مركز الرصد العقائدي

مركز الرصد العقائدي قسم الشؤون الدينية - العتبة الحسينية المقدسة.
مركز الرصد العقائدي

علّةُ تخلّفِ محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ وأبنائه عنِ الحُسينِ (ع)  : هل السيّدُ محمّدٌ بنُ الحنفيّةِ حبسَ أولادَه فعلاً عَن نُص...
20/06/2026

علّةُ تخلّفِ محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ وأبنائه عنِ الحُسينِ (ع)

: هل السيّدُ محمّدٌ بنُ الحنفيّةِ حبسَ أولادَه فعلاً عَن نُصرةِ الإمامِ الحُسينِ عليهِ السّلام كما جاءَ في كتابِ طبقاتِ إبنِ سعد؟
أرجو ان تجيبونا بالتّفصيلِ عَن أولادِ السيّدِ محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ وكم عمرُهم في سنةِ حدوثِ واقعةِ الطفِّ المؤلمة؟

#الجواب :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
روى إبنُ سعدٍ ـ وهوَ مِن أبناءِ العامّةِ - : .... وبعثَ حسينٌ إلى المدينةِ فقدمَ عليهِ مَن خفَّ معَه مِن بني عبدِ المُطّلبِ هُم تسعةَ عشرَ رجلاً ونساءٌ وصبيانٌ مِن إخوانِه وبناتِه ونسائِهم .

وتبعَهم محمّدُ بنُ الحنفيّةِ فأدركَ حسيناً بمكّةَ وأعلمَه أنَّ الخروجَ ليسَ له برأي يومَه هذا ، فأبى الحسينُ ان يقبل .

فحبسَ محمّدٌ بنُ علي ولدَه فلم يبعَث معَهُ أحداً منهُم ! حتّى وجدَ الحسينُ في نفسِه على محمّدٍ ، قالَ : ترغبُ بولدِك عَن موضعٍ أصابُ فيه ؟ !

فقالَ محمّدٌ : وما حاجتِي أن تصابَ ويصابونَ معَك ، وإن كانَت مصيبتُك أعظمُ عندَنا منهُم . (الطبقاتُ الكُبرى: 6 / 428)

فنقولُ :

أوّلاً: هذهِ الرّوايةُ بالخصوصِ لا نعرفُ سندَها، فإنّ إبنَ سعدٍ ذكرَ أسانيدَ عديدةً إلى مُجملِ مقتلِ الإمامِ الحُسينِ (ع) في بدايةِ سردِه للمقتلِ، ولفّقَ بينَ الرّواياتِ، ودمجَ المتونَ، ونحنُ نشكّ جدّاً أن يكونَ هذا الخبرُ ممّا رواهُ بكلِّ تلكَ الطرقِ والأسانيدِ، وإلّا فلماذا تفرّدَ بها إبنُ سعدٍ، ولم نجِدها في مصدرٍ آخر؟!

ولذا لا يمكنُ الحكمُ بإعتبارِ خصوصِ هذا الخبر.
هذا على طِبقِ مباني القوم.

وأمّا على طبقِ مباني الشيعةِ الإماميّةِ فالخبرُ غيرُ مُعتبرٍ، ولم يروَ في كتبِنا.

ثانياً: منَ القريبِ جدّاً أن تكونَ هذهِ الرّوايةُ مِن وضعِ الأمويّينَ أو المروانيّينَ أو الزبيريّينَ، أو قتلةِ الحُسينِ (ع) والمُتعاطفينَ معهم، فإنّ محمّداً بنَ الحنفيّةِ كانَ رأسَ حربةٍ في العداءِ لهم، فراحوا يشنّعونَ عليهِ تخلّفَه عَن كربلاء، وعدمَ نُصرةِ الإمامِ الحُسينِ (ع)! حتّى إنتهى بهِ الأمرُ بأن يُدافعَ عَن نفسِه هوَ وعبدُ اللهِ بنُ عبّاسٍ فيما رواهُ إبنُ شهرِ آشوبَ قالَ: وعُنّفَ إبنُ عبّاس على تركِه الحُسينَ فقالَ : إنَّ أصحابَ الحسينِ لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً نعرفُهم بأسمائِهم مِن قبلِ شهودِهم. وقالَ محمّدٌ بنُ الحنفيّةِ: وإنَّ أصحابَه عندَنا لمكتوبونَ بأسمائِهم وأسماءِ آبائِهم. (المناقبُ: 3 / 211).

ثالثاً: تنصُّ بعضُ الرّواياتِ أنّ الإمامَ الحُسينَ (ع) أعفى أخاهُ محمّداً بنَ الحنفيّةِ عنِ الخروجِ معَه، وأوكلَ إليهِ مهمّاتٍ خطيرةً، وكانَ بقاؤه في المدينةِ بتخطيطِ الإمامِ (ع)، وكانَ وكيلاً لهُ، وجعلَه الحُسينُ (ع) إحدى البوّاباتِ التي تحدّثَ معَ المسلمينَ مِن خلالِها عنِ الهدفِ مِن نهضتِه، ومشروعِه الإصلاحيّ، وما سيترتّبُ على نهضتِه وشهادتِه.

ذكرَ المؤرّخُ إبنُ أعثم ( ت 314 هج) أنّ الإمامَ الحُسينَ (ع) قالَ لأخيهِ محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ: وأمّا أنتَ يا أخي فلا عليكَ أن تقيمَ بالمدينةِ فتكونَ لي عيناً عليهم ولا تُخفِ عليّ شيئاً مِن أمورِهم، قالَ: ثمَّ دعا الحسينُ بدواةٍ وبياضٍ وكتبَ فيهِ وصيّتَه إلى محمّدٍ بنِ الحنفيّة. (الفتوحُ لابنِ أعثم: 5 / 21 ، مقتلُ الحسينِ للخوارزمي: 1 / 188).

وممّا جاءَ في وصيّةِ الإمامِ الحسينِ (ع) أنّهُ ذكرَ فيها الهدفَ مِن خروجِه: إنّي لم أخرُج أشراً ولا بطراً ولا مُفسداً ولا ظالِماً، وإنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمّةِ جدّي محمّدٍ (ع)، أريدُ أن آمرَ بالمعروفِ وأنهى عنِ المنكرِ وأسيرَ بسيرةِ جدّي محمّدٍ، وأبي عليٍّ بنِ أبي طالب. (المصدرُ السّابق).

وتسليمُ الحسينِ (ع) وصيّتَه إلى أخيهِ محمّدٍ يعني أنّهُ معفيٌّ عنِ الخروجِ معَه، و مكلّفٌ بنشرِها وبيانِها للمسلمينَ، وهذا دورٌ مهمٌّ وخطيرٌ أوكلَ إلى محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ، وهوَ الجهادُ في الدّفاعِ عَن نهضةِ سيّدِ الشّهداءِ (ع)، وتقديمِها بصورةٍ صحيحةٍ للعالمِ الإسلاميّ كما أرادَها الإمامُ الحسينُ (ع) مِن أنّها نهضةٌ إصلاحيّةٌ الغرضُ منها إرجاعُ حكمِ النبيّ وعليٍّ بنِ أبي طالب، والدّفاعِ عنها في مقابلِ تشويهاتِ الأمويّةِ، ودفعِ شبهاتِ المُغرضين.

