17/05/2026
الشيخ عبد الفتاح ابو غدة..🩷
هو الشيخ عبد الفتاح بن محمد بن بشير ابو غدة، قال عنه العلامة ابو الحسن الندوي أنه عالم ربّاني مربي، تذكار علماء السلف في سمّو الهمة، وعلوّ النظر، والتفنن في العلوم والاتقان فيها.
🩷
ولد الشيخ عبد الفتاح ابو غدة في مدينة حلب في سوريا في حي الجبيلة، في عام 1336 هـ الموافق ل 1917. ويعود نسبه الى الصحابي خالد بن الوليد. وقد حرص والده على ان ينشّأ ابنه على حب كتاب الله وعلى التقوى. ثم تابع دراسته في حلب ثم هاجر الى مصر حيث تخرج من كلية الشريعة في الجامع الازهر عام 1948، ثم تخصص في اصول التدريس، ورجع الى حلب مدرسا في ثانويات حلب ثم انتدب الى التدريس بكلية الشريعة في جامعة دمشق. ثم هاجر الى المملكة العربية السعودية في عام 1968 ليدرس في جامعاتها، وانتفع فيه خلق كثير الى العام 1991. كما درس في جامعات في بلدان شتى مثل السودان واليمن والهند والباكستان وغيرها.
تأثره بمشايخه🌺
تأثر بأناس عدة مثل ابيه محمد بن بشير الحلبي، الذي كان كثير التلاوة للقرآن، لم يكن عالما ولكن يحب العلماء. كما تأثر بعدد من المشايخ منهم الشيخ راغب الطباخ (ت 1370) بالشيخ عيسى البيانوني (ت 1362) الذي عُرف عنه بحبه الجم للرسول. والشيخ ابراهيم السلقيني والشيخ محمد نجيب سراج الدين (ت 1373) والشيخ مصطفى الزرقا (ت 1420) والشيخ محمد سعيد الادلبي والشيخ محمد ابو زهرة (ت1395) والشيخ محمد الخضر حسين (ت 1377) والشيخ محمد زاهد الكوثري (ت 1371) والشيخ احمد محمد شاكر (ت 1383) والشيخ محمود بن محمد شلتوت (ت 1383) والشيخ مصطفى صبري (ت 1373) والشيخ عبد الحليم محمود (ت 1398) والشيخ عبد الوهاب الخلاف (ت 1375) وغيرهم.
علومه🌺
يعد الشيخ من مفاخر زمانه في علوم الحديث والفقه الحنفي. كما ملك زمام اللغة العربية والشعر والتاريخ. سنفصل في هذا الموضوع في الجزء الثاني ان شاء الله.
اخلاقه النبوية🌼
تحلى الشيخ بالأخلاق النبوية من الايثار والصبر فذكر قصته عندما تأخرت نفقته عندما طلب العلم في مصر مرة من المرات، ولم يبق معه الا اقل القليل، وفي هذا الاثناء طلب منه جاره قرضا استوفى جميع ما بقي معه، فأعطاه حتى لم يبق معه شيء وهنا كابد الجوع الا ان وصلت نفقته من اهله من حلب. تخلق الشيخ بالإيثار والصبر. يرى الشيخ انه اذا اردنا ان ندرب الناشئة على مخايل القيادة فهذا يكون من خلال التركيز على معاني التواضع والخدمة والابتعاد عن حب الظهور والسيطرة💜
كان الشيخ يهتم بأمر المسلمين، منها اهتمامه بأبناء طلابه، حيث كان يشتري لهم الكتب النافعة ويحاسب ابائهم وان تعسر عليهم دفع ثمنها، كان الشيخ يهديها لهم. من عنايته بالمسلمين تألمه لوضع المسلمين المتردّي، قيل انه ان احدا زاره، وأخبره عن مآسي المسلمين، فتأثّر بهذه الاحداث، وصار ينزف من اذنه الى ان فقد سمعه بها.
اهتمامه بالكتب💜
نصح الشيخ طلاب العلم بالحذر من مغريات الدنيا، وطرح الشيخ تساؤلا "شراء الفاكهة ام شراء الكتب"؟ وقال ان كثيرا من العلماء كان بإمكانهم الاتجاه الى طلب الحياة الدنيا او ارادوا ذلك، خاصة انهم يمتلكون همما عالية وبإمكانهم التركيز على توليد المال، ولكنهم يقولون " لا ينال هذا العلم الا بالفقر". يقول ابن الشيخ عبد الفتاح ان اباه "قد منع نفسه من الفاكهة في اثناء طلبه في مصر، حتى يشتري بثمنها كتبا". كان الشيخ يردد قول الزمخشري: مجد التاجر في كيسه ومجد العالم في كراريسه. فالكتب هي رئة العالم ووجوده. وقد سُئل الشيخ مرة عن عدد الكتب التي يملكها فرد على مضض بأنها عشرين الف عنوان. كان يقول ان الكتب تحل في حياة العالم محل الروح من الجسد. فكان الشيخ يبذل ما يملك لشراء الكتب النادرة، وظل يبحث عن بعض الكتب النادرة سنين طوال حتى ظفر بها.
