وقد يكون:

مسلمًا ويختلف مع معظم زعماء المسلمين.

أو مسيحيًا ويختلف مع معظم زعماء المسيحيين.

أو درزيًا ويختلف مع الزعامات الدرزية.

أو ينتمي إلى طائفة أخرى ويختلف مع ممثليها السياسيين.

وقد لا يكون له ولاء حزبي أصلًا.

فمن يمثل هذا المواطن؟

وهنا السؤال الأخطر:

هل يحتاج المواطن إلى زعيم طائفي لكي يصل صوته إلى الدولة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهذه علامة على ضعف العلاقة المباشرة بين المواطن والمؤسسات.

أما إذا أصبح المواطن قادرًا على الوصول إلى حقوقه عبر القانون والمؤسسات والانتخابات والقضاء والإدارة، بصرف النظر عن طائفته، فإن الحاجة إلى الوسيط الطائفي تتراجع طبيعيًا.

وهنا ربما يكون الاختبار الحقيقي للدولة:

ليس أن تمنع الطائفة.

بل أن تجعل المواطن غير مضطر إلى الاحتماء بها للحصول على حقه.

الثالثة عشرة: طرابلس... أين يقع السؤال؟

وهنا يعود «الميزان الحضاري» إلى طرابلس.

لأن طرابلس ليست فقط مدينة لها انتماء طائفي أو مذهبي أو سياسي.

هي مدينة لها اقتصاد وتاريخ وفقر وموارد بشرية ومرفأ ومؤسسات جامعية وأحياء شعبية وطبقة وسطى وقطاع تجاري وصناعي ومجتمع مدني.

فإذا اختزلنا طرابلس في تمثيل طائفي أو سياسي واحد، نكون قد اختزلنا مدينة كاملة في صورة واحدة.

والسؤال الطرابلسي الحقيقي قد يكون:

هل تمثلنا الزعامات كما نحن؟

أم كما تريد أن ترانا؟

هل تمثل مصالح المدينة؟

أم مصالحها السياسية فيها؟

هل يصل صوت المواطن الطرابلسي مباشرة إلى الدولة؟

أم يحتاج إلى وسيط؟

وهل تقاس قوة تمثيل طرابلس بعدد المقاعد والوزراء؟

أم بقدرتها الفعلية على الحصول على التنمية والعدالة والفرص والاستثمار والخدمات؟

هنا يصبح التمثيل قابلًا للقياس بالنتائج، لا بالشعارات.

الرابعة عشرة: من يمثل من؟

بعد كل هذا، يمكننا أن نعيد صياغة السؤال.

الطائفة لا تمثل نفسها بالضرورة من خلال زعيم واحد.

والزعيم لا يمثل كل أبناء طائفته بالضرورة.

والحزب لا يمثل كل أبناء بيئته.

والنائب، دستوريًا، لا يمثل طائفته وحدها، بل الأمة جمعاء.

والدولة لا ينبغي أن تكون ملكًا لطائفة أو حزب أو زعيم.

والشعب لا ينبغي أن يُختزل في مجموع زعاماته.

بل العلاقة الصحيحة يجب أن تكون:

المواطن يمنح التفويض.

الممثل يمارس الوكالة.

المؤسسة تراقب.

القانون يحدد الحدود.

والانتخابات تعيد اختبار الثقة.

وهكذا لا يصبح التمثيل ملكية خاصة.

بل مسؤولية قابلة للتجديد والمراجعة.

الخلاصة

لا نقول:

الطائفية شر مطلق.

ولا نقول:

الطائفية حماية مقدسة.

لا نقول:

كل زعيم طائفي يمثل طائفته.

ولا نقول:

كل زعيم طائفي لا يمثل أحدًا.

بل نقول:

ضعوا التمثيل أمام الميزان.

من انتخبك؟

من يحاسبك؟

هل يستطيع منافسك أن ينافسك؟

هل يستطيع ابن طائفتك أن يخالفك دون أن يصبح عدوًا لها؟

هل تمثل المواطن المختلف عنك؟

هل تمثل الدولة؟

أم تمثل الجماعة؟

وأين تنتهي وكالة الجماعة وتبدأ مصلحة الوطن؟

هنا فقط يصبح السؤال:

«من يمثل من؟»

أكثر من سؤال سياسي.