وكانَت الرّسائلُ تصدرُ منَ الحسينِ (ع) إلى محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ، رويَ عنِ الإمامِ الباقرِ (ع): كتبَ الحسينُ بنُ عليٍّ مِن مكّةَ إلى محمّدٍ بنِ عليٍّ: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ منَ الحسينِ بنِ عليٍّ إلى محمّدٍ بنِ عليٍّ ومَن قبلَه مِن بني هاشمٍ، أمّا بعدُ فإنَّ مَن لحقَ بي إستُشهِد ومَن لم يلحَق بي لم يُدرِك الفتح. والسّلام. (كاملُ الزّياراتِ ص157)

أخبرَ الإمامُ (ع) مِن خلالِ هذهِ الرّسالةِ أنّهُ ماضٍ نحوَ الشّهادةِ، وسيترتّبُ على شهادتِه الفتح.

وهذه الرّسالةُ أوصلَها الحسينُ (ع) لنا عبرَ محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ، فمحمّدٌ وكيلُ الإمامِ، وإحدى البوّاباتِ التي تحدّثَ الإمامُ الحسينُ (ع) مِن خلالِها معَ المسلمينَ عنِ الهدفِ مِن نهضتِه، وأنّهُ ليسَ طالبَ دنيا ولا حُكم، بل مشروعُه مشروعُ شهادةٍ في سبيلِ اللهِ، طلباً للإصلاحِ في أمّةِ جدّهِ رسولِ اللهِ، وأنّه سيترتّبُ على شهادتِه الفتحُ. (إنّا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً).

وأرسلَ لهُ مِن كربلاء: عَن أبي جعفرٍ (عليهِ السّلام) ، قالَ : كتبَ الحسينُ بنُ عليٍّ (عليهما السّلام) إلى محمّدٍ بنِ عليٍّ (عليهِ السّلام) مِن كربلاء : بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ منَ الحُسينِ بنِ عليٍّ (عليهما السّلام) إلى محمّدٍ بنِ عليٍّ ومَن قبلَه مِن بني هاشمٍ، أمّا بعدُ فكأنَّ الدّنيا لم تكُن وكأنَّ الآخرةَ لم تزَل، والسّلام. (كاملُ الزّيارات ص158)

وهذهِ رسالةٌ أخرى يؤكّدُ الحسينُ (ع) فيها بأبلغِ العباراتِ وأفصحِها وأخصرِها، أنّ نهضتَه لم تكُن للدّنيا، ولم ينظر إلى الدّنيا أبداً، ولم يكُن طالباً للسّلطةِ، (فكأنَّ الدّنيا لم تكُن) هكذا كانَ الحُسينُ (ع)، في مسيرتِه ونهضتِه، وأنّ نهضتَه كانَت: (وكأنَّ الآخرةَ لم تزَل) فهيَ نهضةٌ الغرضُ منها تعميرُ الآخرةِ، وأنّ الحسينَ (ع) كانَ نظرُه مقصوراً على الآخرةِ، وأنّهُ لم يزَل ينظرُ إلى الآخرةِ في جميعِ سيرِه، ولم ينظر إلى الدّنيا لحظةً واحدةً.

ومَن هُم أفضلُ مَن يعينونَ محمّداً بنَ الحنفيّةِ في هذهِ المهمّة؟
الجوابُ: لا أحدَ أفضلُ وأرأفُ مِن أبنائه.

ولعلّ إعفاءَ الإمامِ (ع) لأخيهِ محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ يتناسبُ معَ الحالةِ الصحّيّةِ التي كانَ يعيشُها آنذاكَ، حيثُ أجابَ العلّامةُ الحلّيُّ عَن سؤالٍ وجّهَ إليهِ في خصوصِ تخلّفِ محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ، فأجابَ بأنّهُ كانَ مريضاً. (أجوبةُ المسائلِ المهنائيّةِ للعلّامةِ الحلّي ص38) وقالَ الشهيدُ الثّاني: وأمّا تخلَّفُه عنِ الحسينِ عليهِ السّلام فعذرُه مشهورٌ في الأخبارِ وكتبِ السيَرِ فإنّهُ كانَ لِزَمانَةٍ في رِجلَيه. (رسائلُ الشّهيدِ الثاني:1 / 561)

وأفضلُ مَن يعينُ المريضَ في شؤونِه هُم أبناؤه.

ولا يهمُّنا كثيراً حادثةُ مرضِه، فهناكَ مهمّةٌ كبيرةٌ أوكلَت إلى محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ وهوَ الدّفاعُ عَن نهضةِ سيّدِ الشّهداءِ (ع)، وإيصالُها نقيّةً نظيفةً إلى العالم.

رابعاً: إنّ محمّداً بنَ الحنفيّةِ أكبرُ وأجلُّ وأعظمُ مِن أن يحبسَ أبناءَه عَن نُصرةِ أخيهِ وإمامِ زمانِه الإمامِ الحُسينِ سبطِ النبيّ وإبنِ الزّهراءِ صلواتُ اللهِ عليهم، وهوَ العارفُ بشأنِه ومقامِه.

ومحمّدٌ بنُ الحنفيّة ممدوحٌ في رواياتِنا، وعندَ علمائِنا.

فلا بدّ مِن سببٍ في تخلّفِ أبنائه، إمّا لأنّهم صغارٌ دونَ سنِّ خوضِ الحروبِ، أو لأنّ الإمامَ الحسينَ (ع) أمرَهم بالبقاءِ معَ أبيهم، ليعينوهُ في المهمّاتِ التي أوكلَت إليهِ، أو ليعينوهُ في مرضِه.

ولعلَّ الإمامَ الحسينَ (ع) أمرَهم بالبقاءِ حِفاظاً على البيتِ العلويّ منَ الإندثار.

خامِساً: إنّ محمّداً بنَ الحنفيّةِ مهندسُ ثورةِ المُختارِ الثقفي، و كانَ يحرّضُه على التعجيلِ في تصفيةِ قتلةِ الحسينِ (ع)، وببركةِ وجودِه تمّ تصفيةُ السّاحةِ مِن قتلةِ الحسينِ (ع)، وكانَ هوَ المشرفَ على ثورةِ المُختارِ.

ولهذا أعفاهُ الإمامُ الحُسينُ (ع) منَ الخروجِ معَه، حتّى يقومَ بهذهِ الأدوارِ لاحِقاً.

وأفضلُ مَن يعينُه في تحرّكاتِه تلكَ هُم أبناؤه.

قالَ إبنُ نما: وكانَ محمّدٌ بنُ الحنفيّةِ يعتبُ على المختارِ لمُجالسةِ عُمر بنِ سعدٍ وتأخيرِه قتلَه ، فحملَ الرّأسينِ إليهِ إلى مكّةَ معَ مسافرٍ بنِ سعدٍ الهمداني وظبيانَ بنِ عمارةَ التميمي ، فبينا محمّدٌ بنُ الحنفيّةِ جالسٌ في نفرٍ منَ الشّيعةِ ، وهو يعتبُ على المُختارِ ، فما تمَّ كلامُه إلّا والرّأسانِ عندَه ، فخرَّ ساجداً ، وبسطَ كفّيهِ ، وقالَ : اللهمَّ لا تنسَ هذا اليومَ للمُختارِ ، وأجزِه عَن أهلِ بيتِ نبيّكَ محمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ خيرَ الجزاءِ ، فواللهِ ما على المُختارِ بعدَ هذا مِن عتب. (مثيرُ الأحزان ص129).

فمنَ الطبيعيّ ان ينشرَ قتلةُ الحُسينِ (ع) أخباراً الغرضُ منها إدانةُ هذا المهندسِ العظيمِ، والمحرّضُ للأخذِ بالثّار.

