مجلة المجتمع المدني

مجلة المجتمع المدني مجلة المجتمع المدني تصدر عن هيئة تفعيل المجتمع المدني ?

17/10/2024

إنهم يألمون كما تألمون
أحلام بيضون

اليوم كنت أشاهد مستوطني الوطن الفلسطيني المحتل، وهم يتدافعون، باحثين عن أبواب الملاجئ كي يحتمون من ضربة قاتلة قد تكون من نصيب بعض منهم، وخيل لي أن كل واحد منهم يتحسس جسده. منظر يبعث على الابتسام، ليس شماتة رغم أنهم أعداء ومحتلون ومجرمون، بل للتيقن أنهم فعلا يألمون كما نألم، وأكثر.
لقد مر أمامي شريط مصور ناطق لحياة الإسرائيليين المدنيين، وإن كانوا جميعهم مشاريع جنود في الاحتياط، خاصة وأني كنت للتو قد شاهدت وثائقيا عن بنية الملاجئ في الكيان المحتل، والذي تم البدء بتنفيذه في العام ١٩٥٢، لأن الصهاينة الأوائل كانوا متيقنيين أنهم يعيشون في بيئة معادية، وأنهم سيحتاجون إلى تلك الملاجئ. وبطبيعة الحال، شعورهم بأنهم سيحاربون دليل على أنهم يعرفون مدى الجرم الذي اقترفوه حين جاؤوا واستولوا على أرض وأملاك تعود إلى غيرهم. ربما تكون الدولة الصهيونية متفوقة على جميع الدول فيما أنشأته من ملاجئ عامة وخاصة، للمدنيين والرسميين، مجهزة بكل ما يحتاجه شخص كي يعيش برفاه، من توفير المأكل والمشرب إلى برك السباحة، وملاعب ومكاتب ومدارس.
غير ان شعبا كاملا لا يمكنه أن يبقى مدة طويلة في الملاجئ تحت الأرض، مهما كان وفر له من ظروف وأدوات الراحة، فالناس بحاجة إلى حياة عادية في الهواء الطلق، حيث يذهبون إلى أعمالهم بشكل طبيعي. أما البقاء في الملاجئ فممكن أن يكون لساعات أو أيام قلية، ولكن ليس لأشهر وسنوات.
المشكلة الثانية التي أدركتها وأشفقت لحال الأعداء بها، هي صفارات الإنذار، كم هي مزعجة ومرعبة، وهذه أيضا كان ممكن تحملها لو حصلت مرة واحدة في اليوم، أما أن تحصل مرات عدة، كما هو حاصل للأعداء منذ سنة، وخاصة منذ أن قررت المقاومة في لبنان أن ترد كما ينبغي على جرائم العدو، فالأمر متعب حقا، حيث يضطر الناس للتوقف فجأة عن أعمالهم ونشاطاتهم اليومية، ويهرعون باحثين عن الملاجئ.
وأدركت للحظة أن المستوطنين الصهاينة ليسوا أفضل حال منّا، رغم مستوى الإجرام الذي وصل إليه كيانهم العنصري، ومدى ما سفكوه من دمائنا، ومدى الدمار الذي ألحقوه ببنانا التحتية التحتية وتراثنا.
أحلام بيضون
بيروت، في ١٧/١٩/٢٠٢٤

19/07/2024

دولة أم دولتان
الالتباس الذي كاد أن يضيع الحقوق الفلسطينية
أحلام بيضون

فرض تقسيم فلسطين بقرار دولي رقم ١٨١/١٩٤٧، اقيمت فعليا بموجبه دولة استيطان صهيوني عرفت بدولة اسرائيل وقبلت في الأمم المتحدة تحت شروط، ولم تقم الدولة الفلسطينية، بسبب رفض الشعب الفلسطيني تقاسم أرضه مع محتلين أجانب، كذلك رفضت الشعوب العربية ذلك، ولم تعترف الحكومات العربية بدولة الاحتلال.
يقيت اسرائيل معتبرة دولة احتلال، من قبل جميع الدول العربية، إلى أن تم خرق ذلك من قبل النظام المصري باتفاقيات كامب ديفد عام ١٩٧٨، حيث خرجت بموجبه مصر عن الاجماع العربي، وعقدت صلحا مع إسرائيل، بقي محصورا، بشكل عام، على المستوى الرسمي.
شجعت تلك الاتفاقية الكيان الصهيوني في ان يتمادى في عدوانه، ويسعى للتخلص من منظمة التحرير الفلسطينية، والاستيلاء على جنوب لبنان في الوقت عينه، فكان عدوان عام ١٩٧٨، واحتلال جنوب لبنان حتى الليطاني، ثم تبعه عدوان عام ١٩٨٢، والذي أدى إلى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وإلى ارتكاب جرائم إبادة في مخيمات اللجوء الفلسطيني (صبرا وشاتيلا، بالإضافة إلى غيرها)، تواكب مع إلغاء القرار ٣٣٧٩ الذي يعتبر الصهيونية نظاما عنصريا.

لكن الأسوء من ذلك كله نتج بمناسبة اتفاقية أسلو، عام ١٩٩٣، التي حصلت بين دولة الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمعترف لها بهذه الصفة من قبل الأمم المتحدة، والتي اكسبتها مجموعة من القرارات الدولية، قوة معنوية وحقوقية كبيرة، أهمها حقها في مقاومة الاحتلال، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ما يشكل اعترافا ضمنيا بأن إسرائيل قوة احتلال، واغلب هذه القرارات حصىلت في اوائل السبعينات من القرن الماضي، وتوجت بقرار اعتبار الصهيونية نظاما عنصريا بموجب القرار ٣٣٧٩ لعام ١٩٧٥.