إنه سؤال في معنى المواطنة نفسها.

فإذا كان المواطن لا يستطيع أن يكون مواطنًا إلا من خلال طائفته، فهناك مشكلة في بناء الدولة.

وإذا كان المواطن يستطيع أن يحتفظ بهويته الدينية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه يمارس حقوقه السياسية كمواطن كامل، فهنا تبدأ المواطنة الحقيقية.

لا نريد أن نلغي التنوع.

ولا نريد أن نقدّس الانقسام.

نريد دولة تستطيع أن تقول لكل لبناني:

كن ما تشاء في هويتك الخاصة...

لكن حقك أمام الدولة لا يزيد ولا ينقص بسبب طائفتك.

وهنا نصل إلى السؤال التالي:

إذا كان الشعب يمنح الشرعية...

وإذا كانت الطوائف تؤثر في التمثيل...

وإذا كانت الدولة تحتاج إلى السيادة...

فمن يملك القدرة على تمويل الدولة؟

ومن يقرر الموازنة؟

ومن يملك أدوات الاقتصاد؟

ومن يحدد قيمة العملة؟

ومن يملك القرار المالي؟

وهل تستطيع دولة أن تكون سياسية السيادة وهي اقتصادية القرار مرهونة للخارج أو للداخل أو لكليهما؟

من هنا تبدأ الحلقة السابعة:

«الاقتصاد والسيادة»
من يملك القرار المالي في لبنان؟

الميزان الحضاري - AlMizan

أحمد ستيتة

القضية العالمية ـ الشرق أوسطية ـ اللبنانية ـ الطرابلسيةفي الميزان الحضاريالحلقة الخامسةالدولة والشرعية والسيادةأي دولة ن...
26/09/2026

القضية العالمية ـ الشرق أوسطية ـ اللبنانية ـ الطرابلسية

في الميزان الحضاري

الحلقة الخامسة

الدولة والشرعية والسيادة
أي دولة نريد؟

في الحلقة الرابعة انتهينا إلى سؤال معلّق:

إذا كانت الدولة هي صاحبة القرار في الحرب والسلم...

فما هي «الدولة» أصلًا؟

هل هي مؤسسات قائمة؟

أم عقد اجتماعي؟

أم سلطة قانونية؟

أم إرادة شعب؟

اليوم لا نستطيع أن نتقدم خطوة واحدة في هذه السلسلة قبل أن نُخضع كلمة «الدولة» نفسها للميزان.

لأننا لاحظنا، عبر الحلقات الأربع الماضية، أن أطرافًا كثيرة ترفع كلمة «الدولة» كأنها حجة حاسمة، تمامًا كما رفعت أطراف أخرى كلمة «المقاومة» كأنها شهادة براءة.

وقلنا سابقًا:

الاسم لا يغني عن الفعل، والشعار لا يغني عن الدليل.

فهل «الدولة» كلمة، أم مضمون؟

وهل كل من يتحدث باسم الدولة يملك بالضرورة كل مقومات الدولة؟

هنا يبدأ الميزان.

أولًا: ثلاث كلمات لا يجوز خلطها

قبل أن نتقدم، لا بد من الفصل بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي:

الدولة: كيان قانوني ومؤسساتي يقوم على أرض وشعب وسلطات ومؤسسات تنظم شؤون المجتمع.

الشرعية: الأساس الذي يمنح السلطة حق ممارسة الحكم واتخاذ القرارات باسم الدولة، وفق قواعد دستورية وقانونية وسياسية معترف بها.

السيادة: السلطة العليا للدولة على إقليمها وشؤونها، واستقلال قرارها الخارجي، ضمن إطار القانون والالتزامات الدولية.

وهذه الثلاثة ليست مترادفة.

قد توجد دولة معترف بها دوليًا، بينما تواجه تحديات فعلية في ممارسة سلطتها على كامل أراضيها.