عناوين من كتبه🎁
اخرج الشيخ عبد الفتاح 67 كتابا. امتاز في فن الحديث الشريف والدراسة والتحقيق، واضاف الى المكتبة العربية العشرات من الكتب المميزة، منها كتابه "صفحات من صبر العلماء"، جمعه في عشرين سنة، وكتاب "العلماء العزاب" حيث كان الشيخ يحاول ان يجمع سير العلماء المخلصين لكي يتأسّى ابناء عصرنا -الذين تكاثرت المغريات من حولهم- بسيرتهم، حيث صار من الضروري ان يعود الانسان الى اصوله يتفيّأ تحت ظلالها ويتقوّى بآثارها.
اهتم الشيخ باغتنام وقته، ألف كتابا اسمه "قيمة الزمن عند العلماء" بيّن فيه اهمية الوقت وسبل اغتنام الساعات والدقائق والانفاس. من اغتنامه لأوقاته، كان عبد الفتاح ابو غدة لا يفارقه الكتاب في حضر ولا سفر. وكان يستغرب من طلاب العلم الذين يضيعون اوقاتهم ويقول: "إنا في زمن اوتي الطلبة من الكسل والتواني اضعاف ما اوتي اجدادهم من الجد والاجتهاد".
تعامله مع المخالفين في الرأي🌼
كان عبد الفتاح ابو غدة يدعو الى نبذ الخلاف، لان الاختلاف في الرأي لا يفسد الود، كما ان القضاء على جميع الخلافات قد يكون امرا مستحيلا. لذلك "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه". دعا الشيخ الى ادب الخلاف بخلاف من يدعو الى التكفير والتبديع. دعا الشيخ الى الصبر والمسامحة حين ينال الانسان الاذى من الناس. وقال ان عاقبة امر المسامح افضل من عاقبة المنتقم لنفسه. بل ان ترك المقابلة والرد اقتل للمسيئ من الرد عليه. قارن الشيخ ما بين تأدب العلماء من السابقين وما بين غرور وتكبر بعض مدعي العلم في زماننا ممن اغتروا بالشهادات والالقاب. فقاموا بتجهيل السلف وطلبوا الرياسة من خلال "الشذوذ ورغوة الكلام".
مرب عظيم🌺
كان الشيخ عبد الفتاح انسانا شديد العطاء. أفاد كل من حوله، افاده بخلقه المتميز، افاده بعلمه الغزير، افاده بسلوكه الملتزم بالكتاب والسنة. احب الشيخ عبد الفتاح التدريس وبرع به. كان عنده المنهج المناسب للشباب المسلم. فقد كان يغذّي بطلابه العقيدة المؤمنة، ويذكي بالشباب الخلق المسلم والعمل الصالح. كان الشيخ يحض طلابه على الاستفادة من اوقاتهم، فكان لا يفارقه الكتاب في حضر ولا سفر. فإذا كانوا في السيارة يطلب لمرافقه ان يقرأ داخل السيارة. بل انه كان اذا دخل المطعم يقرأ طالبه الكتاب بانتظار الطعام
نصائحه لطالب العلم💜
ينصح الشيخ طلاب العلم بالتواضع وعدم الاغترار بالنفس، وكان الشيخ يتحلى بهذه الصفة، ومن ذلك انه عندما يشير لنفسه في كتاباته بقوله: قال عبد الفتاح مبتعدا عن "نا" وعن نون الجماعة تواضعا. وظل الشيخ مداوما على طلبه للعلم حتى النفس الاخير. فكان يسأل وهو على فراش الموت عن بعض الكتب والرسائل ويسال ابنه ان يقرأ عليه. كان لسان حال الشيخ عبد الفتاح شعر الامام ابن فارس:
اذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا ****ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى؟
جهده في تحقيق الكتب💜
خدم الشيخ عبد الفتاح الكتب خدمة نفيسة، كان في خدمته لكتبه يراعي الاتقان، ذكروا عن الشيخ محمد عوامة انه دخل الى غرفة الضيافة ببيت الشيخ، فوجد كل المقاعد عليها كتب مفتوحة. فسّر له الشيخ عبد الفتاح ذلك، بأن هناك كلمة يبحث عنها منذ ثلاثة اشهر حتى اتعبته!، قال له وجدتها اليوم! كان الشيخ يضع الكثير من الفوائد في حواشي كتبه. كان الشيخ يقتنص الشوارد ويجمع المتفرقات ويقدمها لطالب العلم سهلة ميسّرة. من جميل ما ذكر الشيخ في كتبه الدعاء الذي صدّر به "رسالة المسترشدين" للإمام المحاسبي: 🩷
اللهم إني أعوذ بك أن أُحبَّ فيك وأنت لي مبغِض، وأن أُرشِدَ إليك وأنا عن رضاك بعيد، وأن أحبِّبَ العبادَ إليك وأنا محروم من حبّك لي.
كان الشيخ رحمه الله يقدم مع الكتاب المحقّق كتابا اخر مليئا بالفوائد النادرة والتوضيحات النافعة التي توضح الغامض وتبين العبارات الصعبة.. كان يتأنّى بتحقيقه، لم يكن يهدف الى ربح مادي او شهرة معنوية، وهذا يُعرف من بقاء بعض الكتب حبيسة الادراج لأعوام كثيرة، فلا يرسل بالكتاب الى الطبع الا بعد ان يستوفي اتقانه.
رحيله🌎
توفى رحمه في التاسع من شهر شوال من سنة 1417 الموافق ل 17 فبراير لعام 1997. وقد صُلي عليه بالمسجد النبوي ودفن بالبقيع
🌎🌍🌎🌍🌎🌍🌎🌎🌍🌎🌍🌎