مؤسسة السيد كاظم الحسيني الحائري "دام ظله"

  • Home
  • Iraq
  • Nedjef
  • مؤسسة السيد كاظم الحسيني الحائري "دام ظله"

مؤسسة السيد كاظم الحسيني الحائري "دام ظله" المؤسسة تنقل اراء وافكار مرجعنا المفدى سماحة السيد الحائري دام ظله المؤسسة ليست رسمية للتواصل عبر التليجرام 009647804079909

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

يمتاز الفقه الإسلاميّ في إطار مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بالمتانة أوّلاً وبالحيويّة ثانياً; لارتكاز هذه المدرسة على مبدأ الاجتهاد المنفتح بماله من مضمون موضوعيّ مسوّغ منطقيّاً وعمليّاً، لا بمعنى الرأي الشخصيّ السيّال في مطبّات الرؤية الذاتيّة.

ولم يعطّل هذا المبدأ في حركة الفقه لد

ى هذه المدرسة طرفة عين، بل ظلّ مستمراً وفاعلاً في اُفق الزمن أسفر عنه بناء معرفيّ ضخم ممتدّ بامتداد الشريعة، ومنبسط على مساحات الحياة الرحيبة ناظراً إلى تطوّرها، ومراقباً لانعطافاتها في عمود الزمان.

وإلى جانب هذا المبدأ يلاحظ مبدأ آخر، ألا وهو مبدأ القيادة الدينيّة الذي يصطلح عليه في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بالمرجعيّة. وثمّة ملازمة بين هذين المبدأين وعلقة وثيقة قائمة بينهما، وعلى أثر تلك الملازمة وببركة تلك العلقة اكتسب كلّ منهما قيمة أكبر وقوّة أشد; إذ أنّ الاجتهاد مهما بلغ من العمق والدقّة فإنّه لا يتجاوز الدائرة النظريّة، ولا يتعدّى الأروقة العلميّة، ولا يكاد يتجسّد في واقع الحياة عمليّاً في أغلب الحالات إلاّ من خلال نظام المرجعيّة الذي يربط بين الاُمّة سلوكيّاً وبين المنتوجات الاجتهاديّة.

وفي الوقت نفسه نرى المؤسّسة المرجعيّة لم تتلخّص حقيقتها في كونها وجوداً رابطاً فحسب، فإنّها في المرتبة الاُولى ذات هويّة اجتهاديّة قيّمة; فإنّ المرجع مجتهد أوّلاً، ومتخصّص بالشريعة وخبير بها قبل أن يكون مرجعـاً للاُمّة وموجّهاً لـها ثانياً، بل لابدّ من أن يكون في درجة علميّة اجتهاديّة مرموقة، هذا. مضافاً إلى خصوصيّات اُخرى قد اعتبرت في المرجع تتناسب مع الوظيفة الحركيّة الملقاة على كاهله، وتتلائم مع خطورة الموقع القياديّ الذي يشغله.

فليست المرجعيّة كياناً فارغاً يُملأ من خلال الحماس والميل العاطفيّ من قِبل المُراجعين والمقلِّدين، بل إنّها كيان محكم مبتن على أساس منطقيّ موضوعيّ.

كما أنّ المرجعيّة لم تنحصر وظيفتها مبدأيّاً في حدود بيان الأحكام والتفقيه والنطق باسم الشريعة; إذ أنّ وظيفتها أبعد من ذلك وأخطر; فإنّ المرجعيـّة قيادة حركيّة وريادة فكريّة وايدلوجيّة.

ولقد وقفت مرجعيّتنا على المحكّ في لحظات تأريخيّة عصيبة تجلّى بذلك إخلاصها ومهارتها وحنكتها وشجاعتها; وهذا ما دعا الاُمّة إلى أن تزداد إيماناً بمرجعيّتها، وأن تمنحها ثقتها، بل تذوب فيها، وتسلّم قيادها لها بكلّ وعي وحبّ وإرادة; لما لمسته من وفاء وصدق. فلم تكن المرجعيّة لتتربّع على عرش الافتاء فحسب، بل هي المتصدّي والمدافع الأوّل عن الشريعة وعن الاُمّة معاً.