تعتبر اتفاقية أسلو حسب رأينا ضربة قاسمة للقضية الفلسطينية، وذلك للأسباب التالية:
١) شجعت تلك الاتفاقية التي سميت اتفاقية اطار او مبادئ أنظمة عربية على التطبيع، فكانت الاردن الدولة التالية بموجب اتفاقية وادي عربة بينها وبين اسرائيل في العام ١٩٩٤. ستتجرأ أنظمة عربية أخرى على التطبيع مع الكيان الصهيوني، وان بقي ذلك سريا، خاصة بعض انظمة الخليج، التي اعتبرت نفسها غير معنية كثيرا، كونها بعيدة نوعا ما عن الحدود مع الكيان. الأسوء من ذلك أن هو التطبيع مع اسرائيل، واطاعة الإملاءات الأميركية في ذلك، جعل تلك الأنظمة تكن عداء كبيرا لدولة إيران، التي أعلنت عداءها لإسرائيل منذ انتصار الثورة عام ١٩٧٩، ومساندتها للشعب الفلسطيني ولحركات المقاومة العربية خاصة اللبنانية، حيث كان لبنان يواجه أخطر عدوان وتهديد لوحوده من قبل كيان الاحتلال الصهيوني.
٢) خسارة القضية الفلسطينية كانت أكبر على الصغيد الدولي، حيث بدأت كثير من الدول التي كانت تناصر وتدعم المقاومة الفلسطينية، تتحرر هي الأخرى من التزامها، وتقيم علاقات مع إسرائيل.
٣) حوّل الاتفاق إسرائيل في أذهان الناس من دولة احتلال إلى دولة أساسية أصلية، وبدأت الحكومات تبني على ذلك. وراح كيان الاحتلال يراكم المكاسب منذ كامب ديفد، وبدأ حكامه يقتنعون بأنهم سيحصلون الأمن والأمان أخيرا، ويزوال خطر الخطر الذي يتهددهم بالزوال كونهم يعرفون حقيقة عدم شرعية كيانهم، خاصة بعد أن تمكنت قوى الاستعمار العالمية من تخريب كل الدول العربية التي كانت تسمى دول الممانعة، أي المناهضة لإسرائيل، وعلى رأسها العراق وسورية وليبيا والجزائر، بينما لبنان كان قد نال نصيبه من تدمير وحروب وجرائم، ورغم ذلك تمكن من طرد المحتلين سواء الصهاينة، او القوات الأميركية التي دخلت عام ١٩٨٣ الى بيروت تحت اسم قوات متعددة الجنسيات.

لم يبق امام إسرائيل سوى إيران، التي لم تتمكن لا هي ولا أميركا من تخريبها رغم الاعتداءات المتكررة عليها ورغم الحصار المفروض والعقوبات.

سنحت فترة الضعف العربي الناتجة عن ارتباط الأنظمة بالغرب خاصة الولايات المتحدة الامريكية، من عقد اتفاقيات تطبيع مع الكيان الصهيوني، خاصة إبان فترة حكم ترامب الاولى في العام ١٩١٨، ضمن ما سمي اتفاقيات ابراهام.
٣) جعلت اتفاقية اوسلو منظمة التحرير سلطة حكم ذاتي لفترة انتقالية ، بانتظار إقامة الدولة الفلسطينية، في هذه الأثناء تحولت منظمة التحرير (السلطة الفلسطينية في رام الله) من حركة مقاومة إلى جهاز أمن داخلي، فرض عليه التنسيق الأمني مع العدو، ما مكّن هذا الأخير من استهداف المقاومين إما بالقتل إما بالأسر، بينما أخذت سلطات العدو تتوسع عن طريق بناء المستوطنات، فارضة على قطاع غزة الذي لم يقبل التنسيق، حصارا مميتا، ضمن خطة تهدف إلى التخلص كليا كيان فلسطيني، ضمن ما سمي صفقة القرن.
٤) انقسم القادة الفلسطينيون وانقسم معهم الشعب الفلسطيني فأصبحنا أمام وجود كيانين سلطة حماس في غزة، والمتمسكة بالمقاومة، وسلطة عباس في الضفة والواقعة تحت سلطة الاحتلال المباشر.

كاد العالم ينسى أن هناك قضية لشعب فلسطيني، لا زالت الأرض تحمل إسمه، رغم تغيير التسمية، وبذل جهد كبير لتغيير اللغة وأسماء المدن والقرى، لتتلاءم مع الكذبة الصهيونية الكبرى ، المتمثلة بأن فلسطين هي الأرض التي وعد الله بها اليهود. سامحني يا الله، هل أنت غير عادل! لماذا تعد مجموعة من العصابات المجرمة بأرض شعب آخر، ولا تغدق بكرمك على شعوب أخرى؟

ان ما كان يجب أن يحصل، هو تمسك الفلسطينيين بحقهم في أرضهم، تمسكهم بصفتهم كشعب أصلي، أبناء فلسطين منذ الأزل وإلى الأبد، وعدم المساومة أو التنازل عن حقوقهم. نحن لا ننفي أن الشعب الفلسطيني ومقاومته، تعرض لأبشع أنواع الجرائم داخل أرضه وخارجها، ولكن كان يجب على قادته أن يتحملوا ويصبروا، وان لا يثقوا بوعود الدول الكبرى الاستعمارية ، ذات الاطماع، والتي نحمي دولة الاحتلال الصهيوني.

ان قدر الشعوب التي تقع تحت نير الاحتلال النضال والصبر، والتاريخ زاخر بالأمثلة، والشعب الفلسطيني هو من ضمن تلك الشعوب، كتب عليه الظلم والمعاناة، ووجب عليه أن يصبر ويقاوم، بانتظار الوصول إلى انتصار، يمكنه من تقرير مصيره، عندها يقرر أن كان سيبني دولته على أرضه التاريخية، والتي ستضم كل أبنائها دون تمييز،، أو أن يتقاسم أرضه مع كيان آخر يسمى إسرائيل او غير إسرائيل. والمقصود بقولي هذا، أنه لم يكن صائبا أن يتم التنازل عن الحقوق الفلسطينية التي لا يلغيها الزمن والاحتلال من خلال الاعتراف الرسمي بدولة الاحتلال، دون أي مقابل.
أحلام بيضون
١٩/٧/٢٠٢٤
أحلام بيضون

13/05/2024

اهتزاز الأسس التي قام عليها الكيان الصهيوني
أحلام بيضون

منذ بداية المشروع، قامت إسرائيل على مجموعة من الأسس، أهمها: الأمن، الديموغرافيا، السردية التاريخية-الدينية، سردية الهولوكوست، مظلومية اللاسامية، عامل الازدهار والتفوق، النظام الديموقراطي-الاشتراكي، الدعم الخارجي السياسي العسكري الاقتصادي، وسط منطقة واسعة جغرافيا، وكثيفة ديموغرافيا، ومهمة استراتيجيا واقتصاديا، مناهضة لاحتلال أقدس أماكنها، وشعب أصلي منتهك الحقوق، مصّر على التحرير وتقرير المصير. فماذا حصل اليوم؟

