19/03/2026
قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان) البقرة ١٨٥، ونحن في آواخر شهر رمضان لعام ١٤٤٧ هجري وفي اليوم الثلاثين منه، وكالعادة في كلِ عام يتجه الاغلب منا لقراءة المصحف الشريف والقرآن الكريم في هذا الشهر بصورة تتغلب على قراءته عن أي شهرٍ آخر، ومن بين ما نقرأ في كتاب الله هو الآية الكريمة التي جاءت في مقدمة هذه السطور، ولكن هل تأملنا يوماً في هذه الآية كما ينبغي أم لا زلنا نمر عليها مرور الكرام ونقرأها كما نقرأ الجرائد الإخبارية اليومية دون تدبرٍ ودون بصيرة !.
وكمحاولة للتدبر في هذه الاية المباركة لابد أن ابدأ بحثي بالسؤال الآتي :
س/ ما هو القرآن؟ وما هو الهدى المُنزل فيه؟ وما هي البينات من الهدى والفرقان؟
فالإجابة على هذه التساؤلات ستجعلنا قريبين نسبياً بشكل كبير من المقاصد الإلهيه لهذه الاية المباركة، وكالتالي؛
تشير مقدمة الآية ١٨٥ من سورة البقرة التي جاءت مكملة لما سبقها من السياق في الايات التي سبقتها بأن عملية نزول القرآن الكريم قد حصلت في شهر رمضان، وهذه أية خبرية يخبرنا الله من خلالها عن تاريخ نزول القرآن على صدر رسوله المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن ألا يتعارض هذا مع حقيقة أن القرآن قد إستمر في النزول على صدر الرسول الأكرم طِوال فترة البعثة النبوية، أي لأكثر من ثلاثة وعشرون عاماً فكيف يكون قد نزل في شهرِ رمضان أو في ليلة واحدة وهي (ليلة القدر) ؟!.
إذن هناك شيء نزل في شهر رمضان وهناك شيء آخر قد إستمر في النزول لمدة ٢٣ عاماً فما هما؟.
إن إختلاط المفاهيم الخاطئة وعدم التفريق ما بين الكتاب والقران هي التي أدت إلى سوء التدبر في هذه الاية كما حصل مع غيرها من آيات الكتاب، فالتفسيرات المعتمدة في أغلب كتب المسلمين لا تميز ولا تفرق ما بيت الكتاب والقرآن مما أدى الى وقوعها في شَرك الترادف (تطابق معنى الألفاظ) وتلك هي كارثه ما يسمى بالفقه الاسلامي، فالكتاب هو رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وهو الآيات البينات التي هُن (أم الكتاب) وهن آيات الشريعة المحمدية (الأحكام)، والكتاب هدى للمتقين لذا قال تعالى (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) البقرة ٢، وأما القرآن فهو نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهي الآيات المتشابهه التي جاءت لتصديق رسالة محمد، والقرآن هدى للناس لذا قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ ..) البقرة ١٨٥، وكل المتقين من الناس ولكن ليس كل الناس متقين.
كذلك عندما يتكلم الله عن نزول الرسالة (الكتاب) أي الشريعة يستخدم مصطلح (نَزّلَ) بمعنى عملية التنزيل المستمرة، وعندما يتكلم عن نزول النبوة (القرآن) يستخدم مصطلح (أنزلَ) بمعنى عملية الإنزال التي حصلت لمرةٍ واحدة في وقتٍ سابق، وتلك هي دقة الله في كلامه كما هي دقته في كلماته، فما أنزل على الرسول الأكرم في شهر رمضان هو القرآن الكريم فقط أي الآيات المتشابهات التي تناولت خلق الإنسان وقوانين الكون واللوح المحفوظ وأحداث الماضيين وقصص الأنبياء والإمام المبين وأنباء الغيب عن قيام الساعة ويوم الحساب، ولا شك بأن هذا الإنزال قد حصل بشكل تعجيلي وتدخل من الله بواسطة روحه الأمين جبرائيل عليه السلام لتثبيت ما حصل من النزول في صدر الرسول الأكرم، وأما قوله (هُدى للناس) فيعني هو آية بينة ومعجزية آلهيه أنزلها الله على رسوله ليصدق الناس رسالته ونبوته ويعلموا أن ما جاءهم به محمد هو ليس من عنده بل هو من عند الله، فمحمد عليه الصلاة والسلام لم يكن يعرف كيف خُلِقَ الانسان ولا يعلم بقصص الانبياء والرُسل الذين سبقوه، كما لا يعلم بأنباء الغيب وقيام الساعة، وهكذا هم الجميع من قومه لا يعلمون، فمن أين جاء بكل تلك الآيات مالم تكن من عند الله، فمن كان يُشكك به من الكفار او المشركين أو باقي الناس فهذا القرآن الذي أنزل هو الهدى لهم، وهو البينات الواضحات التي لا تقبل الشك لكل من يتأمل هذه الايات بقلبٍ سليم، وأما (الفرقان) فهو الوصايا العشر التي نزلت في الشرائع السابقة لأهل الكتاب كاليهود والنصارى وكذلك المؤمنين أي أتباع محمد والتي مثلت القيم الأخلاقية الإنسانية لكل أهل الأرض والتي جاءت في الشريعة المحمدية لتكون هي الصراط المستقيم وجزء من المحرمات في الشريعة المحمدية، وهي الآيات (١٥١، ١٥٢، ١٥٣ من سورة الأنعام) .
وهكذا فهِمنا وتدبرنا في كتاب الله في الآية الكريمة لندرك من خلالها حقيقة ما أنزل في شهر رمضان .
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لنكون من أولي الأبصار المتدبرين في كتاب الله، والساعين لتعزيز كلمتهِ العُليا ودينه القّيم على العالمين .
والحمد لله رب العالمين
٣٠ رمضان ١٤٤٧ هجري
الموافق ١٩ مارس ميلادي