ونمرّ في التأريخ على نماذج فذّة للمرجعيّة الرشيدة، ولا سيّما في تأريخنا المعاصر، حيث قدّم الشهيد السعيد سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر (قدس سره) أداءً رائعاً للمرجعيّة الكفوءة بما أحدثه من يقظة فكريّة وهزّة حضاريّة من خلال ما طرحه من رؤية إسلاميّة معاصرة في الكون والحياة، وبما صمّم من مشروع سياسيّ دقيق للاُمّة، وقد أضفى موقفه البطوليّ في مشروعه الاستشهاديّ روعةً أكبر على مشروعيه الفكريّ والسياسيّ.

وفي هذا الضوء واصل تلميذه الممتاز سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد محمّد صادق (قدس سره) الصدر طريق اُستاذه علماً ووعياً وقيادةً حتّى حظى بشرف الشهادة اقتداءً باُستاذه العظيم (قدس سره).

ويواصل اليوم تلميذه الآخر سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ (دام ظله)طريق المرجعيّة الرشيدة الواعية، وقد تضاعفت مسؤوليّته بعد استشهاد الصدرين (قدس سرهما);إذ أخذ على عاتقه إدامة هذه المدرسة الرائدة، ووجد فيه المجاهدون والطبقة الواعية وعشّاق الخط الصدريّ الملاذ الذي يُلجأ إليه.

وبالرغم من أنّنا قد أصدرنا ـ قبل ثلاث سنوات تقريباً ـ نبذة من حياته حفظه الله نزولاً عند رغبة الكثيرين من مريديه ومحبّيه، لمسنا ـ من خلال ما يصل إلى المكتب من أسئلة ملحّة ـ وجودَ رغبة واسعة ما زالت تبغي اطلاعاً واسعاً على السيرة الذاتيّة لسماحته (دام ظله) ; ولأجل ذلك عمدنا إلى تعديل ما أصدرناه سابقاً بما يشتمل على إضافات كثيرة سواء في عرض سيرته الذاتيّة العطرة، أو في بيان مواقفه الجهاديّة الواعية، أو في غير ذلك ممّا يرتبط بتعريف شخصيّته الفذّة، وها نحن نقدّم حصيلة ذلك في ضمن هذا المختصر بين يدي الطالبين، آملين به تحقيق رغبتهم إن شاء الله تعالى. والحمد لله ربّ العالمين.

هو السيّد كاظم بن السيّد علي بن السيّد جليل بن السيّد إبراهيم الحسينيّ الحائريّ.

ولد في العاشر من شعبان عام (1357 ﻫ. ق) في كربلاء المقدّسة.

وله خمسة أشقّاء توفّي اثنان منهم في سنّ الطفولة، واستشهد واحد منهم في سجون النظام البعثيّ البائد تحت التعذيب، وهو الشهيد سماحة آية الله السيّد محمّد علي الحسينيّ الحائريّ (رحمه الله) ، والباقي اثنان، وهما : سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمّدحسين الحسينيّ الحائريّ. وسماحة آية الله السيّد علي أكبر الحسينيّ الحائريّ حفظهما الله.

كان والده سماحة آية الله السيّد عليّ الحسينيّ الحائريّ (رحمه الله) من مواليد كربلاء المقدّسة، وفي هذه المدينة دخل في سلك الحوزة العلميّة، ثُمّ هاجر إلى النجف الأشرف لتكميل الدراسة، فأصبح من علمائها وأساتذة العلم فيها. وهو عديل المرحوم سماحة آية الله العظمى السيّد محمود الحسينيّ الشاهروديّ تغمّده الله برحمته.

توفّي (رحمه الله)عام ( 1398 ﻫ )، ودفن إلى جنب عديله في مقبرة المرحوم الشيخ جعفر التُستريّ (رحمه الله) الكائنة في جهة الرأس من الصحن الحيدريّ الشريف.