سادِساً: شخصٌ بهذا الثقلِ والأهميّةِ والخطورةِ، منَ الطبيعيّ أن تُرمى إليهِ سهامُ الأمويّينَ والزبيريّينَ، لغرضِ تصفيتِه سياسياًّ وتسقيطِه دينيّاً، وإبعادِه عنِ السّاحةِ، ومِن ثمّ تكميمِ أحدِ أفواهِ أهمِّ المُدافعينَ عَن نهضةِ سيّدِ الشّهداءِ (ع)، والإنقضاضِ على ثورةِ المُختارِ وإدانتِه في تصفيةِ قتلةِ الحُسينِ (ع)، وإدانةِ الحُسينِ سلامُ اللهِ عليه.

سابعاً: وممّا يكذّبُ هذا الحوارَ الذي ينقلُه إبنُ سعدٍ وأنّهُ حصلَ في مكّةَ أثناءَ خروجِ الحسينِ (ع) منها بإتّجاهِ العراقِ، أنّ بعضَ رواياتِنا الصّحيحةِ، وبعضَ النّصوصِ التاريخيّةِ مِن كتبِ أبناءِ العامّةِ تنصُّ انّ محمّداً بنَ الحنفيّةِ لم يخرُج منَ المدينةِ، وكانَ آخرُ عهدِ الحُسينِ (ع) بأخيهِ محمّدٍ في المدينةِ المنوّرةِ، وليسَ في مكّة.

روى إبنُ قولويه بسندٍ جميعُ رجالِه فقهاءُ أجلّاء عيونٌ ثقاتٌ عَن أبي جعفرٍ الباقرِ (عليهِ السّلام) قالَ : كتبَ الحسينُ بنُ عليٍّ مِن مكّةَ إلى محمّدٍ بنِ عليٍّ: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ منَ الحُسينِ بنِ عليٍّ إلى محمّدٍ بنِ عليٍّ ومَن قبلَه مِن بني هاشمٍ ، أمّا بعدُ فإنَّ مَن لحقَ بي إستُشهِد ومَن لم يلحَق بي لم يدركِ الفتحَ. والسّلام. (كاملُ الزّيارات ص157)

كتبَ الحسينُ مِن مكّةَ إلى إبنِ الحنفيّةِ ... وهذا يعني أنّ محمّداً بنَ الحنفيّةِ لم يكُن في مكّةَ، بل بقيَ في المدينةِ، مُطيعاً لإمامِ زمانِه، ومُتحمّلاً عِظمَ المسؤوليّةِ التي أوكلَت إليه.

وقد نصَّ الدينوريُّ على أنّ محمّداً بنَ الحنفيّةِ أقامَ في المدينةِ، ولم يذكُر شيئاً عَن خبرِ خروجِه إلى مكّةَ، حيثُ قالَ: فلمّا أمسوا، وأظلمَ اللّيلُ، مضى الحسينُ (رضيَ اللهُ عنه) أيضاً نحوَ مكّةَ، ومعَهُ أختاهُ: أمُّ كلثومٍ، وزينبُ، وولدُ أخيهِ، وإخوتُه: أبو بكرٍ، وجعفرٌ، والعبّاسُ، وعامّةُ مَن كانَ بالمدينةِ مِن أهلِ بيتِه، إلّا أخاهُ محمّداً بنَ الحنفيّةِ، فإنّهُ أقامَ. (الأخبارُ الطّوالُ: ص٢٢٨) ولم يذكُر الدينوريُّ أيَّ لقاءٍ ومحادثةٍ للحُسينِ (ع) معَ محمّدٍ بنِ الحنفيّةِ، معَ ذكرِه لمُحادثةِ إبنِ عبّاسٍ له.

وذكرَ إبنُ أعثمَ والخوارزمي خبرَ لقاءِ الإمامِ الحُسينِ (ع) بمحمّدٍ بنِ الحنفيّةِ في المدينةِ، ولم يذكرا لهُ أيَّ لقاءٍ في مكّة.

ولم يذكُر الشّيخُ المفيدُ في الإرشادِ إلّا لقاءَه بالإمامِ في المدينةِ، ولم يذكُر أنّهُ إنتقلَ إلى مكّةَ وحاولَ منعَه هناك.

النّتيجةُ: ظهرَ ممّا تقدّمَ أنّ بقاءَ محمّدٍ بنَ الحنفيّةِ كانَ بتخطيطِ الإمامِ المعصومِ (ع) وأمرِه، ليقومَ بأدوارٍ مهمّةٍ بعدَه، وخيرُ مَن يعينُه هُم أبناؤه، كما بيّنا ذلكَ.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

هل يتحمل يزيد مسؤولية قتل الإمام الحسين (ع)؟السؤال: هل صحيحٌ أنَّ يزيد بن معاوية كان مسؤولاً بشكلٍ مباشرٍ عن قتل الإمام ...
20/06/2026

هل يتحمل يزيد مسؤولية قتل الإمام الحسين (ع)؟

السؤال: هل صحيحٌ أنَّ يزيد بن معاوية كان مسؤولاً بشكلٍ مباشرٍ عن قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، أم أنَّ مقتله كان نتيجة قراراتٍ ذاتيةٍ من الكوفيين وأحداثٍ لم يكن ليزيد دورٌ مباشرٌ فيها؟

الإجابة:

عند استعراض تاريخ الصراع بين أهل البيت (عليهم السلام) والسلطة الأمويَّة التي استأثرت بالحكم، يتضح بجلاءٍ أنّ بني أميَّة كانوا يسعون جاهدين للقضاء على أيّ تهديدٍ شرعيٍّ يواجه سلطانهم، مستخدمين في ذلك كلّ الوسائل المتاحة، بما فيها العنف والإرهاب.

الإمام الحسين (عليه السلام) كان يمثل رمزاً للشرعيَّة الإلهيَّة والخلافة الراشدة، وهو حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيد شباب أهل الجنَّة، مما جعله هدفاً مباشراً للسلطة الأموية بقيادة يزيد بن معاوية.

بعد موت معاوية واعتلاء يزيد عرش الخلافة، أصبحت مسألة البيعة للحسين (عليه السلام) أمراً بالغ الأهمية بالنسبة ليزيد، ليس لأنّ البيعة في ذاتها تعني شيئاً ليزيد، بل لأنّها تمثّل إضفاء الشرعيّة على حكمه الجائر.

ومنذ البداية، كان يزيد يدرك أنّ رفض الحسين (عليه السلام) للبيعة يشكّل تهديداً وجوديّاً لحكمه؛ لذا أصدر يزيد أوامر واضحةً إلى والي المدينة آنذاك الوليد بن عتبة، بأنْ يأخذ البيعة من الإمام الحسين (عليه السلام) ولو بالقوّة، بل وهدّده بالقتل إنْ رفض.

وقد وردت في كتب التاريخ رسالة يزيد إلى الوليد قائلاً: (إذا أتاك كتابي فاحضر الحُسين بن عليّ وعبد الله بن الزّبير، فخُذهما بالبيعة، فإنْ امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إليّ برأسيهما، وخُذ الناس بالبيعة فمَنْ امتنع فانفذ فيه الحكم، وفي الحُسين بن علي وعبد الله بن الزّبير، والسّلام) [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص215]، هذه الرسالة تكشف بوضوحٍ نيّة يزيد، وتؤكّد أنّ قتل الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن حادثاً عرضيّاً، بل كان جزءاً من مخططٍ سياسيٍّ مرسوم.

عندما رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد، قرّر مغادرة المدينة حفاظاً على حرمة المكان ومنعاً لسفك دمه فيها. توجّه إلى مكة، لكنّ يزيد لم يتركه وشأنه، بل أرسل مَن يتآمر عليه حتّى في الحرم المكيّ.

