04/06/2026
كان المرحوم الحاج أحمد سليم عيسى من بلدة قلاّيا (قليا)، تاجر ماشيةٍ متجوِّل، وكان رجلاً تقيّاً نقيّاً وفيّاً كريماً. ومشهوراً بقوّة ذاكرته وتذوّقه للشعر ويحفظ الكثير منه وخاصةً شعر إبن بلدته الشيخ علي زين.
ورغم أنه كان أمّياً، فقد كان يُجري ذهنيّاً جميع العمليات الحسابية وبسرعةٍ فائقة دونما أخطاء. ولم يكن بحاجةٍ إلى دفتر يُسجِّلُ فيه ما له وما عليه من ديون، لأنَّ كلَّ ذلك كان يُسجَّلُ في ذاكرته التي لم تقوَ على النيل منها السنون.
وكانت مهنته تقتضي أن يتنقَّل على ظهر الخيل التي كان مغرماً باقتنائها وركوبها.
ومرَّةً إقتنى فرساً جموحاً إسمها " رهجه" كانت عند حمد بك حميّة فاشتراها منه. وبينما كان راكباً عليها قاصداً في طريقه إلى بلدة بعلول، حثَّها على الإسراع، فجمحت به فسقط عنها على مدخل قرية بعلول، وكان سقوطه على أمِّ رأسه، فجُرح جرحاً بليغاً، وأصيب برضوضٍ قويّة في صدره وظهره، وأغمي عليه. فهرع رجالٌ من بعلول إليه وحملوه إلى منزل المختار محمود قاسم عثمان " أبو فوّاز"، واستدعوا له طبيباً أسعفه وضمَّد جراحه. وبقي في بعلول عدَّة أيّام موفور الكرامة والضيافة حتى شفي تماماً من أوجاعه وجراحه واستعاد قواه.
ولمّا عاد إلى بلدته قلاّيا أخبر الشيخ علي زين بما جرى معه، وأثنى على شهامة أهل بعلول ، وبعض أصدقائه من قرى مجدل بلهيص ولالا والقرعون. فبعث الشيخ علي إليهم بقصيدة " شروقية" يُمجِّد فيهم شهامتهم وكرمهم وإغاثتهم للملهوف.
والمعروف أن الشيخ علي زين (مواليد 1875- توفي 1963) كان من شعراء الفصيح المجيدين، وكان أيضاً ينظم الشعر العامي بكل صنوفه، ولا سيما منه القصيد الشروقي بلغة أهل البادية أي ما يُغنّى على الرباب فكتب إلى أهل بعلول على النحو الأخير يقول:
قُمْ واعتني يا صاح واسرُج عبيّانْ
غِبْ الأياطل بارز الصدر مليانْ
وانْحَرْ شمالك من سهولٍ ووديانْ
واسرِعْ لتبلغ غايتك بالمساعي
من شرق "زلاّيا" و"يحمُر" طريقكْ
وإيّاك في "سحمُر" عوايق تعيقكْ
وما غير مُهرك في مسيرك رفيقكْ
سابح سَبوق الخيل أدهَم رُباعي
وامرُر على "القرعونْ" في سَفح شَملولْ
وازرَعْ فيافي بيدْها عَرض مع طولْ
وما القصد إلاّ زيارتَكْ أهلْ بعلولْ
عَنّي وكُنْ لي في تواصيك واعي
قَبلٍ تَصِلْها تنشَّقْ البَنْ مِنها
فوّاحْ والمعروفْ مأخوذْ عَنها
تَحيا ويَحيا كُلْ شَخصٍ سَكنْها
مِنْ شَيخْ أو فلاّحْ.. خادمْ وراعي
تَلقى بِها مِنْ كُلِّ نَفسٍ أبيّة
مملوءةً غَيرةْ وشَهامةْ وحَميّة
ناهيك عَنْ تِلكْ الأَكُفّ النَديّة
وبيوتْ للوُفّادْ أَضْحَتْ مَشاعِ
أُنشُدْ "أبو فوّاز" راعي النَفيلة
مِضْيافْ رَبّ البيتْ شيخْ القَبيلة
بَشّاشْ قابِلْ كِلْ نَفسٍ نَزيلة
في ألِفْ أَهْلا وْمَرْحبا بْكُلْ ساعي
