13/11/2025
دهاء المالكي وغفلة السوداني: قراءة في المشهد السياسي العراقي
لم يكن المشهد الانتخابي الأخير في العراق مفاجئاً لمن يدرك عمق التجربة السياسية للسيد نوري المالكي، ذلك الزعيم الذي تعوّد أن يعمل بصمتٍ وهدوءٍ، محكماً نسجه بخيوطٍ دقيقة يصعب على خصومه إدراكها إلا بعد أن يقعوا في شِراكه.
لقد أثبت المالكي مرةً أخرى أنه رجل الدولة الحقيقي الذي يعرف كيف يقرأ المتغيرات، ويُحكم السيطرة على أدوات اللعبة السياسية ضمن الأطر القانونية والدستورية، دون ضجيج أو استعراض.
فحين ظنّ البعض أن تعديلات قانون الانتخابات جاءت لإقصائه، إذا به يحوّل التحدي إلى فرصة، فدفع باتجاه تعديل المواد التي كانت مصممة ضده، حتى أصبحت تصبّ في صالحه.
ثم خاض الانتخابات بخطةٍ مدروسةٍ تعتمد على التنظيم والتاريخ والرصيد الشعبي، لا على المال أو الشعارات المؤقتة، فجاءت النتائج مطابقة تماماً لما أراده وأعدّ له مسبقاً.
السوداني... من صنيعة المالكي إلى وهم الاستقلال
في المقابل، أخطأ السيد محمد شياع السوداني التقدير حين ظنّ أن صعوده إلى رئاسة الحكومة منحه استقلال القرار والسلطة.
لقد نسي – أو تناسى – أن من أوجده في المشهد السياسي، ودعمه للوصول إلى رئاسة الوزراء، هو ذاته الزعيم الذي رسم معالم اللعبة منذ بدايتها.
وما زاد في خطئه أنه تصرّف بغطرسة سياسية غير محسوبة، متجاهلاً توازن القوى الحقيقي الذي لا يزال يمسك المالكي بخيوطه المحكمة.
السوداني، وإن حاول أن يُظهر نفسه بمظهر الإصلاحي، إلا أن سلوكه السياسي لم يرقَ إلى مستوى رجل الدولة.
فقد تبنّى خطاباً شعبوياً يتحدث فيه عن مكافحة الفساد، وخفض رواتب الرئاسات الثلاث، والسيطرة على شركات الهاتف النقال، وتخفيض سعر الصرف،
إلا أن كل هذه الوعود بقيت حبراً على ورق، مما أفقده المصداقية وأضعف قاعدته السياسية والاجتماعية.
المالكي... صائد الفرص وصانع التوازن
لقد أثبتت نتائج الانتخابات أن المالكي لا يزال يمسك بزمام القرار داخل البيت السياسي الشيعي، وأنه يعرف متى يتحرك ومتى يصمت.
فهو لم يُنفق المليارات كما فعل غيره، ولم يُطلق الوعود البراقة، ومع ذلك حصل على نتائج تفوق ما ناله في الدورات السابقة.
وهذا بحد ذاته دليل على أن القيادة تُقاس بالحنكة، لا بالدعاية؛ وبالعمل الصامت، لا بالضجيج الإعلامي.
إنه صائدٌ ماهر عرف متى يصوّب ومتى يصطاد، فأوقع خصومه في الفخ الواحد تلو الآخر، دون أن يخوض معركة علنية أو مواجهة مباشرة.
وحين خرجت النتائج، كان هو الرابح الأكبر، واضعاً يده مجدداً على مفاصل القرار.
المعادلة القادمة: العودة إلى ميزان الزعامة
اليوم، وبعد أن تكشّفت الحقائق، يدرك الجميع أن المالكي هو من يملك مفتاح الاستقرار السياسي في العراق، وأن من أراد بناء تحالف أو تشكيل حكومة دون التنسيق معه إنما يغامر بمستقبله السياسي.
أما السوداني، الذي غلب عليه الوهم السياسي، فليس أمامه سوى خيارين:
إما أن يقدّم استقالة حكومته بشجاعة، أو أن يعود إلى مقعده البرلماني ليواصل أحاديثه عن “الإصلاح” في البرامج التلفزيونية، بعدما انتهت صلاحيته السياسية بفعل أخطائه وسوء تقديره لموازين القوة.
وفي الاخير نقول
لقد أثبتت التجربة مجدداً أن السياسة ليست شعارات ولا عواطف، بل فنّ إدارة الواقع بذكاءٍ واستبصار.
والمالكي – بما يمتلكه من تجربة ووعي تاريخي – جسّد هذا الفن بأرقى صوره، فحافظ على موقعه وزعامته رغم كل الحملات التي استهدفته.
أما من توهّم أن بإمكانه تجاوز من صنعه، فقد سقط سريعاً في فخ الغرور السياسي.
فالسياسة في العراق – كما علمنا المالكي – لا تُدار بالصوت العالي، بل بالعقل الهادئ، والصبر الطويل، والدهاء الذي لا يخطئ الهدف.