يقول عبد اللّه بن عباس في رسالته ليزيد: (وما أنس من الأشياء فلست بناسٍ اطرادك الحسين بن علي من حرم رسول اللّه (ص) إلى حرم اللّه، ودسّك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم اللّه إلى الكوفة، فخرج منها خائفاً يترقّب، وقد كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعزّ أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوّأ بها مقاماً واستحلّ بها قتالاً) [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص221].

وبعد خروجه من مكة وتوجّهه للكوفة جهّز له يزيد جيشاً بقيادة عبيد الله بن زياد لملاحقته وقتاله.

وعبيد الله بن زياد، الذي ولَّاه يزيد على الكوفة والبصرة، كان معروفاً ببطشه، وقد نفّذ أوامر يزيد دون تردّد، ففرّق أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) في الكوفة، وقتل مسلم بن عقيل سفير الحسين (عليه السلام) بوحشية، وعندما وصل الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء، كانت جميع تحرّكات الجيش الأمويّ تحت إمرة عبيد الله بن زياد بتوجيهٍ مباشرٍ من يزيد.

وقد أورد المؤرّخون شواهد تؤكّد مسؤوليّة يزيد عن قتل الحسين (عليه السلام)، منها: ما ذكره ابن الأثير عن عبيد الله بن زياد أنَّه قال: (أما قتلي الحسين، فإنّه أشار عليّ يزيد بقتله أو قتلي، فاخترت قتله) [الكامل في التاريخ ج4 ص140].

إضافةً إلى ذلك، أرسل يزيد رسالة شكرٍ لعبيد الله بن زياد بعد أنْ أرسل إليه برأسي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة جاء فيها: (أمّا بعد، فإنّك لمْ تعد إذ كنت كما أحبّ، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابض، فقد كفيتَ وصدَّقتَ ظنّي ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما عن الذين ذكرت، فقد وجدتهما في رأيهما وعقلهما وفهمهما وفضلهما ومذهبهما كما ذكرت، وقد أمرت لكلّ واحدٍ منهما بعشرة آلاف درهم وسرّحتهما إليك فاستوص بهما خيراً. وقد بلغني أنّ الحُسين بن علي قد عزم على المسير إلى العراق، فضع المراصد والمناظر واحترس واحبس على الظنّ، واكتب إليّ في كلّ يومٍ بما تجدّد لك مِنْ خيرٍ أو شرٍّ، والسّلام) [الفتوح ج5 ص109].

وقد ذكر العديد من علماء أهل السنة والجماعة مسؤوليّة يزيد عن هذه الجريمة، مثل سبط ابن الجوزيّ، والتفتازانيّ، والجلال السيوطيّ، وغيرهم.

قال السعد التفتازانيّ: (والحقّ أنّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت رسول الله (ص) ممّا تواتر معناه وإنْ كان تفصيله آحاداً، فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه) [شرح العقائد النسفيَّة ص206].

وتوجد أجوبةٌ عديدةٌ سابقةٌ يمكن مراجعتها، مثل: (هل يزيد أمر بقتل الحسين؟)، (هل فرح يزيد بقتل الحسين؟)، (مَن المسؤول عن قتل الحسين؟)، (هل صحَّ أنَّ يزيد بكى على الحسين؟)، وغيرها.

إذاً، ما حدث في كربلاء لم يكن مجرّد حادثةٍ فرديّةٍ معزولة، بل كان جزءاً من سياسةٍ ممنهجةٍ اعتمدتها السلطة الأمويّة لإخماد أيّ صوتٍ معارض، وعلى رأسها صوت الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي يمثّل صوت الحقّ والعدل.

هل التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي (ع) معتبرة؟السؤال: كيف يمكن الاطمئنان إلى صحَّةِ التوقيعات المنسوبة إلى الإمام الم...
19/06/2026

هل التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي (ع) معتبرة؟

السؤال:
كيف يمكن الاطمئنان إلى صحَّةِ التوقيعات المنسوبة إلى الإمام المهديّ (عليه السلام)، مع أنّها نُقِلت بطريق الآحاد وعن طريق السفراء الأربعة؟

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أوَّلاً من تحديد طبيعة هذه التوقيعات، وكيفيَّةِ انتقالها إلى الشيعة، ثمَّ دراسة المناهج التي اعتمدها علماء الإماميَّةِ في التعامل معها من حيث السند والدلالة والقرائن المحفوفة بها؛ إذ إنَّ البحث في حجّيَّةِ التوقيعات لا ينفصل عن البحث العامّ في حجّيَّةِ الرواية وطرق إثبات صدور النصوص عن المعصومين (عليهم السلام).

وعلى هذا الأساس، يمكن الجواب عن السؤال من خلال عدَّةِ جهاتٍ:

الأولى: ما وصل منهم ليست اجتهاداتٍ شخصيَّةً، بل نصوصٌ منقولةٌ:
فإنَّ ما وصلنا عن طريق هؤلاء النوّاب، عبارةٌ عن (التوقيعات)، أي ما كان يُكتب ردّاً على مسائل وأسئلةٍ تُطرح على الإمام (عليه السلام) [ينظر: مجمع البحرين ج4 ص408]. فحينما كان الشيعة يواجهون إشكالاتٍ فقهيَّةً أو مسألةً غامضةً، كانوا يكتبون بها إلى أحد النوَّاب الأربعة، فيوصلها بدوره إلى الإمام، فيتلقَّى منه الجواب مكتوباً، ويُعيده إليهم. وهكذا كانت التوقيعات تصدر من الإمام المعصوم مباشرةً، لا من عند النوَّاب أنفسهم؛ إذ لم يكن لهم فيها إلّا دور الوساطة والأمانة في النقل، فكانوا قناةً أمينةً بين الإمام وأتباعه.

ومن هنا، فإنَّ كلَّ ما وصل عنهم إنَّما هو في الحقيقة كلام الإمام المعصوم (عليه السلام)، وليس اجتهاداً شخصيَّاً منهم، ويؤكّد هذا ما نقله محمَّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ، عندما ساوره الشكّ في أجوبة الحسين بن روحٍ، فقال: «فعدت إلى الشيخ أبي القاسم بن روحٍ (قدَّس الله روحه) من الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر ما لنا يوم أمس من عند نفسه، فابتدأني: يا محمَّد بن إبراهيم، لأنْ أخرَّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكانٍ سحيقٍ أحبّ إليَّ من أنْ أقول في دين الله (عزَّ وجلَّ) برأيي أو من عند نفسي، بل ذلك عن الأصل ومسموعٌ عن الحجَّةِ صلوات الله عليه وسلّامه» [كمال الدين ص508-509].
وهذا النصّ من أوضح ما يكون في نفي التصرّف بالرأي، وتأكيد أنّهم أمناء نَقَلةٌ، فمن هنا يصبح مصبّ البحث والجواب عن الإشكال في اعتبار وحجّيَّةِ التوقيعات.