1- الأمن، الذي لا يمكن للكيان أن يستمر بدونه، إذ هو عامل الاستقرار الأساسي، وقد اهتز بسبب عدم التمكن من إخماد الثورات الفلسطينية المتتالية منذ قيام الكيان، وبسبب تهاوي صورة الجيش الذي لا يقهر من جهة ثانية. وموضوع الأمن أساسي اشتغلت إسرائيل لصيانته كهدف بحد ذاته، وكوسيلة لتنفيذ جرائمها بتقديمه كتبرير. وقد تناولنا في بحث سابق هذا الموضوع وأهميته (نشر على وسائل التواصل بتاريخ 8/3/2024).
تجلت أهمية العامل الأمني للكيان الصهيوني، في كل القرارات الدولية والاتفاقيات والحلول المطروحة، التي تتعلق بفلسطين المحتلة والكيان المغتصب، فركزت على الأمن كمطلب أساسي، الأمن مقابل السلام، أو الأمن مقابل بعض التنازلات، التي لم تحصل، لأن الكيان الصهيوني يريد فلسطين من دون الفلسطينين، فلا الحل وجد، ولا الأمن استتب، حتى وصل إلى أسوء مستوياته في 7 أكتوبر، وما أعقبه من جرائم مقترفة بحق المدنيين الفلسطينيين، بحيث أظهرت الجيش الإسرائيلي، الذي طالما افتخر به الكيان، بأبشع صوره، فالجيش الذي لا يقهر، لا يقاتل، بل يقصف المدنيين من أطفال ونساء بالدرجة الأولى، في حين تبلي فيه المقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها بلاء حسنا. أضف إلى ذلك، الاضطرابات الداخلية التي لا تبشر الكيان بالخير، بل بالزوال.

2- الديموغرافيا، وقد شغلت بال المؤسسين الأوائل لفكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فقد كانوا واعين أن تلك البلاد لها أصحابها، واليهود الموجودون فيها في ذلك الوقت لم يكونوا يشكلون أكثر من 6% من مجموع السكان، لذلك بنيت الفكرة على استقدام اليهود من الخارج. وبما أن الفلسطينيين ناهضوا ذلك المخطط، فقد طرحت فكرة التخلص من أكبر عدد من هؤلاء، ليحل محلهم القادمون الأجانب من اليهود حصرا. ولما طرح الأمر على الرئيس الأميركي ترومن في ذلك الوقت، لم يستنكر ولم يرفض، ولكن أقر بصعوبة ذلك الترانسفير أو الإخلاء، ورأى أن المسألة تحتاج وقت وعمل تدريجي، وهذا ما اتبعته الحركة الصهيونية بالفعل. وسلكت من أجل ذلك عدة سبل أهمها الإرهاب والتقتيل الممنهج، والتهجير القصري، والاستيلاء على الأرض، وارتكاب المجازر، وإقامة المستوطنات. موقف الرئيس الأميركي في ذلك الوقت يذكرنا بموقف الرئيس الحالي بايدن، فهو ليس مع وقف الحرب على غزة، بل مع عدد أقل من تقتيل المدنيين، وعدد أكبر من أكياس الطحين.
ضلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين تصاعدية حتى العام ١٩٧٣، وحرب العبور. وازدهرت مع اتفاقيات السلام، لتعود وتتراجع مع الانتفاضات الفلسطينية. وقد عرفت الهجرة العكسية محطات أشهرها، العام 2007، بعد حرب 2006 ضد لبنان، والعام 2017، بعد حروب غزة، ثم 2020، و2021، و2022. وعرف العام 2023 تحسنا في الهجرة إلى إسرائيل، نتيجة لما عرف باتفاقيات أبراهام، وموجة التطبيع مع بعض الأنظمة العربية، لتأتي معركة طوفان الأقصى، في 7 أكتوبر 2023، وتقلب الوضع تماما، وقد بلغ عدد المستوطنين المهاجرين نهائيا من الكيان 360 ألف نسمة، في الفترة الأولى، ثم وصل العدد إلى ما يقارب المليون شخص مع استمرار الحرب. هكذا يكون ثاني أركان الكيان الصهيوني بعد الأمن قد ضرب بالصميم.

3- الرواية أو السردية الصهيونية حول الحق في فلسطين، حيث أن الفكرة الصهيونية لاحتلال فلسطين بنيت على سردية تاريخية، ألبست ثوبا دينيا يكون مقنعا، ومبررا لاختيار فلسطين من بين بلدان المعمورة. والتاريخ يعود إلى حقبة ما قبل ميلاد المسيح بعشرات السنوات، ليربط قيام الكيان الاستيطاني بأسطورة مملكة يهودا والسامرة (الضفة الغربية حاليا). أما الحق بالعودة بعد أكثر من 2500 سنة، فقد تمّ تبريره بوعد إلهي، أقحموه في نصهم الديني، القائم على التمييز والعنصرية والقتل، وحاشا لله أن يكون ذلك كلامه. من هنا، كان لا بد من ربط المسألة ببعد ديني، يمكن الحركة الصهيونية، العلمانية أساسا، من أن تقنع عامة اليهود من هجرة مواطنهم الأصلية إلى فلسطين. أما زعماء العالم الفاعلين في ذلك الوقت، والذين قبلوا بتلك الخدعة وتلك الجريمة، فلم يكونوا بحاجة إلى إقناع، فقد سعى أجدادهم قبلهم لاحتلال الأراضي المقدسة، باسم عود الصليب منذ ألف سنة، وشنوا الحروب الصليبية على شعوبنا، كما أنهم غزوا بلدانا كثيرة، وأبادوا شعوبها وعلى رأسها القارة الأميركية وأسترالية.
إن الرواية التاريخية التلمودية قد ضُربت تماما بعد عملية 7 أكتوبر 2024، حيث أن الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في غزة بشكل رئيسي، وفي الضفة الغربية، قد جعلت العالم يستفيق، ويبدأ بالبحث على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الكتب، ليعرف حقيقة ما يجري، بعد أن ضُلّل لسنوات طويلة بالبروباغاندا الغربية الاستيطانية التوسعية الاستغلالية، والتي تحمي الكيان المغتصب، فهو يشكل لها قاعدة متقدمة في منطقة هامة جدا كمنطقة الشرق الأوسط. لقد ضربت سرديتهم الكاذبة تماما، بعد أن عرف العالم حقيقة ما يجري، وتغير الرأي العام العالمي، وسارت المظاهرات بالآلاف بل بالملايين على امتداد العالم، خاصة في البلدان التي تدعم حكوماتها الكيان الصهيوني المحتل، تحديدا الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى عشرات البلدان. ولعل أجمل ظاهرة وأهم ظاهرة هي الحراكات الطالبية، والجامعية، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تمت تعرية ذلك النظام تماما أمام الرأي العام، وانفضحت ديموقراطيته الزائفة بعد أن أرسل رجال الأمن ليمارسوا العنف ضد الطلاب والأساتذة الجامعين، وبلغ عدد المعتقلين ثلاثة آلاف. ولكن مع ذلك، لم تتوقف الاحتجاجات والاعتصامات المساندة للشعب الفلسطيني، والمطالبة بوقف التعاون مع الكيان، وبتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، مدافعين عن القضية الفلسطينية وكأنها قضيتهم، ما يؤكد معرفة أجيال المستقبل بأن قيام دولة صهيونية في فلسطين هو احتلال غير شرعي، وحرمان للشعب الفلسطيني من وطنه.