كانت ـ رحمها الله ـ من ذوات الفضل والعلم، وهي كريمة سماحة آية الله الشيخ محمّدرضا الفاضل (رحمه الله).

تلقّب سماحة السيّد (دام ظله) بالحسينيّ الحائريّ، فأمّا الحسينيّ فنسبة إلى نَسبه الشريف الذي ينتهي إلى أشرف الأنساب، وهو: الإمام زين العابدين، ثُمّ الإمام الحسين، ثُمّ أمير المؤمنين والزهراء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وأمّا الحائريّ فنسبة إلى أنّ ولادته وولادة أبيه من قبله في كربلاء المقدّسة المشتملة على الحائر الحسيني، وسُمّيت تلك البقعة بذلك للكرامة التي ظهرت للروضة الشريفة عندما أمر المتوكّل العبّاسيّ ـ لعنه الله ـ بشقّ نهر من الفرات يمرّ بالروضة المطهّرة يريد بذلك محو أثرها، فكان الماء يطوف حول الروضة المطهّرة وينصرف، فسمّيت بالحائر; لأنّ الماء كان يحور حول الروضة الطاهرة.

هاجر مع والده(رحمه الله) إلى النجف الأشرف وهو مازال رضيعاً...، ولمّا بلغ الثانية والعشرين من عمره الشريف تزوّج ابنة عمّه، فأنجبت له أربعة بنين:

أوّلاً: الشهيد السعيد السيّد جواد (رحمه الله). ولد في النجف الأشرف. ورافق أباه في الهجرة إلى إيران. وحينما شنّ النظام الصدّامي الحرب العدوانيّة على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران شارك في الحرب مدافعاً عنها حتّى بلغ مرتبة الشهادة وله من العمر ثمان عشرة سنة.

ثانياً : الحاجّ السيّد صادق حفظه الله. وكانت ولادته في النجف الأشرف أيضاً.

ثالثاً : ثقة الإسلام السيّد علي حفظه الله. وكانت ولادته بعد الهجرة إلى قم المقدّسة.

رابعاً : السيّد محمّدرضا. وكانت ولادته بعد الهجرة إلى قم المقدّسة أيضاً.

بدأ دراسته في السنة الخامسة من عمره الشريف على يد والدته الفاضلة، فتعلّم القراءة والكتابة، والقرآن الكريم، والأدعية والزيارات، وعدداً من الرسائل العمليّة، وعدداً من كتب الحديث الشريف ككتاب (عين الحياة) للمرحوم المجلسيّ(قدس سره) .

ثُمّ تتلمذ على يد والده (رحمه الله)،فبدأ بعلوم اللغة العربيّة، وانتهى بكتاب (المكاسب) للشيخ الأنصاريّ (قدس سره)، وكتاب (الكفاية) للشيخ الآخوند الخراسانيّ (قدس سره)، ودرس (دام ظله)بعض المقاطع من السطح على يد آخرين.

كان من نبوغه ـ حفظه الله ـ أنّ المرحوم والده(رحمه الله) لم يكن يُدرّسه بالطريقة المألوفة، وإنّما بطريقة خاصّة; إذ جعل له درساً خاصّاً به فقط، وقلب طريقة التدريس، فكان يأمر ولده بمطالعة الدرس جيّداً، ثُمّ يأتي فيلقي التلميذ الدرس على اُستاذه، فإذا أخطأ في مورد ـ وقلّما يحصل ـ يصحّح له الاُستاذ.
ولم يكن قد أكمل السابعة عشرة من عمره إلاّ وقد أكمل السطح العالي، ودخل درس المرحوم سماحة آية الله العظمى السيّد محمود الشاهروديّ (قدس سره)، فشارك في خارج الفقه والاُصول معاً.
فكان البعض يتضايق من حضوره لصغر سنّه، ويطلب من أبيه أن لا يحضر في مثل هكذا درس ضخم، وكان والده(رحمه الله) يقول لهم: امتحنوه، فإنّه أهل للحضور.