وقد توجد سلطة تملك قوة فعلية، لكنها تفتقر إلى أساس شرعي أو دستوري مقبول.

وقد تكون هناك مؤسسات تستند إلى شرعية قانونية، بينما تعاني قدرتها العملية على تنفيذ قراراتها من قيود داخلية أو خارجية.

والدستور اللبناني نفسه يصف لبنان بأنه «دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة»، كما ينص على أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وأن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.

إذن، السؤال ليس فقط:

من يملك النص؟

بل أيضًا:

من يملك القدرة على تحويل النص إلى واقع؟

ثانيًا: من أين تأتي الشرعية؟

حين يطالب طرف بالشرعية، علينا أن نسأل:

ما مصدر هذه الشرعية؟

هناك أكثر من أساس يمكن أن تستند إليه الشرعية السياسية، ولا يجوز افتراض أن أحدها يلغي البقية تلقائيًا.

هناك شرعية دستورية وقانونية، مصدرها النصوص والقواعد التي تنظم ممارسة السلطة.

وهناك شرعية شعبية وتمثيلية، مصدرها تفويض الناس عبر الآليات الانتخابية والمؤسسات التمثيلية.

وهناك شرعية تاريخية، تستند إلى دور أو نشأة أو مساهمة تاريخية في قيام الدولة أو حمايتها.

وهناك شرعية تقوم على الأداء والإنجاز، حين تستمد السلطة جزءًا من قبولها من قدرتها على توفير الأمن والخدمات والعدالة وإدارة الشأن العام.

وهناك شرعية دينية أو أخلاقية يطرحها أصحابها عندما يعتبرون أن سلطة ما تستند إلى قيمة أو مبدأ يتجاوز الإجراء السياسي.

وهناك أيضًا شرعية التحرير أو المقاومة كما يطرحها أصحاب هذا الخيار، حين يعتبرون أن الدفاع عن الأرض أو الشعب في مواجهة احتلال أو اعتداء يمنح الفعل أساسًا مشروعًا.

لكن هنا يجب أن يتدخل الميزان فورًا:

وجود مصدر من مصادر الشرعية لا يعني تلقائيًا امتلاك كل مصادرها.

فمن يقول:

«نحن الشرعية الدستورية»

لا يُعفى من سؤال الأداء والعدالة والمساءلة.

ومن يقول:

«نحن نمثل إرادة الشعب»

لا يُعفى من سؤال حدود التفويض وحقوق من لم يصوّت له.

ومن يقول:

«نحن أصحاب الدور التاريخي»

لا يحصل بذلك تلقائيًا على تفويض دائم للمستقبل.

ومن يقول:

«نحن شرعية المقاومة والتحرير»

لا يصبح بذلك معفيًا من سؤال الوسيلة، والتمثيل، والمساءلة، والنتائج.

وهنا يبدأ «ميزان الشرعية»:

لا نسمح بتحويل نوع واحد من الشرعية إلى شيك مفتوح.

ثالثًا: هل الشرعية القانونية تكفي وحدها؟

لنفترض أن سلطة ما استوفت الشروط الدستورية والقانونية الشكلية.

هل يعني ذلك أنها عادلة بالضرورة؟

ليس بالضرورة.

فالقانون يحتاج إلى مضمون عادل، وتطبيق منصف، ومؤسسات قادرة على الرقابة والمساءلة.

وفي المقابل، لا يجوز أن نقفز إلى النقيض فنعتبر أن كل من يعترض على القانون يصبح تلقائيًا صاحب شرعية أعلى منه.

إذن:

الشرعية القانونية أساس لا غنى عنه لاستقرار الدولة، لكنها لا تلغي سؤال العدالة.

والعدالة بدورها لا تلغي الحاجة إلى القانون.