4- عامل الازدهار، وهو مرتبط بالعامل الأمني، وهو من الأسس التي قام عليها الكيان الصهيوني، سواء من حيث استعمال ذلك كوسيلة لإغراء اليهود حول العالم للهجرة إلى فلسطين، أو من حيث بناء الدولة والتباهي أمام العالم بأنها كيان متطور مزدهر، ضمن بيئة يعمها الفساد والاستبداد، رغم ثرواتها، بفعل الأنظمة المرتبطة بمراكز القرار الأجنبي، التي كانت وراء قيام الكيان المغتصب في الأرض العربية، ومكنته من البقاء رغم رفض الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لذلك الكيان، وقيام الثورات المسلحة التي لم تخمد منذ أن بدأت تتكشف خطة احتلال فلسطين.
أدت الحروب المتتابعة التي يقوم بها الكيان المحتل، وخاصة حالة الحرب الأخيرة ضد غزة (2023-2024) إلى انتكاس هذا العامل، فلم يعد بإمكانه أن يلعب دوره المغري في استجلاب اليهود إلى الكيان المحتل. فالازدهار يحتاج أمن، واستقدام اليهود الأجانب يحتاج ازدهارا وأمنا.

5- النظام الديموقراطي المستقر، وقد أظهرت الأزمات الداخلية الأخيرة في الكيان مدى هشاشة ذلك النظام، ومدى التناقض بين عناصر غريبة عن بعضها البعض، بسبب أصولها وعاداتها المختلفة. وبسبب أيديولوجياتها المختلفة، يسارا ويمينا، تطرفا دينيا وإلحادا. لقد كشفت حرب غزة المستور، وبينت مدى التصرف الديكتاتوري والعنصري والاستعلائي الذي يتبعه ساسة ذلك البلد، كما أظهرت مدى الاستخفاف بقضايا المواطنين، خاصة ما أظهرته قضية المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، وعدم إعارة أدنى اهتمام لمطالبات أهاليهم بوقف الحرب، للتمكن من استعادتهم وهم على قيد الحياة، فمنذ أكثر من ستة أشهر، ومظاهرات الأهالي وقسم كبير من الإسرائيليين لا تتوقف، وهي تطالب بإلحاح بوضع حد لتلك القضية، بقبول وقف إطلاق النار، وإجراء عملية تبادل.

6- التجروء على الكيان المحمي نفسيا برهاب معاداة السامية، ومحمي اقتصاديا وعسكريا من قبل الغرب وخاصة من الولايات المتحدة، لما يمثله قيامه في فلسطين من فصل للعالم العربي إلى نصفين، وجعل شعوب ذلك العالم ينشغلون عن التقدم والتطور بمعرفة كيف يمكنهم وضع حد لذلك الاحتلال، الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا. إن شعوب العالم المضللين، استفاقوا فجأة على أيدي أجيالهم الجديدة، القادرة على استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، ومعرفة حقيقة ما يجري. ليس هذا فحسب، بل إن اللاجئين الفلسطينين إلى بلدان الغرب، وغيرهم من الشعوب العربية، وعلى الأخص اللبنانيين والسوريين والعراقيين والمغاربة، ووصول نخب كثيرة منهم إلى أماكن حساسة كمراكز الأبحاث والتعليم الجامعي، وحتى إلى مواقع سياسية، قد ساعد كثيرا في إطلاع الطلاب، والزملاء على حقيقة ما جرى ويجري في فلسطين، وجاءت عملية 7 أكتوبر وما تبعها، كي تثبت مدى إجرام العدو الصهيوني، ومدى كذب ما يدعيه من حقوق وحاجة إلى دفاع عن النفس، وكذلك انكشفت حكوماتهم بالذات، خاصة الحكومة الأميركية، التي تدعي حماية العالم، ونشر الحرية والديموقراطية، فإذا بها شريكة في أبشع جريمة إبادة في التاريخ. بالمقابل، تبينت تلك الشعوب حقيقة المقاومة وشجاعتها، وأخلاقها، سواء في مناسبة تبادل الأسرى الأولى وكيفية التعامل من المحتجزين، أو تجنب استهداف المدنيين، رغم جرائم العدو. تجسدت تلك المعرفة بالحقيقة باحتجاجات وتظاهرات على مدى العالم.
كل ذلك، جعل دولا، عانت من فصل عنصري واحتلال اقتلاعي، كما يعاني الشعب الفلسطيني، ترفع دعوى اتهام بالإبادة الجماعية ضد سلطات العدو أمام محكمة العدل الدولية، في الوقت الذي أقدمت فيه هيئات قانونية على تقديم دعاوى جنائية ضد مسؤولين صهاينة أمام المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب إقامة محاكم الضمير، أو المحاكم الشعبية، التي تهدف لتعرية ذلك النظام العنصري الاستبدادي الاستيطاني الإحلالي المجرم.
وهكذا، ورغم استماتة الإدارة الأميركية ورئيسها في الدفاع عنه، فقد أصبح الكيان الصهيوني متهما وماثلا أمام الرأي العام العالمي، بجرائم يرتكبها ضد الشعب الفلسطيني وغيره من شعوب المنطقة، وينتظر مصيرا ليس أقل من مصير النظام العنصري في جنوب إفريقيا.