درس على يد المرحوم سماحة آية الله العظمى السيّد محمود الشاهروديّ(قدس سره) أكثر من دورة كاملة في اُصول الفقه، مضافاً إلى عدّة أبواب من الفقه طيلة تتلمذه لديه، و كان (دام ظله) كثير السؤال والإشكال في الدرس، ويشهد بذلك كلّ من حضر معه.

واستمرّ في ملازمة السيّد الشاهروديّ (قدس سره) سنين طويلة، ولـمّا غزر علمه أحال السيّد الشاهروديّ (قدس سره)عليه بعض الاستفتاءات، وكانت مدّة تتلمذه على يد السيّد الشاهروديّ (قدس سره) ما يقارب أربع عشرة سنة.
ولمّا تعرّف (دام ظله) باُستاذه الثاني سماحة آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّدباقر الصدر (قدس سره)، حدثت له نقلة في حياته العلميّة، فأخذ بملازمة السيّد الشهيد (قدس سره) ردحاً طويلاً من الزمن درس عليه الفقه والاُصول، والفلسفة والاقتصاد.
وكان يساعد اُستاذه علميّاً في تأليف كتاب (الاُسس المنطقيّة للاستقراء) الذي يمثّل القمّة في البناء الهرميّ لفكر اُستاذه الشهيد (رحمه الله).
وكانت مدّة تتلمذه عند اُستاذه السيّد الشهيد الصدر(قدس سره) اثنتي عشرة سنة.

كان (دام ظله) من الرعيل الأوّل الذين اعتقدوا أنّ فلسفة وجودهم هو السعي إلى إقامة حكم الله في الأرض، فسعى إلى ذلك بكلّ ما اُوتي من قوّة بحيث سمعناه يقول: إنّ آمالي جميعها كانت معقودة على مرجعيّة الشهيد الصدر (قدس سره) ، وكنت أعتقد أنّها هي المشروع الصحيح الحقيقيّ لإنقاذ الاُمّة وحلّ مشاكلها.

وكان (دام ظله) قد كتب قبل الثورة الإسلاميّة المباركة في إيران كتابه المسمّى بـ (أساس الحكومة الإسلاميّة)، وتبعه كتابه الآخر (الكفاح المسلّح في الإسلام)، وقبل سنوات أصدر كتاباً آخر في ضرورة إقامة حكومة العدل في الأرض على يد الفقيه الجامع للشرائط، وسمّـاه بـ (ولاية الأمر في عصر الغيبة).