الثانية: التوقيعات تخضع لنفس ضوابط علم الحديث:
فأوَّلاً، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّه كما وُضِع علم الرجال والدراية لفحص أسانيد الأحاديث المنقولة ودراسة مضامينها، فإنَّ التوقيعات أيضاً ـ باعتبارها نصوصاً منسوبةً إلى الإمام المعصوم (عليه السلام) ـ تخضع للمنهج ذاته في التحقيق والاعتبار. فعلم الرجال يُعنى بدراسة حال الرواة وطبقاتهم، كما أنّ علم الدراية يُعنى بفحص المتن من حيث انسجامه مع الروايات الأخرى، وعدم معارضته للقرآن الكريم، إضافةً إلى النظر في القرائن المتَّصلة والمنفصلة التي تُسهم في تقوية الرواية أو استبعادها. وهذه المهمَّةُ منوطةٌ بالفقيه المجتهد الذي يجمع بين أدوات الفهم والاستنباط. وبما أنَّ التوقيع نصٌّ يُروى عن المعصوم، فإنَّه يُعامل معاملة سائر الأحاديث من حيث التثبّت السنديّ والدقَّةِ الدلاليَّةِ، ولا فرق بينه وبين سائر الروايات من هذه الجهة.

وثانياً، ممَّا يعزّز الوثوق بهذه التوقيعات: أنّ أغلبها ورد في مصادر معروفةٍ بالاعتبار والوثاقة، فقد وردت هذه التوقيعات في عددٍ من المصادر المتقدِّمة والمعتبرة، مثل: كتابي تهذيب الأحكام والغيبة للشيخ الطوسيّ، وكتابي من لا يحضره الفقيه وكمال الدين للشيخ الصدوق، وقد وردت التوقيعات فيها بأسانيد، وهذا يفتح الباب للتعامل معها على أساس نقد الحديث المعروف، ممَّا يقوّي الاعتماد عليها عند أهل الدراية.

الثالثة: ذكر قرائن وشواهد تدلّ على صحَّةِ الاطمئنان بالتوقيعات:
ومن القرائن القويَّةِ الدالَّةِ على صحَّةِ التوقيعات، هو التزام الفقهاء بالعمل بها، سواءً صراحةً أو ضمناً، في موارد فقهيَّةٍ متعدِّدةٍ. وهذا الالتزام العمليّ يُعدّ نوعاً من الإجماع العمليّ، أو التواتر السلوكيّ، الذي يعضّد الوثوق بصدورها، لا سيَّما عند من يُقرّ بحجّيَّةِ سيرة العلماء.

ويؤيّد ذلك أيضاً: ما نُقِل من الكرامات والوقائع المرتبطة بهذه التوقيعات:
فمنها: ما رُوي عن محمَّد بن فضلٍ الموصليّ، وكان يشكّ في نيابة الحسين بن روحٍ (رضي الله عنه)، فاتّفق مع الحسن بن عليّ الوجناء على امتحانه، فكتب الوجناء كلماتٍ بحبرٍ خفيٍّ على ورقةٍ وختمها وأرسلها إلى الحسين بن روحٍ، فجاء الجواب في نفس الورقة وقد كُتِبت الردود على المواضع نفسها بالمداد الظاهر، فبُهِت محمَّد بن فضلٍ وأدرك صدق النيابة، فدخل مع صاحبه معتذرَين بعد أنْ تبيَّن لهما صدق الوساطة والانتساب [الغيبة للطوسيّ ص315-317].

ومنها أيضاً: ما تضمَّنته التوقيعات من الإخبار بالمستقبل؛ كما في ما رواه الحسن بن أحمد المكاتب أنَّه حضر عند عليّ بن محمَّدٍ السمريّ قبل وفاته بأيَّامٍ، فأخرج توقيعاً جاء فيه: «يا عليّ بن محمَّدٍ السمريّ، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّتٌ ما بينك وبين ستَّةِ أيَّامٍ...»، ثمَّ أخبر بانتهاء السفارة ووقوع الغيبة التامَّةِ، فوقع الأمر كما أخبر التوقيع تماماً [كمال الدين، ص516، الفصول العشرة ص10، الغيبة للطوسيّ ص395].

ومن أهمّ القرائن أيضاً: أنّ التوقيعات كانت تخرج بخطّ الإمام المهديّ (عليه السلام) نفسه، وهو عين الخطّ المعروف عن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، بحيث كان أصحاب الإمام العسكريّ وخواصّه يعرفونه ويطمئنّون إليه، الأمر الذي شكّل وسيلةً عمليَّةً لإثبات صدور التوقيعات من نفس المشكاة، وقطع الطريق على المدّعين والمزوّرين.

وقد أشار الشيخ الطوسيّ إلى ذلك بقوله: إنَّ توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) كانت تخرج على يد عثمان بن سعيدٍ وابنه محمَّد بن عثمان بنفس الخطّ السابق الذي كان معروفاً لدى الشيعة؛ ولذلك استمرَّت الشيعة على الوثوق بهما والرجوع إليهما [الغيبة ص357].
كما روى عبد الله بن جعفرٍ الحميريّ: «لمَّا مضى أبو عمروٍ رضي الله عنه أتتنا الكتب بالخطّ الذي كنَّا نكاتب به»، [الغيبة للطوسيّ ص362].
وفيه أيضاً: «ثمَّ إنَّهم كتبوا في ذلك كتاباً وأنفذوه إلى الناحية، وأعلموه بما تشاجروا فيه، فورد جواب كتابهم بخطِّه عليه وعلى آبائه السلام...»[الغيبة للطوسيّ ص285].

وهذه الدقَّةُ في استمرار الخطّ نفسه عبر السفراء، مع توثيقهم المسبق من الإمام الهادي والعسكريّ (عليهما السلام)، وامتداد ذلك لسنواتٍ طويلةٍ، كلّها تشكّل منظومة قرائن متراكمةً تُنتج الوثوق والاطمئنان بصدور تلك التوقيعات، وتُضعف احتمال التزوير.

وبناءً على ما تقدَّم؛ فإنَّ التوقيعات الصادرة عن الإمام المهديّ (عليه السلام) على يد النوَّاب الأربعة، مدعومةٌ بالسند والقرائن، ومنقولةٌ عن المعصوم مباشرةً، وواردةٌ في مصادر معتمدةٍ، وملتزمٌ بها فقهاء الطائفة، ومدعومةٌ بشهاداتٍ تاريخيَّةٍ وكراماتٍ خاصَّةٍ، فلا يبقى بعد ذلك وجهٌ للتشكيك في حجّيَّتها، بعد خضوعها لقواعد الحديث من حيث السند والدلالة، فمتى ثبتت صحَّةُ الإسناد وسلامةُ الدلالة، لم يبقَ مجالٌ للشكّ في حجّيَّتها؛ إذ تُعامل معاملة سائر الروايات المنقولة عن المعصوم، والنائب في مقام النقل بمنزلة الراوي الذي ينقل عن الإمام مباشرةً، فما يُقال هناك يُقال هنا.

وقد أُلّفت حول التوقيعات عددٌ من المؤلفات المتخصِّصةِ التي جمعها العلماء ودقَّقوا فيها من حيث المتن والسند، من أبرزها التي يمكن مراجعتها لمزيدٍ من البحث:
قرب الإسناد إلى صاحب الأمر لعبد الله بن جعفرٍ الحميريّ، التوقيعات المقدَّسة لجعفر وجداني، مجموعة كلمات وتوقيعات وأدعية الإمام المهديّ (عليه السلام) لخادمي الشيرازيّ، موسوعة توقيعات الإمام المهديّ لمحمَّد تقي أكبرنژاد، توقيعات الناحية المقدَّسة للعلَّامة المجلسيّ، وغيرها.