إن الواقع الذي أحدثته فجأة عملية 7 أكتوبر المجيدة، قد أعاد القضية الفلسطينية عقودا من الزمن إلى الوراء، وطرحت كل الأوراق على المشرحة، وتمّ إحياء الشعب الفلسطيني كشعب أصيل في فلسطين، له الحق في الحياة وتقرير المصير؛ بينما، استحضرت الجرائم المرتكبة على يد الصهاينة صورة العصابات الأجنبية، التي تسطو على حقوق الغير، وتلجأ إلى ارتكاب الجرائم كي تتمكن من تنفيذ أهدافها، ووضع اليد على ما ليس لها حق به. من هنا، نرى أن الشعارات التي يرفعها متظاهرو الجامعات، تنادي بفلسطين حرة من النهر إلى البحر، وهذا يعني تجريد الكيان الصهيوني من أي حق يدعيه لنفسه زورا في أرض فلسطين؛ وتبخرت، أوصاد كل ذلك، آمال الكيان الصهيوني وحماته الغربيين، وخاصة الأمريكيين، وبعض الأنظمة العربية المستتبعة لهم، والمتمثلة في قيام نظام إقليمي، كثرت تسمياته، يتجلى في جعل الكيان الصهيوني الغاصب كيانا طبيعيا مندمجا في المنطقة، ليس على قدم المساواة بل على درجة من الفوقية والاستغلال والاستتباع لشعوبها ومواردها.
أحلام بيضون
بيروت في 13/5/2024

04/05/2024

بدأ الجد
أحلام بيضون

قلنا في مقال سابق لنا، أنه لو لم تنتج غزوة 7 أكتوبر سوى المظاهرات حول العالم، نصرة للشعب الفلسطيني، وتغيير الرأي العام العالمي لكان ذلك أكبر انتصار. واليوم، نقول أن الجد قد بدأ مع المظاهرات والاعتصامات التي ينفذها طلاب الجامعات الأميركية وبعض الجامعات الأوروبية والكندية. لكن لماذا نعتبر أن التحرك طلاب الجامعات الغربية، وخاصة الأميركية مهما وفاصلا؟
يكسب التحرك الطلابي في الجامعات الغربية أهميته على مستويين: الأول هو من أهمية التحرك طلاب الجامعات بشكل عام، والثاني من أهمية تحرك طلاب الجامعات الغربية وخاصة الأميركية بشكل خاص.

أولا: أهمية الحراك الجامعي بشكل عام:
يشكل طلاب الجامعات العنصر الحيوي في المجتمع، فهم جيل الشباب، الذين سيشكلون، بمختلف اختصاصاتهم، طليعة المستقبل ونخبه، وعقله المفكر، وهم من سيدير المرافق العامة، ويخطط للشركات، ويهندس الحياة المدنية، ويؤثر في أداة الحكم والإدارة العامة، والاقتصاد والمالية العامة والسياسة الخارجية لبلادهم، أو العلاقات الدولية. وكثر منهم سيتسنى لهم لأسباب معينة أن يشاركوا، أو ربما يقودوا الحكم في بلدانهم. هذا بالإضافة إلى أعدادهم الكبيرة كمكون في المجتمع، واحتمال أن تنظم إليهم عوائلهم. لذلك فإن المواقف التي يتبنونها، سيكون لها أثرها على صعيد توعية المجتمع ككل من ناحية؛ من ناحية ثانية، لا يمكن للحكومات أن تتجاهل مطالب طلاب الجامعات، إلا إذا كانت حكومات غبية، على اعتبار أن الطلاب لا يتحركون إلا لأسباب محقة، ويمكن أن تؤدي سلبية الحكومات تجاه مطالبهم، خاصة إذا كانت تلك المطالب وطنية عامة، إلى اضطرابات داخلية وحروب، وهذا ما حصل في لبنان مثلا، حيث كان طلاب الجامعات في أوائل سبعينات القرن الماضي، هم طليعة المظاهرات والاحتجاجات على تصرفات الحكومة، ورفع مطالب تدعو إلى إدخال تعديلات على نظام الحكم. لكن تعنت السلطات يومها، وتوفر ظروف وأسباب إقليمية ودولية أدخل لبنان في صراعات داخلية، لم يخرج منها فعليا حتى الآن، رغم توقف أعمال العنف بتوقيع اتفاق الطائف عام 1989، واضطراب الوضع الداخلي وانهيار السلطة، عرضاه لاعتداءات خارجية، بدأت بالعدوان الصهيوني العام 1978، تبعه العدوان الثاني 1982، وانتهت مع دحر العدو في العام 2000. لكن الوضع لم يستقر حتى الآن، بسبب غباء السلطة مرة ثانية، التي لم تحقق المطالب الوطنية، وتكرر السيناريو مع الحراك الطلابي والشعبي في العام 2019. إن فشل الحراك اللبناني دائما، والذي يعود إلى فساد السلطة، والتدخل الخارجي، أصاب الشباب بالإحباط، حيث تكرر الوضع، ولا زلنا نعيش آثار فشل مظاهرات العام 2019.

ثانيا: أهمية حراك الجامعات الأميركية بشكل خاص:
يتخذ حراك طلاب الجامعات الأميركية الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، أهمية خاصة. فبالإضافة إلى مشاركته في الأهمية التي تتصف بها الحراكات الطلابية الجامعية بشكل عام، فإن المطالب التي يرفعها الطلاب الأميركيون أو الأوروبيون، تشكل علامة فارقة في تاريخ العالم. ويكسب أهميته من حيث أنه يظهر مدى تغير الرأي العام العالمي، حيث انكشفت الأوراق، واطلعت الأجيال الشابة، خاصة في الجامعات، على حقيقة ما جرى وما يجري. واتضحت لتلك الأجيال سياسة الاستبداد والعدوان والإجرام التي تتصف بها دولة الصهاينة في فلسطين، وتتصف بها حكوماتهم الأميركية بالذات، التي تحمي وتمول وتشجع الاحتلال على الاستمرار بجرائمه الفظيعة ضد الشعب الفلسطيني هذا من جهة؛ من جهة ثانية، إن كثر من الطلاب الثائرين هم مرشحون للاشتراك في قيادة بلدهم، أو الاشتراك في إدارتها كما يحصل مع خريجي جامعة كولومبيا مثلا، أو مع المعهد الفرنسي للعلوم السياسية، وبالتالي، سيكون لأفكارهم التي دفعتهم اليوم للتحرك والاحتجاج ورفع المطالب، تأثير كبير على قراراتهم في المستقبل.
إن الرواية الصهيونية الكاذبة حول حقوق في فلسطين، لم تعد تقنع أجيال الجامعات، الذين يتألفون ليس فقط من مواطنين أميركيين أصليين، أو أوروبيين، بل أيضا من مواطنين من جنسيات مختلفة على رأسها الجاليات العربية والإسلامية. بالإضافة إلى البعثات أو الطلاب الأجانب الذين يتمتعون بإقامات مؤقتة للدراسة، وربما يبقون هناك. لكن العنصر المؤثر والمهم أكثر من غيره، هو الطلاب اليهود الرافضين لسياسة الدولة الصهيونية، وما ترتكبه باسم اليهودية من جرائم، وما تتذرع به تحت عنوان معادات السامية.
إن قيام إسرائيل واستمرارها حتى اليوم لم يكن ممكنا لولا الإرادة الأوروبية والأميركية، والدعم غير المشروط الذي تتلقاه على كل الصعد، وحماية مسؤوليها من المحاسبة على الجرائم التي يرتكبونها ضد الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية.