يشهد كلّ من عرف سماحته (دام ظله)عن قرب بتواضعه الاجتماعيّ والعلميّ، وقد صادف ذات يوم أن طلب منه أحد حُضّار درسه تعريفاً إلى الحوزة وكان سماحة السيّد على علم من أنّ هذا الطالب يحضر الدرس بعض الوقت ولايحضر ما يزيد على نصف الوقت من الشهر فخاطب الطالب قائلاً: "كيف أكتب لك؟ أنت لاتحضر كلّ الوقت فهل أكتب أنّك تحضر نصف الوقت؟"، قال الطالب: إبْكَيْفَك (يعني الأمر إليك).
فقال سماحة السيّد أكتب: "كذا ..."، فأجاب الطالب بنفس الجواب. وهكذا إلى ثلاث مرّات، ففهم سماحته أنّ الطالب يقصد أنَّ الأمرَ كيفيٌ ولايخضع للموازين، فانزعج من ذاك الطالب وعاتبه عتاباً شديداً إلاّ أنّ ردّ الطالب كان لطيفاً وأطلعنا على أ نّه كان يقصد من تعبيره ذاك أنّ الأمر إليك، وبعد صلاة المغرب والعشاء بيّنا مقصود الطالب لسماحة السيّد وطلبنا منه أن يأذن لنا فنزور ذاك الطالب ونعتذر منه فأبى وقال أنا أعتذر، وكلّما طلبنا منه أن لايفعل لم يقبل وفي اليوم التالي وبعد ما أتَمَّ سماحته إلقاء درسه طلب من حضّار الدرس أن لايتفرّقوا حتّى يعتذر للطالب الذي عاتبه نتيجة أنّ عبارة الطالب كانت موهمة، وذكر: إنّ الروايات تُصَرّح بأنَّ من كسر مؤمناً فعليه جَبره ولقد كسرت بالأمس فلاناً واليوم أعتذر لعلَّ اعتذاري يكونُ جبراً.
هذا النوع من التواضع لم يُؤلَف ورأيناه من سماحة السيّد(دام ظله) .
ومن تواضعه أنّه كان يباشر أحياناً قضاء حوائج البعض بنفسه عندما كان قادراً على تلبيتها.
وقد رأيناه (دام ظله) مرّات عديدة يأتي بالطعام لضيوفه أو بعض مَن يعمل له بيديه على الرغم من وجود من يفعل ذلك.
كما رأيناه يستجيب لدعوة كلّ من يدعوه إلى بيته حتّى إذا كان من أبسط الناس، والشواهد على ذلك كثيرة لا مجال لذكرها في هذا المختصر، ويشهد بها كلّ من عاشره عن قرب.
ومن تواضعه أنّه كان يقبل الكلام المنطقيّ والفكرة العلميّة الصحيحة حتّى إذا جاءت من أصغر طلبة العلم.
ومن تواضعه أنّه كان يرفض التصديّ للمرجعيّة على الرغم من كثرة مقلّديه، وكان يكتفي بالإجابة عن الاستفتاءات التي كانت تصل إليه من شتّى أنحاء العالم، ولم يوافق على طبع فتاويه على الرغم من إصرار بعض محبّيه ومريديه، إلاّ بعد ما أحسّ بالوظيفة الشرعيّة تجاه ذلك; ولهذا نجد أنّ رسالته العمليّة لم تطبع إلاّ بعد مضي أكثر من عشرين سنة على تدريسه لأبحاث الخارج.
والجدير بالذكر هو أنّ هذه الحالات من التواضع ليس فيها أيّ تكلّف أو افتعال، بل هي حالة طبيعيّة وعفويّة تعيش في أعماق نفسه (دام ظله).

إنّ لسماحته (دام ظله) مواقف تضحويّة كثيرة في دفاعه عن الإسلام العزيز لا تسمح هذه الوريقات بسردها، وكفاه أنّه كان خروجه من النجف الأشرف نتيجة مواقفه الجهاديّة النبيلة التي اضطرّته إلى الخروج والهجرة.
ومن المهجر واصل عمله الجهادي وبطريقة أكثر حرّية وأخذ يتابع وضع العمل الجهادي في العراق من خلال تواصله مع اُستاذه سماحة السيّد الشهيد محمّدباقر الصدر(قدس سره) عن طريق المراسلات التي كانت بينهما.
وبعد استشهاد اُستاذه السيّد الشهيد رضوان الله عليه واكب سماحته (دام ظله) أيضاً الحركة الإسلاميّة العراقيّة بما يخدم مصلحة الوعي الإسلاميّ الحركيّ في العراق، وبذل جهده في دعم حركة الشعب العراقيّ ومجاهديه الأبرار بتوجيهاته وفتاواه الرشيدة، وليس كتابه القيّم (دليل المجاهد) الذي صدر في أيّام النظام البعثي الفاسد، وكان ينير الدرب للمجاهدين في داخل العراق إلاّ شاهداً حيّاً على المعنى المذكور.
وبعد استشهاد المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد محمّدصادق الصدر(قدس سره) تصدّى وبشكل أكبر وأوسع لرعاية المدّ الإسلامي الثوري داخل العراق.
وقُبيل سقوط النظام البعثيّ الغاشم واحتلال العراق وبعده أيضاً واصل سماحته إرشاداته بإصدار بيانات هامّة متناسبة مع الأحداث، ومن جملتها بيانه المعروف في إهدار دم رموز البعثيّين في العراق(1)، وقد عالج بذلك المشكلة الشرعيّة التي واجهها المجاهدون في قتل البعثيّين الذين تلوّثت أيديهم بالدماء الطاهرة لأبناء شعبنا العراقيّ الأبيّ، ومن جملتها بيانه الذي رفض فيه شرعيّة الدستور المؤقّت للعراق، وذكر فيه: "إنّ هذا الدستور بحذافيره دستور غير شرعي، وليس ملزماً لأحد من المسلمين"(2)، وقد أمر مكتبه من ذي قبل بإعداد دستور دائم للبلاد، فتمّ إعداده في ثلاثة عشر فصلاً، ويختصّ الفصل الأوّل منه بالمرحلة الانتقاليّة، وقد طبع ونشر باسم (لبنة أوّليّة مقترحة لدستور الجمهوريّة الإسلاميّة في العراق).
وقد استنكر(دام ظله) في بياناته دخول قوّات التحالف في العراق، وأكّد أنّها قوّات احتلال، وليست قوّات تحرير، كما أكّد في كثير من بياناته لزوم التوحّد والتآزر والتكاتف بين أبناء الشعب، واحترام المراجع وعلماء الدين.

