29/04/2024
الهدف المستحيل: تحويل قضية الشعب الفلسطيني إلى قضية لاجئين
أحلام بيضون
إن أخطر أنواع الاستعمار هو الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، والذي يقضي بالتخلص من الشعب الأصلي، صاحب البلاد للحلول محله، كما حصل في أميركا، وكما يحصل منذ أكثر من 75 عاما في فلسطين.
يجهد الصهاينة ومناصروهم من الأميركيين منذ قيام الفكرة، وحاليا، بجعل قضية الشعب الفلسطيني، قضية لاجئين، أي تحويل حقهم بتقرير المصير والتحرر من الاحتلال، وبناء دولتهم المستقلة، إلى قضية مجموعات، تبحث عن ضروريات الحياة من مسكن ومأكل ومشرب وصحة. لذلك، يعمد العدو منذ 7 أكتوبر إلى التدمير الممنهج للمنازل في غزة، وهو يفعل ذلك في الضفة، كما عمد إلى تجويع السكان، وتدمير المستشفيات والمراكز الصحية، وتجريف البنية التحتية، وقطع المياه والكهرباء والمشتقات النفطية. وهو لم يقبل بإعادة تأهيل المستشفيات التي خربها قبل أن يدمرها تماما، بل قبل بإقامة مستشفيات ميدانية.
وبعد أن أجبر السكان على النزوح ودمر مساكنهم، يعرض إقامة مخيمات لإيوائهم، وعمل على استيراد 40 ألف خيمة من الصين لإيواء أكثر من مليون و700 نازح فلسطيني إلى رفح، كتدبير يجعله مهيئا لاجتياح المدينة الأخيرة أو الملجأ الأخير لأهالي غزة المشردين.
منع العدو دخول شاحنات الإغاثة وتوزيعها بشكل منظم يحفظ كرامة السكان، بينما سمح برمي المساعدات من الجو، وجعل المواطنين الغزاويين الموجوعين يتدافعون لكي يحصلوا على نصيب لإغاثة أطفالهم, ومع ذلك، كان يستهدفهم في القصف، في محاولة لتحقيق هدفه الأول وهو القضاء عليهم أو على أكبر عدد منهم.
أما الإدارة الأميركية، والتي أعلن رئيسها أنه صهيوني أصيل، وأنه لو لم تكن إسرائيل لكان أوجدها، فرغم أن باستطاعته أن يفرض على الحكومة العنصرية الاحتلالية الصهيونية أن توقف إجرامها، وأن تقبل بوقف إطلاق النار، أو على الأقل القبول بإدخال المساعدات من المعابر البرية، فإنه أخذ يفاوض على كيفية الدخول إلى رفح، وأن المشكلة هي في عدد الضحايا الذين سيسقطون، وليس في العدوان بحد ذاته. وبدل أن يفرض إقامة الدولة الفلسطينية الأمر الذي من شأنه أن يحلّ النزاع، عمدت إدارته إلى إنشاء رصيف بحري يصل بين قبرص وشاطئ غزة، معلنة أن الغاية منه إيصال المساعدات. والحقيقة أن ذلك الرصيف يخفي أهدافا لا تتعلق فقط بإسرائيل، بل تتعلق بالولايات المتحدة ذاتها، حيث ترمي من وراء ذلك المشروع إلى الهيمنة المباشرة على المنطقة الهامة استراتيجيا، والغنية بالموارد.
ويبقى السؤال مطروحا، هل سيستخدم ذلك الرصيف لتسهيل نزوح من نجا من الغزاويين من آلة القتل الصهيونية. في غير ذلك الافتراض، ما هو شكل السلطة التي ستدير قطاع غزة المدمر بعد أن تضع الحرب أوزارها؟
حسب ما يتراءى لنا، أن الإدارة الأميركية، رغم إظهارها الخلاف مع سلطة الاحتلال، تسعى لكي تجرد غزة من الحكم الذاتي الذي تمكن الغزاويون من انتزاعه بمقاومتهم، وبقي سائدا رغم الحصار والتضييق حتى 7 أكتوبر. سيحولون غزة إذا استطاعوا مع ما يتبقى من سكانها إلى كيان مشظّى، يقطن سكانه الخيام وينتظرون المعونات. واللجوء، هذه المرة، لا تحميه وتنظمه وكالة دولية كالأونروا، التي جهد العدو الصهيوني للتخلص منها، ويظن أنه بذلك ينسي العالم ذكرى تشريد الشعب الفلسطيني، ويتخلص من حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم.