لن أختم هذا النص دون أن أتطرق إلى حالة طلاب الجامعات العربية، ولماذا لا يتظاهرون ويعلنون استنكارهم لما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة وتجويع وإهانة. طبعا، لا يمكن سوق نفس الأحكام أو التبرير لكل الطلاب العرب في كل البلاد العربية، ولكن ما نستطيع تعميمه ونجد ذلك منطقيا، هو أن عدم تنظيم مظاهرات، لا يعني أبدا أن الطلاب في الجامعات العربية لا يستنكرون، ولا يحزنون لما يجري لأشقائهم في فلسطين، ولكن يمكن التمييز في الأسباب التي تؤدي إلى هذه السلبية في التعبير عن الرأي أو عن العواطف، وأهمها حسب رأينا:
1- أن هناك من الشعوب العربية من هو منخرط فعليا في مساندة الأشقاء الفلسطينيين، كما في لبنان مثلا، وهو مهدد مثلهم باتساع المواجهة والتعرض لعدوان وجرائم مختلفة. أضف إلى ذلك، أن الشعب اللبناني بشكل عام، وطلاب الجامعات اللبنانية بشكل خاص، قد أصيبوا بالإحباط، جراء فشلهم في تحقيق التغيير السياسي الذي سعوا إليه في العام 2019، وقبلها في العام 1975، كما أسلف وذكرنا، ما جعل قسما كبيرا من الطلاب يهجرون الوطن إلى الخارج، فالتحق قسم منهم بالجامعات وقسم بالعمل، وهم فاعلون في التظاهرات التي تحصل في أميركا وأوروبا، ومن بين الطلاب المعتقلين عدد من اللبنانيين منهم طالبات قياديات.
2- أن هناك طلابا يعيشون في ظل أنظمة صارمة حتى لا نقول غير ذلك، وطلاب الجامعات فيها ليسوا معتادين على التظاهر، أو أن ذكرياتهم سيئة مع ذلك، حيث يتعرضون للقمع والحبس وربما القتل، وتلك البلدان معروفة ولا داعي لذكرها، خاصة أن بعضها يطبع مع العدو.
3- هناك بلدان تنظم مظاهرات، وقسم كبير من المتظاهرين طلاب بدون أدنى شك، مثل المغرب وتونس والجزائر والأردن.
4- هناك بلدان تنشغل بنفسها لما تعانيه من حالة عدم استقرار وحروب، مثل سورية، ليبيا، السودان.
5- هناك بلدان، طلابها فعلا مقصرون مثل مصر، عمان العراق.
6- هناك بلدان ترفع لها القبعة، مثل اليمن، حيث ينشط اليمنيون في مناصرتهم للأشقاء الفلسطينيين على كل الصعد.
7- ومع ذلك، فلا يجب أن ننسى أن من أهم أدوات نقل المعلومات والتأثير هي وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى هذا الصعيد، سنفترض أن طلاب الجامعات العرب، أي يكن البلد الذي ينتمون إليه، لا شك هم فاعلون على هذا الصعيد، كونهم يتقنون التعامل مع التكنولوجيا، ويتقنون لغات أجنبية.

نخلص من كل ذلك إلى القول أن المسألة الفلسطينية، قد تخطت حاجز الإعاقة الذي كانت تسجن خلفه، وانطلقت كي تصبح الشغل الشاغل، ليس فقط لحكومات الدول والمنظمات الدولية، وليس فقط للشعوب العربية، بل لتكون على مكاتب الطلاب وموائهم، وفي فسحاتهم وجدالاتهم، كما سيفرضونها على حكامهم ومجالسهم التمثيلية، وهذا ما يبشر بالخير القريب إن شاء الله.
أحلام بيضون
بيروت، في 3/5/2024