هاجر (دام ظله) من النجف الأشرف سنة (1394 ﻫ ق)، ونزل في الحوزة العلميّة المباركة في قم المقدّسة، وبدأ نشاطه العلميّ بتدريس السطح العالي فترة وجيزة، ثُمّ شرع بتدريس الخارج فقهاً واُصولاً، فكان درسه الشريف لا يحضره إلاّ الذين يبحثون عن التبحّر والغور العميق حتّى إنّ عدداً من أفاضل العلماء الإيرانيّين يحضر درسه على الرغم من كونه باللّغة العربيّة; طلباً للتحقيق والفائدة.

منذ أن وطأت قدماه أرض قم المقدّسة أوقف نفسه للعلم وطلاّبه، فدرّس في بعض السنين أربعة دروس لخارج الفقه والاُصول يوميّاً، مضافاً إلى انشغاله في الأجوبة عن الاستفتاءات التي كانت ولاتزال ترد عليه من شتّى أنحاء العالم; إذ رجع إليه الكثيرون من مقلّدي سماحة السيّد الشهيد الصدر(قدس سره) في التقليد وفي إدارة شؤونهم السياسيّة.

وقد درّس دورة اُصوليّة كاملة بتحقيق عميق ودقيق، ثمّ شرع في الدورة الاُصوليّة الثانية، كما درّس كثيراً من أبواب الفقه على مستوى الدراسات العليا (أبحاث الخارج)، وقد درّس بعض أبواب الفقه دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والفقه الوضعي كالقضاء وولاية الأمر في عصر الغيبة وفقه العقود، وهو مستمرّ الآن في تدريس أبحاث الخارج فقهاً واُصولاً، ودام تدريسه هذا ما يقارب ثلاثين سنة.

وقد أخذ العراق منه جلّ اهتمامه، فبادر إلى تأسيس مدرسة علميّة في سنة (1401 ﻫ ق ) تهتمّ بتربية الشباب العراقيّين علميّاً وروحيّاً; ليكونوا علماء العراق مستقبلاً، وأفلح والحمد لله في ذلك، فخرّجت المدرسة إلى هذا اليوم أفواجاً من العلماء والأساتذة وكثيراً من المبلّغين الواعين ولايقلّ عددهم عن ألفي طالب، وتفتخر المدرسة بثلّة من خرّيجيها المجاهدين الذين حملوا السلاح في وجه طاغية العراق، واستشهدوا على أرضه دفاعاً عن الإسلام، فطوبى لهم وحسن مآب.