وهنا نضيف قاعدة إلى قواعد الميزان التي بنيناها في الحلقات السابقة:

لا يكفي أن نسأل: «هل هذا قانوني؟»

بل نسأل أيضًا:

هل هو عادل؟

هل يطبق على الجميع؟

هل توجد رقابة على من يطبقه؟

وهل يستطيع المواطن الطعن فيه ومساءلة السلطة عنه؟

رابعًا: وهل الشرعية الشعبية تكفي وحدها؟

وهنا أيضًا لا بد من الحذر.

فالانتخاب يمنح تفويضًا سياسيًا، لكنه لا يعني تفويضًا مطلقًا بلا حدود.

الأغلبية لا تصبح مالكة لكل شيء بمجرد حصولها على الأكثرية.

فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على عدّ الأصوات، بل على منظومة من الضمانات:

دستور يقيّد السلطة.

قضاء مستقل.

حريات عامة.

حقوق أساسية.

تداول سلمي للسلطة.

رقابة ومساءلة.

وحماية لحقوق من هم خارج الأكثرية.

وهكذا يصبح السؤال:

هل الأغلبية تملك الحق في كل شيء؟

أم أن هناك حقوقًا أساسية لا يجوز أن تصبح رهينة لمزاج الأغلبية؟

فالشرعية الشعبية تحتاج إلى مؤسسات تحميها من التحول إلى سلطة غير مقيدة.

خامسًا: وهل الدور التاريخي يمنح تفويضًا دائمًا؟

وهنا نصل إلى نقطة حساسة في موضوع المقاومة والتحرير.

في الحلقة الثالثة وضعنا قاعدة:

الغاية لا تبتلع الوسيلة.

واليوم نضيف قاعدة موازية:

الإنجاز التاريخي لا يتحول تلقائيًا إلى تفويض أبدي.

إذا قامت جهة ما بدور تاريخي في الدفاع أو التحرير أو حماية منطقة أو مجتمع، فإن ذلك الدور جزء من سجلها، ويمكن أن يكون محل تقدير أو نقاش أو اختلاف.

لكن السؤال الذي يطرحه الميزان هو:

هل الدور التاريخي يمنح صاحبه إلى الأبد حق تحديد الحرب والسلم؟

هل يمنحه حق اتخاذ القرار السياسي نيابة عن المجتمع كله؟

هل يمنحه حق التصرف في مستقبل الأجيال دون تفويض متجدد؟

هنا يجب أن نفرّق بين أمرين:

الاعتراف بدور تاريخي.

ومنح تفويض دائم غير مشروط.

فهما ليسا الشيء نفسه.

والشرعية السياسية، في الدولة الحديثة، تحتاج إلى تجدد مستمر عبر القانون والمؤسسات والتمثيل والمساءلة.

سادسًا: فماذا عن السيادة؟

إذا كانت الشرعية تسأل:

«من يحق له أن يقرر؟»

فإن السيادة تسأل:

«هل تستطيع الدولة أن تقرر وتنفذ قراراتها فعلًا؟»

السيادة ليست مجرد كلمة مكتوبة في الدستور.

وهي أيضًا لا تعني أن الدولة لا تتأثر بالعالم الخارجي، فكل الدول ترتبط بمعاهدات والتزامات وعلاقات دولية.

لكن جوهر السؤال هو:

هل القرار الوطني يصدر من المؤسسات صاحبة الاختصاص؟

وهل تستطيع الدولة ممارسة سلطتها على أراضيها؟

وهل تستطيع حماية حدودها ومواطنيها؟

وهل تستطيع إدارة مواردها ومؤسساتها وقضائها؟

وهل تستطيع التفاوض مع الخارج من موقع دولة تملك قرارها؟

ومن هنا يمكن النظر إلى السيادة في طبقات متعددة:

سيادة على القرار السياسي.

وسيادة على القرار الأمني والعسكري.

وسيادة على الأرض والحدود.

وسيادة على الموارد العامة.

وسيادة على القرار المالي والاقتصادي ضمن ما تفرضه الالتزامات الدولية.

وسيادة القانون والقضاء.

وسيادة الدولة لا تختزل في ملف السلاح وحده.