29/04/2024

الهدف المستحيل: تحويل قضية الشعب الفلسطيني إلى قضية لاجئين
أحلام بيضون

إن أخطر أنواع الاستعمار هو الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، والذي يقضي بالتخلص من الشعب الأصلي، صاحب البلاد للحلول محله، كما حصل في أميركا، وكما يحصل منذ أكثر من 75 عاما في فلسطين.
يجهد الصهاينة ومناصروهم من الأميركيين منذ قيام الفكرة، وحاليا، بجعل قضية الشعب الفلسطيني، قضية لاجئين، أي تحويل حقهم بتقرير المصير والتحرر من الاحتلال، وبناء دولتهم المستقلة، إلى قضية مجموعات، تبحث عن ضروريات الحياة من مسكن ومأكل ومشرب وصحة. لذلك، يعمد العدو منذ 7 أكتوبر إلى التدمير الممنهج للمنازل في غزة، وهو يفعل ذلك في الضفة، كما عمد إلى تجويع السكان، وتدمير المستشفيات والمراكز الصحية، وتجريف البنية التحتية، وقطع المياه والكهرباء والمشتقات النفطية. وهو لم يقبل بإعادة تأهيل المستشفيات التي خربها قبل أن يدمرها تماما، بل قبل بإقامة مستشفيات ميدانية.
وبعد أن أجبر السكان على النزوح ودمر مساكنهم، يعرض إقامة مخيمات لإيوائهم، وعمل على استيراد 40 ألف خيمة من الصين لإيواء أكثر من مليون و700 نازح فلسطيني إلى رفح، كتدبير يجعله مهيئا لاجتياح المدينة الأخيرة أو الملجأ الأخير لأهالي غزة المشردين.
منع العدو دخول شاحنات الإغاثة وتوزيعها بشكل منظم يحفظ كرامة السكان، بينما سمح برمي المساعدات من الجو، وجعل المواطنين الغزاويين الموجوعين يتدافعون لكي يحصلوا على نصيب لإغاثة أطفالهم, ومع ذلك، كان يستهدفهم في القصف، في محاولة لتحقيق هدفه الأول وهو القضاء عليهم أو على أكبر عدد منهم.
أما الإدارة الأميركية، والتي أعلن رئيسها أنه صهيوني أصيل، وأنه لو لم تكن إسرائيل لكان أوجدها، فرغم أن باستطاعته أن يفرض على الحكومة العنصرية الاحتلالية الصهيونية أن توقف إجرامها، وأن تقبل بوقف إطلاق النار، أو على الأقل القبول بإدخال المساعدات من المعابر البرية، فإنه أخذ يفاوض على كيفية الدخول إلى رفح، وأن المشكلة هي في عدد الضحايا الذين سيسقطون، وليس في العدوان بحد ذاته. وبدل أن يفرض إقامة الدولة الفلسطينية الأمر الذي من شأنه أن يحلّ النزاع، عمدت إدارته إلى إنشاء رصيف بحري يصل بين قبرص وشاطئ غزة، معلنة أن الغاية منه إيصال المساعدات. والحقيقة أن ذلك الرصيف يخفي أهدافا لا تتعلق فقط بإسرائيل، بل تتعلق بالولايات المتحدة ذاتها، حيث ترمي من وراء ذلك المشروع إلى الهيمنة المباشرة على المنطقة الهامة استراتيجيا، والغنية بالموارد.
ويبقى السؤال مطروحا، هل سيستخدم ذلك الرصيف لتسهيل نزوح من نجا من الغزاويين من آلة القتل الصهيونية. في غير ذلك الافتراض، ما هو شكل السلطة التي ستدير قطاع غزة المدمر بعد أن تضع الحرب أوزارها؟
حسب ما يتراءى لنا، أن الإدارة الأميركية، رغم إظهارها الخلاف مع سلطة الاحتلال، تسعى لكي تجرد غزة من الحكم الذاتي الذي تمكن الغزاويون من انتزاعه بمقاومتهم، وبقي سائدا رغم الحصار والتضييق حتى 7 أكتوبر. سيحولون غزة إذا استطاعوا مع ما يتبقى من سكانها إلى كيان مشظّى، يقطن سكانه الخيام وينتظرون المعونات. واللجوء، هذه المرة، لا تحميه وتنظمه وكالة دولية كالأونروا، التي جهد العدو الصهيوني للتخلص منها، ويظن أنه بذلك ينسي العالم ذكرى تشريد الشعب الفلسطيني، ويتخلص من حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم.
لقد قامت دولة الاحتلال بالتوازي مع شن عدوانها على غزة، مع رافقه من جرائم دولية (جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم إبادة)، بتنفيذ حملات تصفية للشباب الفلسطينين في الضفة الغربية، وتهديم البيوت، وتجريف البنى التحتية. وكأن سلطة الاحتلال تستعجل الأمر للانتهاء مع ما تبقى من قضية الشعب الفلسطيني، المتمثلة بحق إقامة دولته المستقلة على أرضه الوطنية من البحر إلى النهر، وهو حق يتناقض مع قيام دولة الاحتلال.
لقد شجعت اتفاقيات السلام والتطبيع مع بعض الدول العربية، واتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية، الوهم عند القادة الصهاينة، بأن الأمر قد استتب لهم، وأنه لم يبق سوى القليل حتى ينسى العالم بلدا اسمها فلسطين، إلا أن 7 أكتوبر جاء ليقلب كل الخطط، ويقضي على كل الأوهام، تم تعزيز ذلك النصر صمود المقاومة الفلسطينية، والصبر الأسطوري للشعب الفلسطيني، والمساندة من قبل محور المقاومة، والثبات على ذلك، وتأكيد دولة قوية وفاعلة كإيران عدم تخليها عن دعم الشعب الفلسطيني.
من ناحية ثانية، إن ما حصل في غزة من قبل جيش العدو من جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، شاهدها الملايين حول العالم، مباشرة على شاشات التلفزة، وعلى شاشات وسائل التواصل الاجتماعي، أحدثت ما لم يكن بالحسبان لدى العدو الصهيوني، ولدى الإدارة الأميركية الشريكة العلنية في الجريمة، ولدى الدول الغربية أو غيرها، التي تشاركت معهما. لقد انقلب السحر على الساحر، فها هو الكيان الصهيوني يغلي من الداخل، عدم استقرار سياسي، وأزمات اقتصادية. وها هي الدولة الكبرى، المدعية أنها حارسة الأمن في العالم، والسلاح الأقوى ضد الإرهاب، تمنع مجلس الأمن من أن يتخذ قرارا بوقف إطلاق النار، وتوصف جرائم الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، بأنها دفاع عن النفس. ها هي الدولة الكبرى المنظرة للديموقراطية والحريات حول العالم، تقتحم حرم الجامعات الأميركية بالذات على الأرض الأميركية، وتعتدي على أساتذتها وطلابهـا الذين ثاروا ضد الظلم والإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، معلنين مساندتهم لحقوقه، وإدانتهم لجريمة الاحتلال المستمرة، والمتمادية منذ أكثر من 75 سنه، منادين بالحرية لفلسطين، والسقوط لدولة الاحتلال ذات النظام العنصري الإجرامي. لقد انكشف العدو على حقيقته، بعد أن نزع قناعه بيديه، وتعرى أمام الرأي العام العالمي، ولم يعد ينفع مع شباب المستقبل كل التزوير الذي مورس لطمس حقيقة العدوان، وتبرير الجرائم المرتكبة، والدفاع عن دولته المؤسسة على مأساة الشعب الفلسطيني؛ ولم يعد أحرار العالم، المدافعون عن الحق والعدالة، بما فيها وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني، يقتنعون أو يخافون من اتهامهم بمعاداة السامية، ذلك الشعار الكاذب، الذي عفا عليه الزمن ومسحه تضامن اليهود الأحرار حول العالم مع قضية الشعب الفلسطيني.
أحلام بيضون
بيروت، في 29/4/2024