والحمد لله ربّ العالمين.ر

هل فعل البكاء واللطم وغيرهما من أجل ذنوبنا التي ارتكبناها؟السؤال: إنَّ ما يفعله الشيعة من ممارساتٍ ـ كالبُكاء واللطم وال...
19/06/2026

هل فعل البكاء واللطم وغيرهما من أجل ذنوبنا التي ارتكبناها؟

السؤال: إنَّ ما يفعله الشيعة من ممارساتٍ ـ كالبُكاء واللطم والضرب بالسلاسل والتطبير وغير ذلك ـ هو أسلوبٌ من إقامة العقوبة على النفس وتعذيبٌ للجسم، ليكون كفَّارةً للذنب والخطيئة، فهم يتخيَّلون أنَّهم يبكون ويلطمون على الحسين، ولكَّنهم في الواقع يعذِّبون أجسامهم، لأجل الذنوب التي ارتكبوها؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء يجدر بالمسلم الذي يؤمن بعدالة الله تعالى وبالحساب يوم القيامة، ويعتقد بحسن الإنصاف وقبح التقوُّل والافتراء أنْ لا ينسب إلى غيره ما لم يتيقَّن من التزامهم به، وإلَّا فليُعِدَّ جواباً يقف به غداً بين يدي الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. وهذا مما يشتهر به خصوم الشيعة بشكل واضح.

إذا بان هذا فلنعقد الجواب في ذكر أمرين:

الأمر الأوَّل: استحباب الشعائر الحسينيَّة.

إنَّ المطالِع لكلمات الفقهاء (أعزَّهم الله تعالى) يجدها تنصُّ على أنَّ الشعائر الحسينيَّة من أهمِّ المستحبَّات وأفضل القربات عندهم؛ ولذلك يلتزمون بفعلها كأمرٍ مستحبٍ وراجحٍِ وليس من أجل إقامة العقوبة على النفس وتعذيب الجسم كما يزعم السائل! ومنه يتَّضح حجم البهتان والكذب تجاه أتباع أهل البيت (عليهم السلام).

1ـ قال المرجع الدينيُّ الشيخ محمَّد حسين النائينيُّ (طاب ثراه):

(لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدَّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوى جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وإنْ تأدَّى كلٌّ من اللطم والضرب إلى خروج دمٍ يسيرٍ على الأقوى، وأمَّا إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً، وكان من مجرَّد إخراج الدم من الناصية بلا صدمةٍ على عظمها، ولا يتعقَّب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدرِّبون العارفون بكيفية الضرب.

ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضرُّ خروجه لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمن توضأ أو اغتسل أو صام آمناً من ضرره ثمَّ تبيَّن ضرره منه، لكن الأولى بل الأحوط أنْ لا يقتحمه غير العارفين المتدرِّبين، ولا سيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم؛ لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبَّة الحسينيَّة) [فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينيَّة ص9].

2ـ وقال المرجع الدينيُّ السيِّد محسن الحكيم (طاب ثراه) في تعليقته على فتوى المحقِّق النائينيّ ما نصُّه:

(إنَّ ما أفاده أستاذنا الأعظم (الشيخ النائينيّ) في نهاية الإتقان وفي غاية الوضوح، بل إنّها أوضح من أنْ تتطلَّب إظهار موافقة سائر الفقهاء، والمظنون أنَّ بعض المناقشات التي تحصل إنما هي ناشئةٌ من إجراء بعض الأمور والأعمال الجارية التي قد تكون منافيةً مع مقام العزاء والحزن على سيِّد الشهداء، من هنا فإنَّ الأمل ـ بل الواجب ـ هو الاهتمام بإبقائها طاهرةً لكي تكون ممتدَّةً على البكاء والحزن من جميع هذه الشعائر المقدَّسة) [فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينيَّة ص11].

3ـ وقال المرجع الديني السيِّد أبو القاسم الخوئيّ (طاب ثراه) في تعليقته على فتوى المحقِّق النائينيّ ما نصُّه:

(إنَّ ما قاله أستاذنا في جوابه لهذا السؤال صحيح، ولا إشكال في العمل بناءً عليه، أسأل الله التوفيق لإخواننا المؤمنين لتعظيم شعائر الدين والابتعاد عن المحرَّمات) [فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينيَّة ص12].

4ـ وقال المرجع الدينيُّ السيِّد محمَّد سعيد الحكيم (طاب ثراه) في تعليقته على فتوى المحقِّق النائينيّ ما نصُّه:

(ما ذكره شيخ مشايخنا (قدِّس سرُّهم) بتفاصيله في غاية الجودة والمتانة، وهو في نظرنا الحق الحقيق بالقبول وعليه فتوانا، وبه صرَّح كثيرٌ من علماء الطائفة من مشايخنا وغيرهم، رفع الله شأنهم وجزاهم عن هذه الطائفة خير جزاء المحسنين، بل لا ريب في رجحان هذه الأمور؛ لما لها من الأثر الفعَّال في التذكير بمصائب أهل البيت (صلوات الله عليهم) وتفجُّع الناس لها، وتفاعلهم معها، وما يترتب على ذلك من انشدادهم لأهل البيت (صلوات الله عليهم) وازديادهم في حبهم ومودتهم وثباتهم على ولايتهم والإذعان بإمامتهم، وتنفِّرهم من أعدائهم وظالميهم ومجانبتهم لهم وبغضهم إياهم. وهو من أهم المقاصد الدينيَّة، فإنَّ أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، كما تظافرت بذلك أحاديث الفريقين) [فتاوى الفقهاء والمراجع في الشعائر الحسينيَّة ص22]. وغيرهم الكثير من فقهاء الطائفة المحقَّة.

الأمر الثاني: طلب التوبة أمرٌ راجحٌ.

لا يخفى أنَّ طلب العفو من الله تعالى والتوبة إليه من الأمور الراجحة في الشريعة الإسلاميَّة، إذْ إنَّ طبيعة الإنسان ـ باستثناء أهل العصمة ـ معرَّضةٌ للوقوع في المعاصي والذنوب، والشيعة كسائر الناس يخضعون لهذا القانون، فيلجؤون إلى الله تعالى بالاستغفار وطلب العفو كما يفعل غيرهم ممن يبتلى بالخطأ والخطيئة.

ولكن من المهم الالتفات إلى أنَّ التوبة وطلب الغفران لا يرتبطان بممارسة الشعائر الحسينيَّة، فهذه الشعائر ـ كما نصَّ الفقهاء ـ أعمالٌ راجحةٌ ومستحبةٌ في ذاتها، وليست غايتها تكفير الذنوب كما يزعم السائل، إذْ إنَّ التوبة شيءٌ، والشعائر شيءٌ آخر، وإنْ كان من الممكن أنْ تكون هذه الأعمال الحسنة سبباً لمغفرة الذنوب، فتكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114].

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ الشعائر من الأمور الراجحة والمستحبة؛ ولذلك يقوم الشيعة بفعلها والالتزام بها، وليس كما قال السائل من أنَّ إقامتها عقوبةٌ وتعذيبٌ للجسم! كما أنَّ طلب التوبة أمرٌ مطلوبٌ وراجحٌ ولا علاقة له بفعل هذه الأمور، وإنْ أمكن صيرورتها سبباً في الغفران والعفو كرامةً لسبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).. والحمد لله ربِّ العالمين.

هل كان زهير بن القين عثمانيّاً؟ الجواب:لم يرد في مصادر علمائنا المحدّثين أو المؤرّخين وأهل الجرح والتعديل ما يشير إلى تو...
18/06/2026

هل كان زهير بن القين عثمانيّاً؟

الجواب:

لم يرد في مصادر علمائنا المحدّثين أو المؤرّخين وأهل الجرح والتعديل ما يشير إلى توصيف زهير بن القين (رض) بكونه عثمانيّ النزعة، كما لم أقف عند مؤرّخي السنّة على هذا الوصف إلّا في موضعين:

الأوّل: ما رواه البلاذريُّ حيث قال: (وكان زهيرُ بن القين البَجليّ بمكَّة، وكان عثمانيّاً، فانصرف من مكّة متعجّلاً، فضمّه الطريق وحسيناً) [أنساب الأشراف ج٣ ص١٦٧].