فإذا كان النقاش عن السلاح ضروريًا، فإن السؤال الأوسع هو:

من يملك القرار؟

ومن يملك القدرة على تنفيذه؟

ومن يملك الموارد؟

ومن يملك أدوات الرقابة؟

ومن يستطيع محاسبة من يتخذ القرار؟

هنا يصبح الحديث عن السيادة أوسع من مجرد سؤال:

«من يحمل السلاح؟»

سابعًا: الدولة التي ينص عليها الدستور والدولة التي نراها في الواقع

الدستور اللبناني واضح في توزيع السلطات.

فرئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، ويرأس المجلس الأعلى للدفاع، والقوات المسلحة تخضع لسلطة مجلس الوزراء.

ومجلس الوزراء هو السلطة التي تناط بها السلطة الإجرائية، وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة، كما أن الحرب والسلم من «المواضيع الأساسية» التي ينص الدستور على آلية خاصة لاتخاذ القرار بشأنها.

لكن هنا يبدأ سؤال «الميزان الحضاري»:

وجود النص شيء.

وقدرة المؤسسات على تطبيقه شيء آخر.

فهل يكفي أن نقول:

«هذا هو النص»؟

أم يجب أن نسأل أيضًا:

هل المؤسسات تعمل؟

هل القرار يُتخذ وفق النص؟

هل تستطيع الدولة تنفيذ قراراتها؟

هل توجد مساءلة عندما لا تنفذ؟

وهل المواطن يشعر بأن الدولة موجودة في حياته اليومية، لا في صفحات الدستور فقط؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من الدستور.

بل تحمي الدستور من أن يتحول إلى نص جميل بلا أثر.

ثامنًا: ماذا يقول اتفاق الطائف عن الدولة؟

هذه النقطة لا يجوز تجاوزها في الحالة اللبنانية.

فوثيقة الوفاق الوطني تحدثت عن قيام «الدولة القوية القادرة» المبنية على الوفاق الوطني، وعن بسط سلطة الدولة اللبنانية تدريجيًا على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية، كما تناولت بصورة صريحة مسألة الميليشيات وانتقال السلاح والسلطة إلى الدولة.

لكن الميزان هنا لا يقرأ النص بصورة انتقائية.

فوثيقة الطائف نفسها جاءت ضمن سياق إنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء الدولة، وتضمنت كذلك مسائل الإصلاح السياسي والتمثيل والعلاقة بين السلطات وبناء الدولة.

لذلك لا يجوز أخذ جملة واحدة من الطائف وترك بقية المشروع.

السؤال الصحيح هو:

هل حقق لبنان فعلًا الدولة القوية القادرة التي تحدثت عنها الوثيقة؟

وأين نجح؟

وأين أخفق؟

وما أسباب الإخفاق؟

وهل المشكلة في النص؟

أم في تطبيقه؟

أم في بنية النظام؟

أم في موازين القوى؟

أم في التدخلات الخارجية؟

أم في مجموعة هذه العوامل معًا؟

هنا يبدأ البحث الحقيقي.

تاسعًا: هل يمكن أن تكون الدولة عادلة وهي عاجزة؟

نعم، من حيث المبدأ.

يمكن أن تكون النصوص عادلة، وأن تكون نوايا المؤسسات سليمة، بينما تكون القدرة على التنفيذ ضعيفة.

لكن هذه الحالة لا يمكن أن تستمر بلا ثمن.

فالمواطن لا يعيش في النصوص.

المواطن يعيش في النتائج.

حين يقول المواطن:

«القانون معي، ولكن لا أحد يطبقه»

فهذا يعني أن هناك فجوة بين الشرعية النظرية والقدرة العملية.

وهذه الفجوة هي إحدى أخطر المشكلات التي يمكن أن تصيب الدولة.

لأن الدولة التي لا تستطيع تنفيذ القانون تفتح الباب أمام بدائل أخرى:

العائلة.

الطائفة.

الحزب.

الزعيم.

الوساطة.

القوة.

أو حتى اليأس من الدولة نفسها.

وعندها لا تعود المشكلة مجرد ضعف إداري.

بل تصبح مشكلة في معنى الدولة ذاته.