وسمّى سماحته (دام ظله) المدرسة باسم اُستاذه آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر (قدس سره); لتكون حاملةً لأفكاره، ومواصلةً لنهجه، وكانت المدرسة الوحيدة في ذلك التأريخ التي تدرّس علوم أهل البيت (عليهم السلام) باللغة العربيّة في حوزة قم المقدّسة، وهي أوّل مدرسة ـ أيضاً ـ تبنّت منهج الشهيد الصدر الأوّل (قدس سره) في دراسة اُصول الفقه(3).

ثُمّ عمد (دام ظله) من خلال مكتبه في قم المقدّسة إلى تأسيس مؤسّسة تهتمّ بإرسال العلماء إلى مناطق تبليغيّة، وتسهيل مهمّتهم ومتابعتهم، وسمّـاها ـ أيضاً ـ باسم اُستاذه الشهيد (قدس سره).

ومارس التربية بنفسه (دام ظله)، فأخذ يلقي كلّ ليلة جمعة من أيّام الدراسة محاضرة في التزكية، أو العقائد على رغم انشغاله طوال الاُسبوع، وله برامج طوال في شهر رمضان المبارك، وتكون له في كلّ ليلة منه محاضرة يقصدها طلاّب العلم والمعرفة.

ويسجّل كلّ حديث يلقيه سماحته في شريط التسجيل، ويوضع في المكتبة الصوتيّة المعدّة ـ في مكتب سماحته ـ لإعادة أنواع الدروس الحوزويّه إعانةً لطالب العلم ومساعدةً له.

وقد أسّس سماحته مدرسة اُخرى باسم اُستاذه الشهيد الصدر رضوان الله عليه في النجف الأشرف بعد سقوط النظام البعثي الكافر، وهي تتبع المنهج نفسه.

وكان (دام ظله) ينقل مراراً عن اُستاذه الشهيد (قدس سره) أنّه كان يقول: يجب أن نهتمّ بالتربية العلميّة للطلاّب الكفوئين الواعين; كي يكون الأعلم دائماً منهم.

وتراه يبذل في هذا السبيل ما بوسعه لتحقيق هذا الهدف الساميّ الذي يحمي الاُمّة، ويصونها عن كلّ شرّ وسوء. وفّقه الله لما يحبّ ويرضى.

إنّ حبّه لاُستاذه الشهيد لا يوصف; إذ فجع بنبأ شهادته ، فجلس أيّاماً لايخرج من البيت; لأنّه لايصبر عن البكاء لا ليلاً ولا نهاراً.

سألناه يوماً عن سوء صحّته بالشكل الذي لا يناسبه عمره الشريف، فأجابنا قائلاً: "اُصبتُ بمصيبتين عظيمتين هدّتا قواي:

الاُولى : فراق الاُستاذ الشهيد الصدر ، وأخذت هذه المصيبة منّي مأخذاً كبيراً حيث اضطررت إلى فراقه والهجرة من النجف الأشرف.

والثانية : شهادته أجهزت عليّ وأنهكتني".

وسمعناه يقول: "لو أنّ أولادي ذبحوا بأجمعهم أمامي، لما اُوذيت كما اُوذيت بشهادة اُستاذي".

وكتب بخطّه الشريف في مقدّمته للجزء الأوّل من الفتاوى الواضحة الذي علّق عليه: "والله يعلم كم يعصر قلبي حينما أراني اُعلّق على هذا الكتاب المبارك في حين أنّني لست إلاّ تلميذاً صغيراً وحقيراً لهذا الاُستاذ الكبير الذي عقمت الاُمّهات أن يلدن مثله"(1).

إنّ للشهيد الصدر الأوّل (قدس سره) مواقف وكلمات تدلّ على عنايته الفائقة وأمله العريض بتلميذه الأوّل وحامل علمه الكبير سيدنا الحائريّ (دام ظله) .

وقد عبّر عن ذلك مراراً شفهاً وتحريراً إلى أن حال القدر بينهما...

وبعد هجرته أخذت رسائله تترى، وتحمل ودّه ومحبّته وعطفه وتقديره.