الثاني: ما ذكره ابن الأثير بقوله: (وكان زهيرُ بن القين البجليّ قد حجّ، وكان عثمانيّاً، فلمّا عاد جمعهما الطريق) [الكامل في التاريخ ج٤ ص٤١].

وعليه، فإنّ هذين النصّين هما المصدران الوحيدان اللذان نسبا هذا الوصف إلى زهير، دون أن يوردا له مستنداً أو سنداً معتبراً، بل اكتفيا بإرسال الدعوى إرسالاً.

وبذلك يتبيّن أنّ نسبة "العثمانيّة" إلى زهير بن القين تفتقر إلى الدليل الموثوق، وأنّها أقرب إلى دعوى غير ثابتة تاريخيّاً.

ولعلّ منشأ هذه النسبة هو ما أورده الطبريّ في تاريخه، إذ نقل خبراً أسنده إلى أبي مخنف عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريك العامريّ، جاء فيه: أنّ عزرة بن قيس الأحمسيّ ــ من قادة جيش ابن زياد ــ خاطب زهير بن القين يوم التاسع من المحرّم، بعد أن نصحه زهير قائلاً: (فاتَّقِ الله يا عزرة، فإنِّي لك من الناصحين، أُنشِدُك الله يا عزرة أن تكون ممّن يُعين الضُلّال على قتل النفوس الزكيّة).

فردّ عليه عزرة: (يا زهير، ما كنتَ عندنا من شيعة أهل هذا البيت، وإنّما كنتَ عثمانيّاً).

فأجابه زهير مؤكّداً: (أفلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم؟ أما واللهِ ما كتبتُ إليه كتاباً قط، ولا أرسلتُ إليه رسولاً قط، ولا وعدتُه نصرتي قط، ولكنّ الطريق جمعني وإيّاه، فلمّا رأيتُه ذكرتُ به رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) ومكانه منه، وعرفتُ ما يُقدِم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيتُ أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه، حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسوله (صلّى الله عليه وآله))[تاريخ الطبريّ ج٤ ص٣١٦].

وعلى ضوء هذا النصّ يمكن القول: إنّ البلاذريّ وابن الأثير ربّما اعتمدا على هذه الرواية أو ما شابهها في نسبة الوصف إلى زهير، مع أنّ ظاهر الرواية لا يثبت أنّه كان عثمانيّاً حقيقة، بل إنّها مجرّد اتّهامٍ وجّهه إليه عزرة بن قيس، وقد ردّه زهير بوضوحٍ عبر موقفه العملي وانضمامه إلى الإمام الحسين (عليه السلام).

ومن هنا يتّضح أنّ تلك النسبة ليست ثابتةً تاريخيّاً، بل هي دعوى خصمٍ أراد الطعن به، فحُملت على ظاهرها دون تمحيص.

ومن خلال هذا النصّ يمكن تسجيل عدّة ملاحظات:

أوّلاً:إنّ الادّعاء بكون زهير عثمانيّاً صدر من خصمه عزرة بن قيس، وهو من معسكر الباطل، ولم يثبت أنّ زهيراً أقرّ له بذلك.

ثانياً: استفاد زهير من هذا الاتّهام ليجعله مدخلاً للحوار والدعوة إلى الحق؛ فهو لم ينشغل بدفع التهمة بقدر ما أراد أنْ يُبيّن أنّ موقفه العملي إلى جانب الحسين (عليه السلام) برهانٌ على صدق ولائه، بل إنّ الذين يحتاجون إلى مراجعة مواقفهم هم خصوم الحسين (عليه السلام) الذين كتبوا إليه يدعونه ثم خذلوه.

ثالثاً: لو افترضنا أنّ اعتماد البلاذريّ وابن الأثير على هذه الرواية، فإنّها لا تصلح حجّةً لإثبات الدعوى؛ إذ هي خبر آحادٍ فاقدٌ لشروط الاعتبار، ولم تُحتفّ بقرائن موجبةٍ للوثوق، فهي ساقطةٌ عن الحجّيّة.

رابعاً: مضمون الرواية نفسه لا يُثبت النسبة، بل يُظهر بوضوح أنّ زهير ردّ الاتّهام ببيان موقفه العمليّ، مع تعريض بعزرة بن قيس الذي كان ممّن كتب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) ثم غدر به، ومن هنا كان جواب زهير في حقيقته تكذيباً لخصمه لا إقراراً له.

خامساً: حتى لو سلّمنا جدلاً بأنّ زهيراً كان عثمانيّ الهوى في مرحلةٍ من حياته فإنّ ذلك لا ينتقص من مقامه، بل يرفع منزلته؛ إذ إنّ التحاقه بركب الإمام الحسين (عليه السلام) يكشف عن نقلةٍ نوعيّةٍ من الظلمة إلى النور، ومن هوىً سابقٍ إلى الولاء الخالص لأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما خلّد اسمه في سجلّ شهداء الطفّ، وجعل المؤمنين يسلّمون عليه في زياراتهم، ويشهدون له بالفضل والكرامة، ويتمنّون الحشر معه يوم القيامة، فهو في النهاية حسينيّ الهوى قولاً وفعلاً، وفوزه بالشهادة شاهد على صدق نيّته وإخلاصه: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ}

الخلاصة: إنّ نسبة "العثمانيّة" إلى زهير بن القين (رضوان الله عليه) لا تقوم على أساسٍ علميٍّ معتبر؛ إذ لم يذكرها سوى البلاذريّ وابن الأثير نقلاً مرسلاً بلا سند، ويبدو أنّ منشأها ما ورد في رواية الطبريّ على لسان خصم من معسكر الباطل، وهي دعوى لم يُقرّها زهير، بل ردّها عمليّاً بانضمامه إلى الإمام الحسين (عليه السلام) واستشهاده بين يديه، بل إنّ موقفه يُظهر تعريضاً بمن رماه بهذه التهمة من الذين كتبوا إلى الحسين ثم خذلوه.

وعلى تقدير ثبوت انتماءٍ سابق لزهير إلى العثمانيّة، فإنّ هدايته إلى الركب الحسينيّ تُعدّ رفعةً لمقامه؛ إذ تحوّل من هوىً إلى هوىً أسمى، ومن الظلمة إلى النور، حتى خُلد اسمه في سجلّ شهداء كربلاء، فصار مثالاً للهداية والصدق والإخلاص.

والحمد لله ربّ العالمين.

إذا هل المحرم نشرت الملائكة ثوب الحسين (ع) السؤال:هناك جدلٌ دائرٌ في خصوص رواية «إذا هلَّ هلالُ المحرَّم نشرت الملائكة ث...
18/06/2026

إذا هل المحرم نشرت الملائكة ثوب الحسين (ع)


السؤال:

هناك جدلٌ دائرٌ في خصوص رواية «إذا هلَّ هلالُ المحرَّم نشرت الملائكة ثوب الحسين (عليه السَّلام) ... الرواية»، فما هو قولكم فيها؟



الجواب:

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

يُشير الأخ السائل إلى ما رواه السيد عليُّ بن الحسين الهاشميُّ النجفيُّ الخطيب، المتوفَّى عام (1396) هجريَّة، في كتابه الشهير ثمرات الأعواد، حيث قال ما نصُّه:

(وقيل للصَّادق (عليه السَّلام): سيِّدي، جُعلتُ فِداك، إنَّ الميتَ يُجلسون له بالنِّياحة بعد موته وقتله، وأراكم تجلسون أنتم وشيعتكم من أوَّل الشهر بالمأتم والعزاء على الحسين (عليه السَّلام)؟! فقال (عليه السَّلام): يا هذا، إذا هلَّ هلالُ المحرَّم نشرتِ الملائكةُ ثوبَ الحسين (عليه السَّلام)، وهو مخرَّقٌ من ضرب السُّيوف، وملطَّخٌ بالدِّماء، فنراه نحن وشيعتُنا بالبصيرة لا بالبصر، فتنفجر دموعُنا) [ثمرات الأعواد ج1 ص36].