عاشرًا: وهل يمكن أن تكون الدولة قوية وهي غير عادلة؟

نعم.

القوة ليست دليلًا على العدالة.

قد تمتلك سلطة ما مؤسسات قوية وأجهزة أمنية وموارد اقتصادية، ومع ذلك تحتاج إلى أن تخضع للسؤال الأخلاقي والقانوني نفسه:

هل تحترم الحقوق؟

هل تطبق القانون على الجميع؟

هل تحاسب القوي كما تحاسب الضعيف؟

هل تسمح بالاعتراض السلمي؟

هل تحمي كرامة الإنسان؟

وهنا نعود إلى قاعدة الحلقة الثالثة:

القوة ليست حقًا بذاتها.

وكذلك الدولة ليست معصومة لمجرد أنها دولة.

فالميزان لا يمنح المؤسسات الرسمية حصانة أخلاقية لمجرد حملها اسم «الدولة».

الحصانة الحقيقية لا تكون إلا للقانون والحق والإنسان.

الحادية عشرة: إذن... أي دولة نريد؟

هنا نصل إلى السؤال الذي بدأنا منه.

لا نريد دولة قوية بلا عدالة.

ولا نريد دولة عادلة بلا قدرة.

لا نريد شرعية بلا مساءلة.

ولا نريد سيادة بلا مؤسسات.

ولا نريد قانونًا يُطبّق على الضعيف ويتوقف أمام القوي.

ولا نريد قوة سياسية أو أمنية أو عسكرية خارج أي مساءلة.

ولا نريد دولة تستمد شرعيتها من لحظة تاريخية واحدة ثم تعتبر نفسها معفاة من التجدد.

نحن أمام أربعة عناصر يجب أن تلتقي:

الشرعية.

السيادة.

العدالة.

القدرة.

الشرعية تعني أن السلطة لا تتصرف من تلقاء نفسها، بل تستند إلى قواعد وتفويض ومساءلة.

والسيادة تعني أن القرار الوطني لا يتحول إلى مجرد إعلان نظري، بل تملك الدولة القدرة على ممارسته.

والعدالة تعني أن القانون لا يكون امتيازًا لفئة وعقوبة لفئة أخرى.

والقدرة تعني أن الدولة تستطيع حماية الناس وخدمتهم وتنفيذ القانون.

فإذا غابت الشرعية، تحولت القدرة إلى سيطرة.

وإذا غابت السيادة، تحولت الشرعية إلى شكل بلا استقلال فعلي.

وإذا غابت العدالة، تحولت الدولة إلى جهاز قوي بلا إنصاف.

وإذا غابت القدرة، تحولت الدولة إلى نصوص جميلة عاجزة عن حماية الناس.

الثانية عشرة: والسؤال الطرابلسي

ماذا تعني هذه المعادلة لطرابلس؟

هنا ينتقل «الميزان الحضاري» من النظرية إلى الشارع.

حين تُطرح في طرابلس أسئلة من نوع:

أين الدولة؟

أين التنمية؟

أين فرص العمل؟

أين الاستثمار؟

أين العدالة في توزيع المشاريع؟

أين الحضور الحقيقي في القرار؟

أين الخدمات التي تليق بالمواطن؟

فإن هذه الأسئلة ليست منفصلة عن نقاش الشرعية والسيادة.

بل هي اختبار لهما.

لأن المواطن لا يختبر الدولة فقط عند الحدود أو في القصر الجمهوري أو في مجلس الوزراء.

بل يختبرها عندما يحتاج إلى مدرسة.

أو مستشفى.

أو قضاء عادل.

أو فرصة عمل.

أو بنية تحتية.

أو حماية.

أو معاملة متساوية أمام القانون.

ومن هنا:

الدولة التي تصل إلى المواطن في لحظة الحرب ولا تصل إليه في لحظة التنمية، تحتاج إلى مراجعة.

والدولة التي تطلب من المواطن احترام القانون ولا توفر له عدالة القانون، تحتاج إلى مراجعة.

والدولة التي تطلب من الناس الثقة بها، يجب أن تعطيهم أسبابًا عملية لهذه الثقة.