لقد قامت دولة الاحتلال بالتوازي مع شن عدوانها على غزة، مع رافقه من جرائم دولية (جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم إبادة)، بتنفيذ حملات تصفية للشباب الفلسطينين في الضفة الغربية، وتهديم البيوت، وتجريف البنى التحتية. وكأن سلطة الاحتلال تستعجل الأمر للانتهاء مع ما تبقى من قضية الشعب الفلسطيني، المتمثلة بحق إقامة دولته المستقلة على أرضه الوطنية من البحر إلى النهر، وهو حق يتناقض مع قيام دولة الاحتلال.
لقد شجعت اتفاقيات السلام والتطبيع مع بعض الدول العربية، واتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية، الوهم عند القادة الصهاينة، بأن الأمر قد استتب لهم، وأنه لم يبق سوى القليل حتى ينسى العالم بلدا اسمها فلسطين، إلا أن 7 أكتوبر جاء ليقلب كل الخطط، ويقضي على كل الأوهام، تم تعزيز ذلك النصر صمود المقاومة الفلسطينية، والصبر الأسطوري للشعب الفلسطيني، والمساندة من قبل محور المقاومة، والثبات على ذلك، وتأكيد دولة قوية وفاعلة كإيران عدم تخليها عن دعم الشعب الفلسطيني.
من ناحية ثانية، إن ما حصل في غزة من قبل جيش العدو من جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، شاهدها الملايين حول العالم، مباشرة على شاشات التلفزة، وعلى شاشات وسائل التواصل الاجتماعي، أحدثت ما لم يكن بالحسبان لدى العدو الصهيوني، ولدى الإدارة الأميركية الشريكة العلنية في الجريمة، ولدى الدول الغربية أو غيرها، التي تشاركت معهما. لقد انقلب السحر على الساحر، فها هو الكيان الصهيوني يغلي من الداخل، عدم استقرار سياسي، وأزمات اقتصادية. وها هي الدولة الكبرى، المدعية أنها حارسة الأمن في العالم، والسلاح الأقوى ضد الإرهاب، تمنع مجلس الأمن من أن يتخذ قرارا بوقف إطلاق النار، وتوصف جرائم الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، بأنها دفاع عن النفس. ها هي الدولة الكبرى المنظرة للديموقراطية والحريات حول العالم، تقتحم حرم الجامعات الأميركية بالذات على الأرض الأميركية، وتعتدي على أساتذتها وطلابهـا الذين ثاروا ضد الظلم والإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، معلنين مساندتهم لحقوقه، وإدانتهم لجريمة الاحتلال المستمرة، والمتمادية منذ أكثر من 75 سنه، منادين بالحرية لفلسطين، والسقوط لدولة الاحتلال ذات النظام العنصري الإجرامي. لقد انكشف العدو على حقيقته، بعد أن نزع قناعه بيديه، وتعرى أمام الرأي العام العالمي، ولم يعد ينفع مع شباب المستقبل كل التزوير الذي مورس لطمس حقيقة العدوان، وتبرير الجرائم المرتكبة، والدفاع عن دولته المؤسسة على مأساة الشعب الفلسطيني؛ ولم يعد أحرار العالم، المدافعون عن الحق والعدالة، بما فيها وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني، يقتنعون أو يخافون من اتهامهم بمعاداة السامية، ذلك الشعار الكاذب، الذي عفا عليه الزمن ومسحه تضامن اليهود الأحرار حول العالم مع قضية الشعب الفلسطيني.
أحلام بيضون
بيروت، في 29/4/2024