وقد يُشكَل على هذا الحديث بأنَّه لا يوجد في مصدرٍ حديثيٍّ قديم، وإنَّما ورد متأخِّرًا، وعليه فلا يصحُّ التعويلُ عليه والأخذُ به، بل حتَّى لو بنينا على التسامح في مثل هذه الأمور، فلا يُمكننا الأخذ به؛ لأنَّ التسامحَ في أمثال ذلك خاصٌّ بما ورد في المصادر المتقدِّمة، ككتب الصَّدوق (رحمه الله تعالى) وأمثاله؛ ولأجل ذلك سوف ينتظم الكلامُ في ذكر مقامَين:



الأوَّل: في مصدرِ الرواية.

إنَّ وجودَ الرواية في مصدرٍ متأخِّرٍ، وعدمَ وجودها في مصدرٍ قديم، لا يعني أنَّها مكذوبةٌ عليهم (صلوات الله عليهم)، إذ ما أكثر المصادر التي كانت عند العلماء والآن هي مفقودة، أو لا زالت في خانة المخطوطات.

قال فقيهُ أهلِ البيت (طاب ثراه): (إنَّ عدمَ العثور على مصدرِ الرواية لا يصلح شاهدًا على كذبها؛ لأنَّه قد أُلِّفت في العصور الأولى كثرةٌ كاثرة من الكتب حول مقتلِ الحسين (عليه السَّلام) تعتمد على الروايات المسندة لمشاهدي الحوادث، أو على ما يُحدِّث به أئمَّةُ أهلِ البيت (عليهم السَّلام) في عصورهم الطويلة، حيث بذلوا (صلوات الله عليهم) جهدَهم في الإعلان والتذكير بهذه المصيبة بما أحاط بها من مآسٍ وفجائع، وعِبَر، وإذا كانت تلك الكتب قد ضاعت علينا، فمن القريب جدًّا أن يكون كثيرٌ من مضامينها قد بقي في الصدور يتناقله الناسُ جيلًا بعد جيل، أو أُودع بنحوٍ مُرسَل في بعض المقاتل المتأخِّرة التي وصلتنا، كما أنَّ كثيرًا من الأحداث ربما لم يُسجَّل، وإنَّما بقي متناقَلًا بين الناس في الأجيال المتعاقبة حتَّى وصل إلينا مُرسلًا من دون مصدر. واحتمالُ ذلك كافٍ في حسن ذكره لتشييد حقٍّ معلوم أو للتنفير من باطلٍ معلوم) [من وحي الطف ص78].



وعليه، فشهادةُ المُصنِّف الثقة بأنَّها من أحاديث الصَّادق (عليه السَّلام) تجعلنا نركن إلى وجود مصدرٍ لها لم نطَّلع عليه نحن، أو أنَّه قد سمعها شِفاهًا من بعض من يثقُ بهم، ومن ثمَّ أودعها في كتابه.



ولو قال قائل: إذا كان لها مصدرٌ قديم، فلماذا لم يطَّلع عليه الآخرون وهم أهل الحرفة والصناعة في الحديث؟

فنقول: ليس من الضَّرورة أنَّ كلَّ ما وجده المتأخِّرون وجده المتقدِّمون؛ ولذا نرى المُحدِّث النُّوري (طاب ثراه) قد عثر على مجموعةٍ من الأصول الأربعمائة ولم يعثر عليها المتقدِّمون، وكذلك السيد الكوهكمريُّ، ومن قبلهم ابن إدريس الحِلِّي [يُنظر: دروس تمهيدية في القواعد الرجاليَّة ص117].



وعليه، فعثور أحد المتأخِّرين على أحد الأصول أو المصادر، وعدم عثور المتقدِّمين عليه أمرٌ ممكن، بل واقعٌ كما لا يخفى على العارف.

ومن ثمَّ يُمكن أنْ يكون السيد الهاشميُّ (طاب ثراه) قد اطَّلع عليها في بعض المصادر التي لم تصل إلينا، أو قد سمعها من بعض الثِّقات، خصوصًا أنَّ المُصنِّف (طاب ثراه) كان يمتلك مكتبةً كبيرةً تضمُّ زهاء ثلاثة آلاف مجلَّد، بينها نيفٌ وخمسون مخطوطة [يُنظر: مجلَّة تراثنا ع4 ص135].



المقام الثاني: في قاعدةِ التسامح.

لا يخفى أنَّ العلماء ـ من العامَّة والخاصَّة ـ يتساهلون في قبول الأخبار التي لا ترتبط بالأحكام الشرعيَّة ـ كالوجوب والحرمة ـ كالأخبار الواردة في المناقب والمعاجز والقصص والمصائب، وما أشبه ذلك ممَّا لا يترتَّب عليها حكمٌ شرعي، ولم يُفرِّقوا بين الأخبار الواردة في المصادر القديمة أو المتأخِّرة، إذ الكلُّ مشمولٌ للتسامح والتساهل.



1 ـ قال الميرزا النُّوريُّ (طاب ثراه): (وأمَّا في غير الواجب والحرام، فيشترك كلُّ العلماء بالعمل بالضَّعيف ولو لم يكن له جابر، ويسيرون على هذا النَّسق في أبواب المستحبَّات، بل المكروهات، وكذلك في أبواب الفضائل، والمصائب، والقصص) [اللؤلؤ والمرجان ص225].



2 ـ وقال الخطيب البغداديُّ: (قد ورد عن غير واحدٍ من السَّلف أنَّه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلِّقة بالتحليل والتحريم إلَّا عمَّن كان بريئًا من التُّهمة، بعيدًا من الظِّنة، وأمَّا أحاديث الترغيب والمواعظ ونحو ذلك، فإنَّه يجوز كتبها عن سائر المشايخ ... إلى أن قال: كان أحمد بن حنبل يقول: إذا روينا عن رسولِ الله في الحلال والحرام والسُّنن والأحكام تشدَّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبيِّ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه، تساهلنا في الأسانيد) [الكفاية في علم الرواية ص415 بتصرُّف].



وبناءً على ذلك، تكون القاعدةُ المذكورة شاملةً لرواية السؤال، لكونها لا تنقل حكمًا شرعيًّا، وإنَّما تتضمَّن النقل لأمرٍ معرفيٍّ مرتبط بعاشوراء الحسين (عليه السَّلام)، ولذلك فلا يصحُّ القول بعدم شمولها لها، لكونها نُقلت في مصدرٍ متأخِّر، كما هو واضح.



والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ هذا الحديث وأمثاله يُمكن أن يُعوَّل عليه في أبواب المصائب التي جرى التسامح فيها من قبل أعلام الفن، نسألُ الله تعالى أن يشملنا بشفاعة الحسين يومَ الورود .. والحمدُ لله ربِّ العالمين.

Address

العتبة الحسينية
Karbala'
56001

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when مركز الرصد العقائدي posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to مركز الرصد العقائدي:

Share