الثالثة عشرة: والميزان لا يُعلّق عند أحد

كما فعلنا في كل حلقة سابقة:

لا نعفي الدولة.

ولا نعفي المقاومة.

ولا نعفي الأحزاب.

ولا نعفي الطوائف.

ولا نعفي النخب.

ولا نعفي القوى الإقليمية والدولية.

كل طرف يضع نفسه أمام الأسئلة نفسها:

ما مصدر شرعيتك؟

ما حدود تفويضك؟

من يحاسبك؟

ما نتائج أفعالك؟

ومن يدفع ثمن أخطائك؟

وإذا كان هناك تدخل خارجي في لبنان، فلا يكفي أن نسأل:

«هل نتفق معه أم نختلف؟»

بل نسأل:

هل يحترم سيادة لبنان؟

هل يدعم بناء مؤسساته؟

هل يتعامل مع اللبنانيين على قدم المساواة؟

هل يخدم استقرار الدولة أم يوظف ضعفها لمصلحة أخرى؟

وإذا كان هناك طرف داخلي يرفع شعار السيادة، نسأله الأسئلة نفسها.

وإذا كان هناك طرف يرفع شعار المقاومة، نسأله الأسئلة نفسها.

وإذا كانت هناك مؤسسة رسمية ترفع شعار الدولة، نسألها الأسئلة نفسها.

هذا هو «الميزان الواحد».

الخلاصة

لا نريد شرعية بلا مساءلة.

ولا سيادة بلا مؤسسات.

ولا عدالة بلا تطبيق.

ولا قوة بلا قانون يقيّدها.

لا نريد دولة تستعير شرعيتها من الماضي وحده.

ولا دولة تستعير قوتها من الخارج.

ولا دولة تختزل نفسها في مؤسسة واحدة.

ولا دولة تختزل نفسها في حزب.

ولا دولة تختزل نفسها في طائفة.

ولا دولة تختزل نفسها في سلاح.

نريد دولة تتجدد شرعيتها بتجدد ثقة الناس بها.

وتثبت سيادتها بقدرتها الفعلية على اتخاذ القرار وتنفيذه.

وتترجم عدالتها في حياة الناس اليومية، لا في النصوص فقط.

وتبني قوتها على القانون، لا على الخوف.

دولة تكون مؤسساتها أقوى من الأشخاص.

وقوانينها أقوى من النفوذ.

وعدالتها أقوى من الطائفة.

وسيادتها أقوى من التبعية.

وقدرتها أقوى من العجز.

ومن هنا نعود إلى السؤال:

«أي دولة نريد؟»

نريد دولة لا تُختزل في شعار.

ولا في سلاح.

ولا في مقعد.

ولا في طائفة.

ولا في زعيم.

بل دولة يشعر فيها كل مواطن، من طرابلس إلى أي زاوية أخرى في لبنان، أنها دولته، وأن القانون فيها يحميه كما يحاسب غيره، وأن كرامته ليست منّة من أحد.

وهنا فقط يصبح الحديث عن «الدولة» حديثًا عن مضمون، لا عن اسم.

لكن يبقى سؤال أخطر:

إذا كانت الشرعية تحتاج إلى تفويض متجدد...

فمن هو «الشعب» الذي يمنح هذا التفويض؟

هل الشعب كتلة سياسية واحدة؟

أم هو مجموعة طوائف ومناطق ومكونات ومصالح متداخلة؟

وهل الطائفة مجرد هوية اجتماعية؟

أم أنها تحولت إلى وحدة سياسية للتمثيل؟

ومن يمثل من؟

وهل النظام الطائفي في لبنان هو وسيلة لحماية التنوع؟

أم أنه أصبح عائقًا أمام بناء الدولة؟

هنا نصل إلى الحلقة السادسة:

«الشعب والطائفة: من يمثل من؟»

الميزان الحضاري - AlMizan

أحمد ستيتة

Address

لبنان الشمالي
Tripoli
1300

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الميزان الحضاري - AlMizan posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share