بَلِّغْ "أبو فوّاز" 1بالصِدِقْ إنّي
مِشْتاقْ.. واهْدِيهْ التَحيّاتْ عنّي
وعَنْ " بو علي" 2 حَيّيه واضْرُبْ تَمنّي
ويا ليتْ طولْ العُمُرْ فيه اجتماعي
فَهْوَ الذي حَدَّثْ وأحْكى القَضيّة
لمّا كَبَتْ في "بو علي" المِعنَقيّة
لَوْلاكُمْ قَدْ عاجَلَتْه المَنيّة
وقَدْ صار جُثّة هامِدة بوسطِ قاعِ
قالْ: انْطَرَحْت وغابْ رُشدي وصَوابي
والْمالْ مالْ الناسْ ضِمنَ الجِيابِ
ما فِقِتْ إلاّ وشِفِتْ شَيخ الْشَبابِ
حَدّي و"أبو يوسف" يْجِسّ الضِلاعِ
يا شيخْ "بو يوسِف"3 أتَتْني اخْبارَكْ
إنَّكْ أَبيّ الضِيمْ ما انْضامْ جارَكْ
تَرْعى بِعينْ العَطِفْ ساكِنْ جِوارَكْ
يا صاحبَ المَعروفْ يا نِعِمْ راعي
ويا "بو علي رحّالْ" 4 لا أصْبَحِتْ رَحّالْ
عَنْ مَنزِلَكْ كَيْ تَنْظُرْ الحالْ بالْحالْ
لا زِلتْ هادي البالْ وِمْحَطْ آمالْ
تِرْعى المَوَدّي والوَفا بانْدِفاعِ
وجارَكْ "حسن نعمان" 5 أكْرِمْ بهِ جارْ
جِئْتُمْ إلى المَطروحْ بالحالْ زوّارْ
هَيكْ الصِحابْ تْكونْ يا نِعِم أنْصارْ
نِعْمَ الرِجالْ اللي الصَداقة تِراعي
وْجاني "حسن عثمان" 6 مِنْ "مَجدلَ" الجودْ
لَمّا علِمْ أنّي ببعلولْ مَوْجودْ
و"حسين" شِبلْ "عميص" 7 بالْجَمِعْ مَكمودْ
لَمّا رآني مِنْهَمِكْ في اوْجاعي
وللشيخ "أبو خالد"8 العُمر الطويلِ
وللشيخ "أبو يوسف" الشُكر الجَزيلِ
والإمْتِنانْ التامْ مِنْ "ابو خليلِ" 9
بَلْ مِنْ جَميعْ سُكّانْ تِلْكَ البِقاعِ
أَنْتُمْ عَرَبْ مَثَّلتمُ أهِلْ وِجْدودْ
بالْعَطفْ والْمَعروفْ والْلُّطُفْ والْجودْ
لا زِلْتُمُ مَنهلْ مَدى الْدَهرْ وأْسودْ
وْشامِةْ وعَلامِةْ فَخِرْ بَينَ الضِياعِ
حِنّا العَربْ لا غَيَّر الله مِنّا
عاداتنا ومِنْ أَصِلْنا هَيكْ كُنّا
وحِنّا مَغاويرْ الوَغى الشوسْ حِنّا
وْأَرْواحْنا بْسُوقْ المَنايا تُباعِ
وِخْيولنا بالْكَونْ سَبَّاقَةَ الخيلْ
سالِتْ بِطُلاّبْ الوَغى الأسُدْ كالسَيلْ
جَوّابَةَ الأقْطارْ جَلاّبَةَ الويلْ
للخَصِمْ.. مِنها عاصي القَومْ طاعِ
وما يُومْ خِفْنا من أمورٍ مُخيفةْ
وسيوفْنا في كلّ وَقْعَة رَهيفةْ
وِرْماحْنا طَوْع الأيادي خَفيفةْ
لدَّاغةً للضِدْ لَدْغ الأفاعي
يا أخوتي يا أهل بعلول وافيتْ
لأنشِد ثناكم بقَلمْ صِدقْ خَطّيتْ
يا ليت كلّ الناس يا ليت يا ليتْ
تِحسن على أهْل البلا والوِجاعِ
- مروان درويش
&&&&&&&
1- أبو فوّاز : محمود قاسم عثمان
2- أبو علي: أحمد سليم عيسى من بلدة قلاّيا – صاحب القصة
3- أبو يوسف: علي يوسف السيد أحمد صخر.
4- أبو علي رحال: من بلدة لالا.
5- حسن نعمان رحال: من بلدة لالا.
6- حسن عثمان: من بلدة مجدل بلهيص
7- حسين عميص: من بلدة القرعون
8- أبو خالد: محمد خالد فتّوح
9- أبو خليل: سالم حنّا الحجار