وكان (قدس سره) يصدّر كلّ رسالة من رسائله بعبائر حافلة بالودّ والحنان اللذين قلّما يستطيع أب أن يفصح عنه لولده، فمثلاً كتب في صدر رسالة يقول:

«ولدي العزيز أبا جواد، لا عُدمتك ولا حُرمتك سنداً وعضداً»(5)

فبعدما يغمره بحنانه يشهد له بأنّه سند وعضد له.

وفي رسالة اُخرى يكتب له عن عواطفه وتقديره فيقول:

«عزيزي المعظّم أبا جواد، لا عُدمتك ولا حُرمتك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فقد تسلّمت بقلب يرتعش شوقاً وحنيناً، وينزف ألماً سطوركم الحبيبة، وقرأتها مراراً ومراراً»(6)

عجيبة هذه المشاعر الجيّاشة، والأعجب منها حاملها، فقلّما يجتمع علم غزير كأنّ صاحبه في علمه عقل محض، بهكذا عواطف دونها عواطف الأب الرحيم، وما ذاك إلاّ دليل على أنّ الصدر العظيم (قدس سره) مليء حناناً بقدر ما هو مليء علماً.

وكتب (قدس سره) لتلميذه (دام ظله) يشهد له بمقامه العلميّ العظيم، ويندب حظّه لبعده عنه، فيقول:

«قد ربّيتك يا أباجواد من الناحية العلميّة، وكنت آمل أن أستعين بك في هذه المرحلة حينما تتراكم الاستفتاءات ووقتي محدّد، وفيه ما فيه من أشغال ومواجهات، وهموم، وآمال...»(7).

فما أوفى الصدر العظيم (قدس سره) ، وما أخلصه، وما أرقّه وأرأفه، يربّي ويُنشئ ويُكبر.

ولا يجتمع ما ذكر إلاّ فيمن تذوّق طعم ذلك البرّ، والمتغذي على تلك المائدة، ألا وهو تلميذه وحامل أفكاره وعلمه والطالب بثأره سيدنا المبجّل (دام ظله) . ونسأل الله تعالى أن يحقّق أهداف اُستاذه العظيم على يديه.

كان (قدس سره) يشير إلى مقام السيّد (دام ظله) العلميّ بمختلف الأساليب، فمرّة عندما يطلب منه فضلاء الحوزة تقريراته لبحوث اُستاذه الصدر الأوّل (قدس سره) يجيب: «عليكم بما قرّره السيّد الحائريّ لبحوث اُستاذنا».

وشهدنا له رسائل شفهيّة من سماحته (قدس سره) إلى اُستاذنا المفدّى يذكر فيها أطواراً من الثناء، ويطلب في واحدة منها الدعاء له بالشهادة.

وقال (قدس سره) في لقاء مسجّل بــ (الفيديو): «أنا أعتقد أنّ الأعلم على الإطلاق بعد زوالي من الساحة جناب آية الله العظمى السيّد كاظم الحائريّ».

واستمرّ ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ في توجيه الاُمّة إلى البقاء في أحضان آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر (قدس سره) ، وتحت لواء مدرسته; لتبقى الاُمّة صدراً بين الاُمم، ولا ترجع ذَ نَباً...

فكتب (قدس سره) في جواب مَن سأله عن ذكره لسماحة السيّد (دام ظله) ولعالم آخر: «إنّما يتعيّن الرجوع إلى جناب السيّد الحائريّ في التقليد».

وبهذه العمليّة ضمن للمسيرة الجهاديّة مسيرها الصحيح. فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد، وسلام عليه وهو حي عند ربّه (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون)(1).

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران، الآية: 169.

Address

Iraq
Nedjef
31001

Telephone

009647804079909

Products

استفتاءات,اقوال,مفاهيم اسلامية,بيانات...

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مؤسسة السيد كاظم الحسيني الحائري "دام ظله" posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to مؤسسة السيد كاظم الحسيني الحائري "دام ظله":

Share

Nearby non profit organizations


Other Nedjef non profit organizations

Show All