24/03/2024

من يعوض على المواطنين في حنوب لبنان؟
أحلام بيضون

أمام الخسائر الكبيرة في البيوت والأرزاق، وحتى الأرواح التي لحقت بجنوب لبنان، وأجبرت نحو ١٠٠ ألف على النزوح، كثر الكلام عمن يتحمل مسؤولية ذلك، ومن يجب أن يعوض على المتضررين.
وأخذت مخيلات البعض، وغباء أو حقد البعض الآخر تبتدع أجوبة، فمنهم من منطلق استعداءه لحزب الله، حمله المسؤولية كاملة عما يحصل في جنوب لبنان، وأنه أقحم البلد في حرب كانت في غنى عنها، وبالتالي، فهو يتحمل وحده مسألة التعويض على المتضررين. وقد ذهب البعض من أصحاب هذا الموقف إلى كلام غير موضوعي وغير علمي، وغير وطني، يتصف بالطائفية والتمييز. ولن نذكر هؤلاء بالأسم، فوسائل التواصل الاجتماعي متاحة، وبإمكان من يبحث أن يعثر على الأسماء؛ ومنهم من سرد ذلك بمنهجية علمية، ورتكز على القانون الداخلي، وقواعد الضرر فيه ومن يتحمل مسؤولية التسبب به، وبالتالي يتوحب عليه التعويض، فوجد ان من يتحمل ذلك ثلاث جهات: إسرائيل مفاعل، وحزب الله كونه اقدم على الاشتراك في المعركة ضد إسرائيل، والدولة اللبتانية كونها سكتت على ما قام به حزب الله (جورج صليبي، جريدة النهار). هذا التحليل موضوعي لا شك، غير أن من يبحث في المسؤوليات وفي القانون، في مسألة مشابهة لما يحصل في جنوب لبنان، حيث تدور الحرب بين حزب الله، ولنسميه حركة تحرر وطني أو مقاومة وبين إسرائيل، عانى لبنان ما عانى من قيامها منذ العام ١٩٤٨، يفترض فيه ألا يكتفي بالقانون الداخلي المتعلق بالأفعال التي تحصل على أرض دولة ما، بل يجب أن يراجع القانون العام الداخلي، والقانون العام الدولي، وخاصة في موضوع المسؤولية. وحينها سيجد أن مقاومة حزب الله ليست خيارا، أو عملا ترفيهيا، بل هو مجبر عليه. وبعذا الخصوص، نورد الوقائع والمبادئ التالية:

لقد تخلت الدولة عن مهمة الدفاع الوطني، وتركت جيشها غير قادر على صد العدوان، لأنها ببساطة خاضعة للقوى الغربية، وخاصة، للولايات المتحدة الأميركية، وتلك الجهات لا تقبل بتسليح الجيش اللبناني كما يجب. لم تقبل الدولة غير المتماسكة، ولا القوى اللبنانية، ذات التبعية للغرب، قبول الأسلحة من جهات أخرى فبقيت الدولة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، وتخلفت عن مهمة الدفاع الوطني. من هنا حلّت محلها المقاومة، وتولت مهمة الدفاع الوطني عن الشعب اللبناني وأرضه وكرامته وموارده (وأن يكن في هذا الموضوع الأخير، استدرجت المقاومة إلى حيث لا تريد). وهي تقوم بذلك بقرار فردي، ربما، وانا اعتقد ان هناك من تتشاور معه سرا، ويمثل الدلة رسميا. ورغم ذلك، أنا مع قرارها الفردي حين يحتاج الدفاع عن الوطن سرعة القرار، أو عند يتهدده خطر داهم، إذ لا يحتمل ذلك النقاشات العبثية، وتسويف الوقت، كما يحصل في جلسات مجلس الوزراء، ومجلس النواب اللبنانيين، دون التمكن من اتخاذ قرار. هذا بالإضافة إلى أن حزب الله ليس منظمة خارجة عن القانون، بل إنه ممثل في السلطة السياسية من جهة، ومن جهة ثانية معترف به كحركة مقاومة، تتمتع بشخصية معنوية، وتمثل أحد أيقونات ثلاث: الشعب والجيش والمقاومة. ولا شك أن المقاومة هي على تنسيق أكيد مع الجيش فيما تقوم به.
يقول البعض، أن الحزب لا يدافع عن لبنان، فقد أعلنها واضحة أنه يساند غزة، وأعلن شهداءه شهداء على طريق القدس.
نعم هذا صحيح، فالمقاومة اللبنانية دخلت الحرب لمساندة غزة، كما فعل اليمن أو العراق، وهذا يدخل فيما يسمى الدفاع الشرعي الجماعي عن النفس، المكرس في القانون الدولي، والذي كان يجب ان يتخذ مجلس الأمن قرارا بشأنه، لكنه عطل من قبل الولايات المتحدة تحديدا، التي تُعتبر عدوا واضحا في الحرب الراهنة ضد الفلسطينين والجوار. وبالتالي فإنه مان يفترض بالدول أن تلتزم بالقانون الدولي وتساند غزة فرادى أو مجتمعة، وتلزم العدو بأن يوقف الحرب الإجرامية فورا. لكن لسوء الحظ المجتمع الدولي معطل، والحكومات لا تبحث عن العدالة بل عن السلطة. في هذه الأجواء، لم يجد الفلسطينيون من يساندهم إلا حركات المقاومة فيما يسمى محور المقاومة، والشعوب على مدى العالم، لأنها اكتشفت مدى عدالة قضيهم، ومدى عدوانية وإجرام الكيان الصهيوني المحتل الإحلالي العنصري.
من ناحية ثانية، لا يعرف من يقولون ان الحزب يدافع عن غزة، أنه مستهدف أيضا، ولبنان أيضا مستهدف، وخارطة التوسع الإسرائيلي منشورة على مواقع البحث، وفي الوثائق، وعلى ألسنة المسؤوليين الإسرائيليين. كل ما هنالك ان إسرائيل وأميركا لا تريدان من حزب الله ولا من غيره مساندة الشعب الفلسطيني في محنته، بل تريدان الاستفراد بكل جبهة على حدا.
أما القول أن الحزب لا يقاتل من أجل الأرض اللبنانية المحتلة، فهذا غير صحيح، والدليل أن الحدود اللبنانية الإسرائيلية هي في صلب الوساطة التي يتولاها المبعوث الأميركي هوكشتاين.
بناء على ما تقدم، لا يكون ما تقوم به المقاومة الإسلامية في لبنان أمرا خارجا عن القانون، بل هو عمل يخضع لمبدأ الدفاع عن النفس ضد عدو مجرم، لا يعرف لإجرامه حدود، والمقاومة بذلك تصعب على العدو محاولة اجتياح لبنان ثانية، وتعريض شعبه للاحتلال والمهانة. وتكون الدولة الإسرائيلية هي المسؤولة عن عدوانها على غزة وعلى لبنان، ومسؤولة عن استدراج حزب الله إلى الحرب، وتقديم الشهداء، ويجب أن تتحمل مسؤولية التعويض عن الخسائر. ويجب أن يوضع حدا لإفلات المسؤولين الصهاينة ودولة الاحتلال من العقاب وتحميلها عبئ التعويض عن عدوانها وجرائمها، وليس مكافأتها في كل مرة على عدوانها، بتحميل التعويض وإعادة الإعمار للدول العربية.
أحلام بيضون
بيروت، في ٢٤/٣/٢٠٢٤

Address

Beirut

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مجلة المجتمع المدني posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to مجلة المجتمع المدني:

Share