10/05/2026
مشاركة د. عاطف القاسم/ رئيس الجمعية بتحقيق صحفي على موقع "الجزيرة نت" من خلال قراءة نفسية متخصصة لجرائم القتل العائلية.
ما حدث صادم وقاسٍ، ولا يمكن فهمه بتفسير واحد بسيط. القراءة المتخصصة تتطلب النظر إليه كنتاج تفاعل بين عوامل نفسية عميقة وسياقات اجتماعية ضاغطة، دون تبرير الفعل أو تبسيطه.
أولاً: القراءة النفسية لسلوك
قتل الأبناء، ثم تصوير الفعل وإرساله، ما حدث في هذا النوع من الجرائم يُصنَّف عادةً ضمن ما يُعرف في علم النفس بـ قتل الأطفال بدافع الانتقام من الشريك (يُشار له أحيانًا بمفهوم قريب من Filicide مع دافع انتقامي). لا يوجد تفسير واحد بسيط، لكن هناك مجموعة عوامل نفسية وسلوكية قد تجتمع:
1. دافع الانتقام والسيطرة
بعض الجناة يرون الأطفال كـ“امتداد” للشريك، فيستخدمونهم لإلحاق أقصى ألم به. هذا يرتبط بنمط من التفكير الأناني والاندفاعي حيث تصبح فكرة “إيذاء الآخر بأي ثمن” مهيمنة.
2. اضطرابات في الشخصية أو التعاطف
قد يظهر نقص شديد في التعاطف، أو سمات نرجسية بملامح سيكوباثية عدوانية معادية للمجتمع، تجعل الشخص يبرّر لنفسه أفعالًا قاسية جدًا دون شعور طبيعي بالذنب.
3. انهيار نفسي أو ضغط شديد ، مثل الخلافات الزوجية الحادة، الانفصال، الغيرة المرضية، أو الإحساس بالإهانة قد تؤدي إلى حالة تفكير ضيق ومشوه (tunnel vision)، حيث يندفع الشخص لاتخاذ قرارات كارثية.
4. اضطرابات نفسية حادة (في بعض الحالات)
أحيانًا يكون هناك ذهان أو اكتئاب شديد مع أفكار مشوهة، لكن مهم نفهم أن ليس كل من يرتكب هذه الجريمة يعاني من مرض ذهاني—كثير من الحالات تكون مدفوعة بالغضب والسيطرة أكثر من المرض العقلي
ثانياً: البعد الاجتماعي
هذا النوع من الجرائم لا ينفصل عن سياقات أوسع مثل عنف أسري مزمن لم يُعالج مبكراً مصحوباً بتفكك العلاقات وغياب قنوات تسوية النزاعات بشكل صحي ، بالاضافة الى عزلة اجتماعية وضعف شبكات الدعم (أصدقاء، عائلة ممتدة) يرافقه ضغوط اقتصادية تزيد الاحتقان وتقلل القدرة على التكيف ، وأحياناً ثقافة تبرر السيطرة أو الانتقام داخل العلاقة.
الوقاية هنا لا تكون بعد الجريمة، بل قبلها عبر التدخل المبكر: مراكز إرشاد أسري، خطوط دعم، متابعة حالات العنف المبلغ عنها، وبرامج توعية حول إدارة الغضب وحل النزاعات.
ثالثاً: حالة فردية أم نمط؟
غالباً ما تُسجَّل هذه الجرائم كحوادث فردية، لكنها تندرج ضمن إطار أوسع هو العنف الأسري الشديد. وهناك تقارير دولية مثل تقارير منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن العنف داخل الأسرة أحد أكثر أنماط العنف انتشاراً عالمياً، مع نسب مرتفعة من الإيذاء غير المبلّغ عنه. محلياً، البيانات الرسمية حول “قتل الأبناء” تحديداً تكون محدودة، لكن بلاغات العنف الأسري في العديد من الدول تُظهر اتجاهاً يستدعي الانتباه، خصوصاً في فترات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
بالتالي: ليست ظاهرة يومية، لكنها ليست معزولة تماماً، وتستدعي استجابة مؤسسية وقائية.
رابعاً: مؤشرات إنذار مبكر
يمكن أحياناً ملاحظة إشارات خطر، مثل:
* تهديدات مباشرة أو غير مباشرة بإيذاء الشريك أو الأطفال.
* غيرة مرضية أو رغبة مفرطة بالسيطرة بعد الانفصال.
* نوبات غضب شديدة ومتكررة مع صعوبة في التهدئة.
* عزلة وانسحاب مع تصاعد أفكار سوداوية.
* تاريخ من العنف أو إيذاء سابق.
دور الأسرة والجيران والمدرسة مهم في عدم تجاهل هذه الإشارات، والإبلاغ أو طلب المساعدة عند الحاجة.
خامساً: دور مؤسسات الحماية
فعالية الاستجابة تعتمد على:
* وجود خطوط ساخنة وخدمات دعم نفسي واجتماعي يسهل الوصول إليها.
* توعية الناس بكيفية طلب المساعدة (كثيرون لا يعرفون أو يترددون).
* تنسيق بين الجهات: حماية الأسرة، الصحة النفسية، القضاء.
* متابعة الحالات عالية الخطورة، وليس الاكتفاء بالتبليغ الأولي.
في النهاية، هذا النوع من الجرائم يذكّر بأن الصحة النفسية ليست شأناً فردياً فقط، بل مسؤولية مجتمعية ومؤسسية. التعامل الجاد مع العنف الأسري، وتوفير قنوات دعم فعالة وعلاج زواجي، قد لا يمنع كل الحالات، لكنه يقلل احتمال الوصول إلى هذا المستوى الكارثي.